ولي مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ قضاء البصرة، وواسط وكور دجلة، وطريق الفرات إِلَى الرقة ومكة والمدينة قبل ذلك، والأهواز وبادرايا وباكسايا، وكان يخلف أباه على قضاء بغداد، وسر من رأى وطريق الموصل، وطريق خراسان، والرادفين في سنة تسع وتسعين ومائتين، في ذي الحجة، وصرف عَن هذه الأعمال التي وليها في صفر سنة إحدى وثلاثمائة، عند قدوم أبي الْحَسَن علي بْن عيسى بْن داود بْن الجراح من مكة وتقلده الوزارة فلم يبق في يديه إِلَّا خلافة أبيه على سر من رأى وطريق الموصل وعكبرا وطريق خراسان، وأن استخلف على البصرة مولى لهم يُقَالُ لَهُ: قانع، ثم صرفه واستخلف رجلاً يُقَالُ لَهُ: عُمَر بْن زاذان.
ذكر قضاة الكوفة حين مصرها عُمَر بْن الخطاب رضي الله عنه
قَالَ: أَبُو بكر: اختلف الناس في أول قاض على الكوفة
فَقَالَ: الشعبي فيما حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن عَبْد العزيز، قال: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم الفضل بْن دكين، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن صالح، عَن الأشعث بْن سليم، عَن الشعبي، قال: أول من قضى بالكوفة عروة بْن الجعد البارقي، كذا قال: عروة بْن الجعد، قَالَ: أَبُو بكر: وهو عروة بْن أبي الجعد، واسمه عياض، وسلمان بْن ربيعة.
وأَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن إسحاق الصغاني، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن سعد قال: حَدَّثَنَا ابن إدريس، عَن أبيه، ومالك بْن معول، عَن الحكم، قال: أول من قضى على الكوفة هو: سلمان بْن ربيعة الباهلي، جلس أربعين يوماً لا يأتيه خصم.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل، أن عُثْمَان بْن أبي شيبة حدثهم عَن إسماعيل بْن أبان الوراق، عَن القاسم بْن معن، عَن مجالد؛ عَن الشعبي، قال: أول من قضى بالكوفة عَبْد اللهِ بْن مسعود.
وأَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن، عَن النميري، عَن الْحَسَنِ بْن مُحَمَّد النخعي، عَن ابن الأجلح، عَن أبيه، قال: أول من قضى بين أهل الكوفة جبر بْن القشعم الكندي بالقادسية، ثم قضى بينهم بالكوفة سلمان بْن ربيعة.
جبر هو بْن القشعم بْن يزيد بْن الأرقم، وقَالَ: الهيثم بْن عدي، عَن ابْن عَبَّاس، عَن الشعبي: أن أول من قضى بالعراق سلمان بْن ربيعة الباهلي، شهد
القادسية فقضى بها، ثم قضى بينهم بالمدائن، قَالَ: الشعبي: ثم عزله عُمَر، واستقضى شرحبيل بْن جبر، وجبر هو القشعم الكندي، على المدائن، ثم عزله عُمَر واستقضى أبا قرة الكندي، وهو اسمه، فاختط الناس بالكوفة، وقاضيهم أَبُو قرة.
قَالَ: ابن الأجلح عَن أبيه، أول قاض جبر بْن القشعم بالمدائن ثم أَبُو قرة، واسمه سلمة بْن معاوية بْن وهب الكندي بالقادسية ثم سلمان بْن ربيعة بالكوفة وقَالَ: عَبْد العزيز بْن أبان: من قضى بينهم بالكوفة أَبُو قرة الكندي، ثم سليمان ابن ربيعة. وقَالَ: حسان الزيادي ثم استقضى عُمَر بْن الخطاب عَبْد اللهِ بْن مسعود، فهَذَا ما جاء في أول من قضى على الكوفة.
قَالَ: أَبُو بكر: فأما
سلمان بْن ربيعة
قَالَ: مُحَمَّد بْن إشكاب: حَدَّثَنَا أَبُو نعيم: قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَن أبي إسحاق عَن مرة قال: جىء إِلَى سليمان بْن ربيعة فسئل عَن فريضة فأخطأ فيها، فَقَالَ لَهُ عَمْرو: والقضاء فيها كذا وكذا. قرأه كتابه فرفع ذلك إِلَى أبي موسى فقال: يا سلمان ما كان ينبغي لك أن تغضب، وقال: يا عَمْرو: ما كان ينبغي لك أن تشاوره في أذنه ?
حَدَّثَنِي علي بْن مسلم الطوسي، قال: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزهري قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَن أيوب الهجيمي، عَن عمه؛ قال: شهدت سلمان بْن ربيعة أتى في حدث فضربه ثم أضجعه فجعل يضرب ساقيه.
حدثت عَن إبراهيم بْن عَبْد اللهِ الهروي، عَن ابن أبي زائدة، عَن الحجاج ابن أرطاة، عَن القاسم؛ قال: ضرب رجل دابة رجل فنفحت رجلاً فقطعت أذنه، فاختصموا إِلَى سلمان بْن ربيعة، وهو على القضاء في القادسية، فقضى أن الضمان على الراكب، فبلغ ذلك ابن مسعود فقضى أن الضمان على الضارب، لأنه إنما أصابه نفحة ضربته.
أَخْبَرَنِي الحارث بْن مُحَمَّد، عَن أبي نعيم، عَن إسماعيل بْن إبراهيم بْن مهاجر، عَن الشعبي قال: بعث سلمان بْن ربيعة على القضاء فمكث أربعين يوماً أعدها يوماً يوماً، ما يرد إِلَى أهلي إِلَى الظهيرة ما تقدم إليه فِيْهِ اثنان.
قَالَ: أَبُو بكر: قتل سلمان بْن ربيعة وكان على قضاء الكوفة خمسين يوماً في مجلس قضائه فلم يأته أحد.
وأما
عروة البارقي
فإنه روى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيماحَدَّثَنَا علي بْن حرب، عَن أبي فضيل، عَن حصين، عَن الشعبي، عَن عروة البارقي، عَن النبي صلى الله عليه أنه قال: الخيل معقود في نواصيها الخير إِلَى يوم القيامة. وروى عَن حذيفة بْن اليمان ويقال: ابن الجعد وابن أبي الجعد وهو الصحيح واسمه عياض.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابن أيوب المخرمي؛ قال: حَدَّثَنَا أسباط بْن مُحَمَّد؛ قال: حَدَّثَنَا أشعث، عَن الشعبي، عَن شريح، عَن عروة البارقي، قال: كتب إِلَى عُمَر، وكنا نقضي في عين الدابة بالشطر كما نقضي في عين الإنسان، فكتب إلي إِذَا أتاك كتابي هَذَا فاقض فيها بالربع. وعروة البارقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه.
حَدَّثَنَا سعدان بْن نصر؛ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عينة، عَن شبيب بْن غرقدة؛ سمع قومه يحدثون عَن عروة البارقي، أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعطاه ديناراً يشتري له شاة للأضحية فاشترى له شاتين فباع أحدهما بدينار، فأتى به النبي صلى الله عليه بالشاة ودينار، فدعا له النبي صلى الله عليه بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى التراب لربح فيه
وأما
أَبُو قرة الكندي
فإنه روى عَن سليمان حديثاً مسنداً، حَدَّثَنَا أَبُو قلابة الرقاشي قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن رجاء؛ قال: أَخْبَرَنَا إسرائيل، عَن أبي إسحاق عَن ابن قرة الكندي، عَن سليمان؛ قال: أتيت النبي صلى الله عليه بشيء وضعته بين يديه يعني أنه كان يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
عَبْد اللهِ بْن مسعود
قال: الحارث بْن أبي أسامة: حَدَّثَنِي قال: حَدَّثَنِي سعيد بْن عامر، عَن سعيد ابن أبي عروبة، عَن قتادة، عَن مجاز؛ أن عُمَر بْن الخطاب بعث عمار بْن ياسر على صلاة أهل الكوفة؛ وبعث عَبْد اللهِ بْن مسعود على بيت المال والقضاء.
وأَخْبَرَنِي أَبُو قلابة الرقاشي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو زيد صاحب الهروي قال: حَدَّثَنَا شعبة بْن الأعمش، عَن عُثْمَان بْن عمار، عَن ظهير بْن حريث، كذا قَالَ: شعبة قال: قَالَ: عَبْد اللهِ بْن مسعود: أنى علينا حين لا نقضي ولا نحسن القضاء ثم قدر الله ما ترون.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد الشامي قال: حَدَّثَنَا سهل بْن مُحَمَّد قال: حَدَّثَنَا العتبي؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو إبراهيم قال: لما وجه عُمَر ابن مسعود على الكوفة قال: إني وجهتك معلماً ليس لك سوط ولا عصا، فاقتصر على كتاب الله فإنه كفاك وإياهم، ولا تقبل الهدية وليست بحرام، ولكني أخاف عليك القالة.
وأَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن إسماعيل بْن يعقوب؛ قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سلام الجمحي، قال: حَدَّثَنَا أَبُو عوانة قال: حَدَّثَنَا الأعمش القاسم بْن عَبْد الرحمن، عَن أبيه؛ قال: أتى عَبْد اللهِ بْن مسعود برجل من قريش، وجد مع امرأة في ملحفتها ولم تقم البينة على غير ذلك فضربه عَبْد اللهِ أربعين، وأقامه للناس، فانطلق قوم إِلَى عُمَر بْن الخطاب فقالوا: فضح منا رجلاً، فَقَالَ: عُمَر لعَبْد اللهِ: بلغني أنك ضربت رجلاً من قريش فقال: أجل أتيت به قد وجد مع امرأة في ملحفتها، ولم تقم البينة على غير ذلك فضربته أربعين وعرفته للناس قال: أرأيت ذلك ? قال: نعم قال: نعم ما رأيت، قالوا جئنا نستعديه عليه فاستفتاه.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسحاق الصغاني؛ قال: حَدَّثَنَا مسلم بْن إبراهيم، قال: حَدَّثَنَا شعبة عَن سلمة، عَن حبة العرني قال: كتب عُمَر بْن الخطاب إِلَى أهل الكوفة أنتم رأس العرب وجماعتها، وأنتم سهمهم الذي أرمي به إِذَا خشيت من ها هنا وها هنا،
وقد بعثت إليكم عَبْد اللهِ بْن مسعود خيره لكم وآثرتكم به على نفسي.
شريح بْن الحارث الكندي
قضى شريح بعد عَبْد اللهِ بْن مسعود. وكان السبب في ذلك:
ماحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّد بْن أيوب بْن شيخ المخرمي؛ قال: حَدَّثَنَا روح بْن عبادة قال: حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعت سياراً قال: سمعت الشعبي: أن عُمَر بْن الخطاب أخذ من رجل فرساً على سوم يحمل عليه رجلاً، فعطب الفرس فَقَالَ عُمَرُ: اجعل بيني وبينك رجلاً فَقَالَ: الرجل: صاحب بيني وبينك شرحاً العراقي فأتيا شريحاً فقال: يا أمير المؤمنين أخذته صحيحاً سليماً على سوم، فعليك أن ترده سليماً كما أخذته قال: فأعجبه ما قَالَ: ثم بعثه قاضياً، ثم قال: ما وجدت في كتاب الله فالزم السنة فإن لم يك في السنة فاجتهد رأيك.
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن أَحْمَد بْن حنبل قال: حَدَّثَنَا أبي قال: حَدَّثَنَا هشيم، عَن زكريا، عَن الشعبي بنحو حديث سيار إِلَّا أنه قال: ذكر في حديثه: إن الأعرابي قَالَ: لِعُمَرَ: اجعل بيني وبينك رجلاً من المسلمين شريحاً العراقي قَالَ عُمَرُ: ما أعرفه قال: أنا آتيك به قال: فجاءه فضمنه ثمن الفرس وقال: إنك أخذتها على ثمن، فأنت لها ضامن حتى تردها عليه، قَالَ: له عُمَر قضيت ثمن الحق.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّد بْن أيوب، قال: حَدَّثَنَا روح، قال: حَدَّثَنَا ابن عيينة، عَن أبي إسحاق، عَن الشعبي، قَالَ: كتب عُمَر إِلَى شريح: ما في كتاب الله وقضاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فاقض به، فإذا أتاك ما ليس في كتاب الله ولم يقض به النَّبِيّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فما قضى به أئمة العدل فأنت بالخيار إن شئت أن تجتهد رأيك، وإن شئت تؤامرني ولا أرى في مؤامرتك إياي إِلَّا أسلم لك.
حَدَّثَنِيه أَبُو عَمْرو أَحْمَد بْن حازم بْن يونس الغفاري، من ولد قيس بْن أبي عروة، قال: حَدَّثَنَا قبيصة، أن عقبة قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان عَن الشيباني؛ عَن الشعبي،
عن شريح كان عُمَر كتب إليه؛ إِذَا جاءك أمر فاقض فِيْهِ بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يسنه رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله ولم يتكلم به أحد فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك وإن شئت فأخره ولا أرى التأخير إِلَّا خيراً لك.
حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصباح الزعفراني، قال: حَدَّثَنَا أسباط، قال: حَدَّثَنَا النسائي، عَن الشعبي، عَن شريح، قال: كتب إِلَى عُمَر، إِذَا أتاك قضاء فاقض بما في كتاب الله، فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، فاقض بسنة رسول الله صلى الله عليه، فإن أتاك ما ليس في سنة نبي الله، فاقض بما يجتمع فِيْهِ رأي المسلمين، فإن أتاك ما لم يجتمع فِيْهِ رأي المسلمين، فاختر إحدى اثنتين إن شئت فاجتهد رأيك، وتقدم، وإن شئت فتأخر، وأن تأخر خير لك.
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن الْحَسَن المؤدب، عَن النميري، عَن حاتم بْن قبيصة المهلبي، عَن شيخ من كنانة، قال: قَالَ: عُمَر لشريح حين استقضاء: لا تشار ولا تضار، ولا تشتر، ولا تبع، ولا ترتش، فَقَالَ: عَمْرو بْن العا1/ يا أمير المؤمنين:
إن القضاة إن أرادوا عدلاً ... ورفعوا فوق الخصوم فضلا
وزحزحوا بالعلم عنهم جهلاً ... كانوا كغيث قد أصاب محلا
قَالَ: أَبُو بكر: أهل المدينة ينكرون أن عُمَر استقضى شريحاً، قالوا: والدليل على ذلك أنا لم نسمع له في أيام عُثْمَان ذكراً، وقالوا كيف: يوله على المهاجرين، ولم يعرفه قط، ومن الحجة عليهم أنهم يروون هم أن عُمَر استقضى يزيد بْن أخت النمر على المهاجرين، واستقضى سلمان بْن ربيعة على أهل القادسية، وكعب بْن سور على البصرة، وأبا مريم الحنفي، وهؤلاء كلهم مثل شريح.