يرحم الله سواراً، ثم قال: إني وليت معاذاً على الاختيار له، ثم بلغني عنه أمور أحببت لها أن أسأل عنه، فأخبروني عنه فأومأ إِلَى الأنصاري، فقال: خير له وللمسلمين ألا يلي عليهم، وقَالَ: ابن حرب: قد كان على ما ذكر أمير المؤمنين، ثم ظهرت له بطانة أفسدته، وقَالَ: عُمَر بْن حبيب: يا أمير المؤمنين القاضي بين حامد له وذام، فأقبل على ابن سوار، فقال: ما تقول أنت في ابن عمك ? فقال: على ما ذكر أمير المؤمنين حتى ظهرت له أشياء من أصحابه، وفساد في بصره مع سنه، فقال: إن فساد البصيرة قد يكون في الرجل الشاب، فقال: أجل يا أمير المؤمنين فنحتمل ذلك في غير القضاء، فأما في القضاء فلا، فقال: صدقت، ثم أقبل على الفضل، فَقَالَ: ادفع إِلَى كل رجل منهم خمسة ألف درهم، ونهضوا، فَقَالَ: الأنصاري يا أمير المؤمنين إني خلفت ضيعة وعيالاً يحتاجون إِلَى قربى منهم فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي، فقال: قد أذنت لك، فَقَالَ: الفضل: ولجماعتهم يا أمير المؤمنين، قال: ولجماعتهم، فَقَالَ لَهُم الفضل: انحدروا حتى يلحق بكم جوائزكم، فانحدروا وخلف معاذ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن جبلة، على جائزته حتى قبضها، ودخل القوم على الفضل بْن الربيع لوداعه، ومعاذ عنده، فأقبل الفضل على معاذ، فقال: قد والله ذمك القوم جميعاً، وودع الفضل الجماعة، وانحدروا ومعاذ معهم، حتى صاروا إِلَى البصرة
فَقَالَ: أبان بْن عَبْد الحميد يرد على الشعراء الذين هجوا معاذاً:
يا أيها الشعراء لا تتعرضوا ... لليث دون عرينه المتشمر
من رام عرض أبي المثنى فاعلموا ... أني له مثل الشجا في الحنجر
من قَالَ: خيراً فليقله مصدقاً ... والشيخ بالشتم الكذوب المفتري
عندي لكم إن شئت عدة شاعر ... فطن بأَبُوا النجاة مظفر
كذبت ظنون المرجفين وصرحت ... عَن فاضح مثل الصباح المشهر
خابوا وفاز أَبُو المثنى دونهم ... بالجاه عند وجوه أهل العسكر
وأتاه من عند الإمام المصطفى ... بالبكت للأعداء كل مبشر
يدعى بباب الفضل أول داخل ... ويخلف الباقون أخبث مؤخر
وحباه هارون الامام بكسوة ... وحباه منه بألف جعد أصفر
ورآه أولى حين قيّس أمره ... بالحكم ممن ذمه في المنحر
فقفى برغم يا قبائل واعلمي ... أن الحكومة بيتها في العنبري
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن قثم بْن جعفر بْن سليمان قال: كان معاذ سيء الرأي في مؤنس بْن عِمْرَانَ، قد هم أن يمنعه من دخول المسجد الجامع، فكلم مؤنس بنجاب أن يجعل أرزاقه إليه، فكانت تجري من تحت يدي مؤنس لابتياعه الطعام، فأدرها مؤنس عليه فحسن رأيه في مؤنس، حتى كان يقول: مؤنس مؤنس ويضمنه الأموال.
قال: فحَدَّثَنِي فضل بْن عَبْد الوهاب؛ قال: كنت أتوكل لمؤنس بْن عِمْرَانَ، فلما قدم معاذ بغداد أمرني مؤنس بإقامة النزل له ولخاصته، فقمت بذلك، ولم يكلف شيئاً حتى انحدر.
حَدَّثَنِي أَبُو الأحوص بْن المفضل بْن غسان؛ قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنَا سليمان بْن داود؛ قال: سمعت معاذ بْن معاذ سأل خالد بْن الحارث، ويحيى ابن سعيد القطان عَن رجل شهد عنده بشهادة، فجاءت مسألته أنه يدخل الحمام بغير مئزر، فأجمعنا على أن نرد شهادته.
حَدَّثَنِي أَبُو علي أَحْمَد بْن عَبْد اللهِ بْن منصور العطار، الذي كان يشهد عند القضاء، قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن مُحَمَّد بْن ورد؛ قال: حَدَّثَنِي خلف بْن سالم؛ قال: حَدَّثَنِي عفان بْن مسلم؛ قَالَ: أمرني معاذ بْن معاذ أن أسأل عَن بعض من شهد عنده، فسألت عنه، فرمى بالغلمان؛ فقلت لمعاذ: فَقَالَ: أفارس أم رامح ? قلت: فارس؛ قال: آه آه.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عثمان؛ قال: العباس بْن ميمون؛ قال: زعم بجير ابن صالح العتكي، وكان والله من المصلين المحزنين؛ قَالَ: شهد رجل من الزيدية عند معاذ بْن معاذ بشهادة، فأدناه منه؛ فقال: أليس خرجت مع إبراهيم؛ قال: وأنت قد خرجت معه؛ قال: أنا خرجت على غير دابة، وأنت خرج على دابة، فَقَالَ لَهُ الرجل: فأنت أسوأ حالاً مني، بل سفكت دماء المسلمين على غير دابة؛ فَقَالَ لَهُ معاذ: استرها فإنها هفوة، وأجاز شهادته.
وعزل هارون الرشيد معاذ بْن معاذ في رجب، سنة إحدى وتسعين ومائة، فولى عيسى سنتين، وقد كان حكم على عمارة بْن حمزة البكراوي، وابتاع جزوراً وأطافه في قبائل البصرة، ونحره يشكر الله زعم على عزله، وغسل الحصى في الموضع الذي كان معاذ يجلس فيه، وولى بعده مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري؛ قَالَ: عَبْد الرحمن: سمعت أبا يوسف وذكر معاذ بْن معاذ، قال: من رجالي قضاة أهل البصرة ولست تاركه حتى أعزله.
ولاية مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري الأولى
وهو مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن المثنى بْن عَبْد اللهِ بْن أنس بْن مالك، يكنى أبا عَبْد اللهِ، وولى سنة إحدى وتسعين ومائة، فأحسن السيرة في عمله الأول، ورد على الأيتام أموالهم التي كان معاذ قد ولاها عليهم، وحجر على معاذ بْن معاذ وتغيب معاذ منه، وخرج إِلَى بغداد، وعزل الأنصاري في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وولى الرشيد عَبْد اللهِ بْن سوار بْن عَبْد اللهِ في تلك السنة.
أَخْبَرَنِي من سمع إبراهيم بْن هاشم يقول: سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري يقول: لي تسع وتسعون، وعاش جدي أنس مائة وعشراً، وعاش الأنصاري بعد هَذَا الكلام سنة.
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن علي؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يحيى بْن فياض، قال: مات الأنصاري سنة خمس عشر ومائتين، وولد في شوال سنة ثمان عشرة ومائة، وهَذَا خلاف ما حكاه إبراهيم بْن هاشم عنه.
عَبْد اللهِ بْن سوار بْن عَبْد اللهِ بْن قدامة ابن عنزة العنبري
يكنى أبا سوار
فيما أَخْبَرَنِي معاذ بْن المثنى العنبري، ولاه الرشيد سنة اثنين وتسعين ومائة، ولما قدم معاذ إِلَى بغداد عمل في رد أمواله عليه، فكتب له إِلَى عَبْدِ اللهِ بْن سوار فقدم معاذ البصرة، فَقَالَ: لابن سوار: أليس من العجب أن تحذر على مالي وتفك الحجر عَن كسكاب، رجل كان سفيهاً، رد الأنصاري عليه ماله؛ فَقَالَ لَهُ ابن سوار: فكيف رأيت الله أعقبك.
وكذا أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عثمان، عَن العباس بْن ميمون؛ قال: سمعت هلال الرأي يقول: ولينا عَبْد اللهِ بْن سوار، وما يحسن شيئاً، ولكن كان ذا عقل وفهم، فكان يشاور فلم ير من القضاة أحداً هو أصح سجلات منه، لأنه لم يكن ينفذ شيئاً إِلَّا بمشورة. قَالَ: أَبُو العيناء: ليس أحد ولى القضاء قليل الفقه، قد تم القضاء بعقله إِلَّا عَبْد اللهِ ابن سوار.
وقَالَ: أَبُو خالد المهلبي: كان سوار يتأنى. وكان عَبْد اللهِ بْن سوار فِيْهِ عجلة، وتمت في أيامه شهادات زور ما عملت قبله، وكان ينسب إِلَى العصبية، وكان عفيفاً.
وولى عَبْد اللهِ بْن سوار صدقة البصرة مع القضاء، وأشرك بينه وبين مُحَمَّد ابن حرب الهلالي في ولايتها، وجعل لهما الثمن فاعتقدا جميعاً من ذلك الثمن عقدة على قدر ما صار لهما منه.
أنشدني الحارث بْن أبي أسامة، قال: أنشدني الحضرمي، قال: أنشدني عَبْد اللهِ بْن سوار:
سأشكر إن الشكر حظ من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
ونوهت باسمي ثم ما كان خاملاً ... ولكن بعض الذكر أرفع من بعض
وقَالَ: عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن أبي عنبسة يذكر عَبْد اللهِ بْن سوار:
لبئس ما ظن ابن سوار ... أن ظن أن أقعد عَن ثاري
أو ظن أن أترك داري له ... وهو على الأحكام في الدار
أم ظن أن تنفذ أحكامه ... بعدي على قيمة دينار
قد عرفته نفسي أنني ... طلاب أوتار وأثآر
اقتحم الموت على هوله ... وأوثر النار على العار
فلم يزل عَبْد اللهِ بْن سوار قاضياً إِلَى أن توفي هارون سنة ثلاثين وتسعين، وإسحاق بْن عيسى على الصلاة والأحداث، فخطب عَبْد اللهِ بْن سوار خطبة تناول فيها المأمون، وقرظ مُحَمَّداً، فكان ذلك مما أضغن المأمون عليه، وقتل مُحَمَّد بْن هارون ليلة الخميس، لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وخلص الأمر للمأمون، وولى إسماعيل بْن جعفر، ففوض عزل عَبْد اللهِ بْن سوار إليه، فعزله عزلاً غليظاً، ختم عليه كتبه ثم حولها عنه، وخافه ابن سوار في أكثر ما صنع، واجتمعت إليه عشيرته، ففرقهم عَن نفسه، ولم يزد إسماعيل في صرفه على ما صنع من ختمه عليه، وتحويله كتبه عَن داره.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عثمان، عَن العباس بْن ميمون، قال: سمعت مُحَمَّد بْن عُمَر العنبري يقول: كتب الفضل بْن الربيع إِلَى عَبْدِ اللهِ بْن سوار ليشتري له ضيعة، فكتب إليه: أن القضاء لا يدنس بالوكالة.
ولاية مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري الثانية
حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر بْن خالد، قال: حَدَّثَنَا أَبُو زيد؛ قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري، قال: كانت الفارعة بنت المثنى بْن حارثة الشيباني، عند أنس بْن مالك، فولدت عَبْد اللهِ، فولد عَبْد اللهِ المثنى وبه سمى ثمامة. أَخْبَرَنِي أَبُو حمزة أنس بْن خالد الأنصاري، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ الأنصاري قال: سمعت من داود بْن هند كتاباً، فِيْهِ نحو من أربع مائة حديث، فاستعاره مني رجل، فحبس على، فتركت أن أحدث منه بشيء.
أَخْبَرَنَا أَبُو حمزة، قال: حَدَّثَنَا الأنصاري، قال: رأيت أبا أيوب السختياني وله وفرة تضرب شحمة أذنيه، ورأيت قميصه يضرب ظهر قدمه. ولما عزل المأمون عَبْد اللهِ بْن سوار كتب إِلَى إسماعيل بْن جعفر في اختيار قاض، فكان يشاور في ذاك، ووجه إليه العهد مكتوباً إِلَّا إسم القاضي، ترك أبيض، وكان الكاتب ذلك إليه طاهر بْن الحسين، فقال: إن خاصة إسماعيل كتبوا إليه، إن رأى طاهر في الأنصاري، لا يجب أن يولى غيره، حتى فلان سميت غيره، ولم ينفذ لك، وقيل بل فوض الأمر إليه.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، قال: سمعت يزيد بْن عَبْد الملك النميري يقول: شاورني إسماعيل في رجل يوليه؛ فأشرت عليه بتولية أبي عاصم الضحاك بْن مخلد، فاعتل بعلة، وقال: إن أصحابك من العرب يكرهونه لهذه العلة، قلت لكني: لا أكرهه لها، فمكث زمناً يشاور، ثم أرسل إِلَى الأنصاري يوماً فأتاه، في نفر يسير، فَقَالَ لَهُ: قد عزمت على توليتك، فامتنع عليه واستعفى وشكا إليه الضعف، قال: فأخرج إلينا العهد مكتوباً إِلَّا موضع اسم القاضي،
وأمره باثبات اسمه بين يديه، فأبيت، فانصرف الأنصاري من عنده، في جمع كثير حتى أتى منزله فَقَالَ لَهُ ابن أبي عنبسة في عزل ابن سوار وولاية الأنصاري:
أتانا عَن البصرة المخبرون ... بما سر ذا النعل والحافيا
بعزل ابن سارق عَبْد النبي ... وصار ابن خادمة قاضيا
فلا رضى الله عَن كل من ... لحاليهما لم يكن راضيا
فقد سكنا لناس واستوسقوا ... وأصبح أمرهم هاديا
فكم للأمير من المسلمي ... ن والمسلمات بها داعيا
بأن يعلى الله كعب الأمير ... ولا يزال لنا واليا
فكان الأنصاري قاضياً، إِلَى أن ظهرت المبيضة في سنة تسع وتسعين ومائة، فلزم الأنصاري بيته والقائم على البصرة يومئذ، من قبل المبيضة، العباس بْن مُحَمَّد بْن عيسى بْن مُحَمَّد بْن عل بْن الله بْن جعفر، فأكره عبيد الله بْن مُحَمَّد بْن حفص ابن عَائِشَة، وأخرجه إِلَى المسجد الجامع، فصلى ركعتين في مجلس القاضي، ثم انصرف على أن يعود فاختفى، ولم يعد، ولم يحكم على البصرة حاكم، حتى انقضى أمر المبيضة، فعاد الأنصاري يحكم بينهم، وكان في عمله الأول أَحْمَد منه في العمل الثاني، غلب عليه ابنه، وموليان له، وعدة من أعوانه
فَقَالَ: أَبُو الأحوص العنبري يهجوه:
قل لأبي ريشة يا ذا الذي ... أصبح في الأحكام جوارا
لو كنت ذا علم بأحكامنا ... أشبهت في الأحكام سوارا
وكتب إِلَى إسماعيل بْن جعفر في عزله، فأرسل رسولاً، فَقَالَ لَهُ: إن وجدته جالساً في المسجد، فأحمل القمطر على رأسه، وائتني به فبلغ الأنصاري درو من قوله، فبادر فدخل داره، وأرسل إليه إسماعيل بْن مُحَمَّد بْن حرب، وكان على شرطه، وأمره أن لا يفارقه إِلَّا تكفلاً، فأبى الأنصاري أن يعطيه كفيلاً، فأقام معه حتى ذهب من الليل هوى، ثم انصرف ابن حرب، ووكل به من يحرسه في داره، وأخذ جبلة بْن خالد بْن جبلة وكان على أصحابه مزينة، فانطلق به وطلب ابنه فلم يجده، وطلب صيرفياً، كان خليطاً لابنه، كان يضع المال عنده، فهرب منه، وأرسل إِلَى ثمن لمؤنس بْن عِمْرَانَ، فأخذه وباعه، وأحسبه تصدق بثمنه، فزعم الأنصاري أن سبب غضب إسماعيل عليه، أنه كان يسأله أن يسجل له سجلاً بمقام الوصي المأمون في وقوف جعفر، ومُحَمَّد ابني سليمان فلم يجبه إِلَى ذلك، قال: وغضب علي، أنه ذكر لي أن كتاب وقف أم أبيها بنت جعفر، وكان عرض عليه، وفيه أنها جعلت لاسماعيل بْن مُحَمَّد ستين ألف درهم، وبأكثر منها في كل سنة، ثم شرطت في كتابها أن لها أن تخرج من شاءت ممن سمت، وتدخل من شاءت، ممن لم تسم، إِلَّا إسماعيل بْن جعفر فإنه ليس لها أن تخرجه، ثم أعادت في كتابها هذه الشريطة، فقالت: ولها أن تخرج من شاءت ممن سمت، ولم تستثن إسماعيل، قَالَ: الأنصاري: إنا جعلت ذلك في وقفها لتكون في أمر إسماعيل بالخيار، وأن ذلك من أسباب غضب إسماعيل عليه.
وقَالَ: النوفلي علي بْن مُحَمَّد: لما قربت المبيضة من البصرة، وقرب أمرها كتب الأنصاري إِلَى ابنه كتاباً، فوهمه فِيْهِ أن أمر المبيضة سيتم، وأن عنده في ذلك