في دار مروان وقد هيئ لكل إنسان مجلس فهيئ لمالك مجلسه الذي له فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: ما ترى في رجل حلف ألا يصلي نافلة أبداً، قَالَ: يضرب ويحبس حتى يصلي، قَالَ: فجاء هارون فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: يا أمير المؤمنين إني سألت مالكاً عَن كذا وكذا فَقَالَ كذا فَقَالَ لَهُ هارون: وترى ذلك يا أبا عَبْد اللهِ? قال: لا، قَالَ أَبُو يوسف: أليس أفتيتني بذلك ? قال: بلى ولكن أبا يوسف رجل عراقي إن أفتيته بترك النافلة يفتي الناس بترك الفريضة، وأنت لا أخافك على ذلك، فلما خرج مالك خرج معه أَبُو يوسف يتوكأ عليه ومالك يقول له: ارجع حتى بلغه منزله.
سمعت مُحَمَّدَ بْن عَبْد الرحمن الصيرفي يقول: سمعت أبا مُحَمَّد الزهري يقول: قدم هارون الرشيد المدينة فقعد في المسجد وقعد معه أَبُو يوسف، وبعث إِلَى مالك بْن أنس قال: فجعل أولاد أصحاب رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدخلون أربعة أربعة، فيقول هارون: أفيهم هو؟ فيقولون: لم يجئ بعد، حتى دخل مالك متوكئاً على رجل من ولد أبي بكر وآخر من ولد علي، فلما نظر إليه هارون قال: إن الرجل ليعظمه أهل بلده، قَالَ: فسلم وجلس فَقَالَ لَهُ هارون: يا أبا عَبْد اللهِ أجب يعقوب فيما يسألك عنه، قال: يا أمير المؤمنين ليس من أهل العلم أنشدك بالله هَلْ لرَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقف يأخذ منه فيجعله حَيْثُ أراد الله، قَالَ هارون: نعم، قال: فأنشدك الله هَلْ لِعُمَرَ وقف قَالَ: اللهم نعم، قَالَ: فهَذَا يزعم أن الوقف باطل، فالتفت هارون إِلَى أبي يوسف مغضباً فَقَالَ: ما تقول؟ قال: كان صاحبنا لا يراه وأنا أراه، قَالَ: فَقَالَ لَهُ مالك: ما تقول في الإمام يجهر بعرفة أو يخافت ? قَالَ: فَقَالَ أَبُو يوسف: يجهر، قَالَ: أسأل الله ألا
يهديك والله يا أمير المؤمنين إن السقايات بالمدينة يبينون هَذَا ويلك إنما هي ظهر وعصر فَقَالَ لَهُ يعقوب: ما تقول في رجل بعث مع رجل دينارين ورجل ديناراً فخلطها فلما قدم فتحها فأصاب دينارين فَقَالَ: مالك أما واحد فهو لصاحب الاثنين لا شك فيه، وواحد فِيْهِ شك فيشاطرانه.
قَالَ أَبُو جعفر: وقد حَدَّثَنِي بمسائل غير هذه لم أحفظ منها غير هاتين.
أَخْبَرَنِي أَبُو إسماعيل مُحَمَّد بْن إسماعيل السلمي ومُحَمَّد بْن العباس الكابلي قالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ العزيز بْن عَبْد اللهِ الأويسي قال: حَدَّثَنِي مالك بن أنس قال: بلغني أن أبا يوسف جاءه إنسان فَقَالَ: إني حلفت بطلاق امرأتي لأشترين جارية وذلك يشتد علي لمكان زوجتي ومنزلتها عندي فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: فاشتر سفينة فهي جارية.
حدثت عَن القاسم بْن مُحَمَّد المروزي عَن اليأس بْن الكامل عَن ابن المبارك قال: لما مات فلان الخليفة خلف جواري فرهة فأراد ابنه وطء جارية منهن فقالت: إني لا أحل لك إن أباك وطئني، فذهب وهو يقول:
أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إِلَى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الهوى أحسنت زيدي
ثم دعا أبا يوسف فسأله عَن ذلك، فقال: ليس كلما قالت الجارية يقبل منها فأجازه بجائزة عظيمة وكناه بأبي المفرج.
أَخْبَرَنِي جعفر بْن مُحَمَّد قال: سمعت إسحاق بْن راهويه يقول: سمعت يحيى بْن آدم يقول: رد شريك شهادة أبي يوسف فقيل له: أترد شهادته؟ فَقَالَ: ألا أرد شهادته وهو يقول: إن الصلاة ليس من الإيمان ?
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان قال: حَدَّثَنِي إبراهيم بْن الربيع بْن سليمان الكلابي من بني الوحيد قَالَ: كان عَبْدوس بْن عبيدة بْن أبي اليمان العقيلي اختصم هو وابن خالته خنيس بْن ساعدة العقيلي إِلَى أبي يوسف القاضي ببغداد فذهب عَبْدوس فأحضر شهوداً وسماهم على أسماء أئمة المساجد المعدلين فلما شهدوا عند أبي يوسف سأل عنهم فعدلوا، وذلك سراً، وكذلك كانوا يعدلون في السر فجاء خنيس حينئذ إِلَى أولئك الشهود المشهورين الأئمة فجعل يلقى الرجل فيقول: يا عَبْد اللهِ لم شهدت علي فيقول: لا والله ما شهدت عليك ولا أعرفك ولا أعرف عَبْدوساً. فذهب خنيس إِلَى أبي يوسف فأخبره فقال: أحضروهم، فتبين أَبُو يوسف أنهم ليس بأولئك الذين شهدوا، فأمر بعَبْدوس فحمل ثم ضرب خمسين درة، فَقَالَ عَبْدوس في أبي يوسف قصيدة طويلة أحفظ منها:
مركب الناس ثنايا قسمت ... وأَبُو يوسف مركوب العرب
وكذا المركوب من قلته ... قَالَ: من حالب هَذَا لا حلب
أشبه الناس وجهاً وقفا ... ورعينات بشيطان اللعب
ويرى الخنزير في جفنه ... كوز فقاع إِذَا حل وثب
فإذا أقعى على منبره ... خلته القرد إِذَا القرد صلب
قال: وبلغني أن هارون كان إِذَا رأى قصر أبي يوسف وهو يمشي قال: قاتل الله الرقي.
قَالَ علي بْن الخليل الكوفي، في أبي يوسف في قصيدة:
دعوت له بشبوط ... يرى بظهره حدبا
فَقَالَ: أما لجارك من ... طعام يذهب السغبا
أصب لأخيك يربوعاً ... وضبا واترك اللعبا
وقام إليه ساقينا ... بكأس ينظم الحببا
معتقة مروقة ... تسلى هم من شربا
فأمسكها براحته ... فلما شمها قطبا
وإلا لا تسلسلها ... وقَالَ: أصب لنا حلبا
وأمسك أنفه عنها ... وقام مولياً هربا
يريد الشيح والقيصو ... م كي يستوجب السبا
وقد أبصرته زمناً ... يحب الظرف والأدبا
فصار تشبهاً بالقو ... م جلفاً جافياً خشبا
إذا ذكر الثريد بكا ... وأبدا الشوق والطربا
وليس ضميره في القلـ ... ب إِلَّا التين والعنبا
يروح بنسبة المولى ... وشيخ تدعى العربا
فلا هَذَا ولا هَذَا ... ك يدركه إِذَا طلبا
أيرغب عَن بني كسرى ... وما عَن مثلهم رغبا
جحدت أباك نسبته ... وترجو أن تفيد أبا
أَخْبَرَنِي أَبُو السهل الرازي أَحْمَد بْن مُحَمَّد القاضي قال: حَدَّثَنَا علي بن الجعد قال: سمعت أبا يوسف يقول: قَالَ لي يحيى بْن خالد: كل شيء تحسن غير مجالسة الملوك فإنه لا علم لك بأيام الناس، قَالَ: فجلست في البيت شهراً ونظرت في أيام الناس فحفظت أمراً عظيماً، ثم أتيت يحيى بن خالد فتذاكرنا فَقَالَ لي: كأنك لا تحسن شيئاً إِلَّا هَذَا أكنت تستره ?.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن القاسم بْن مهرويه قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن طاهربن أَحْمَد الزبيري قال: كان رجل يجلس إِلَى أبي يوسف القاضي فيطيل الصمت فَقَالَ لَهُ أَبُو يوسف: ألا تسأل ألا تتحدث ? قال: بلى قَالَ: متى يفطر الصائم ? قال: إِذَا غربت الشمس، قال: فإن لم تغرب الشمس إِلَى نصف الليل ? قال: فتبسم أَبُو يوسف وتمثل ببيتي الخطفي جد جرير:
عجبت لإزراء العيى بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما
وفي الصمت ستر للعيى وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما
قَالَ أَبُو يزيد عُمَر بْن شبة: حَدَّثَنِي رجاء بْن سلمة قال: سمعت الأصمعي يقول: أَبُو يوسف دعى، فقلت: إن مثلك لا يقول دعى إِلَّا في أمر صحيح فَقَالَ: أنا رأيته فلاساً؛ قال: فذكرت ذلك لعَبْد اللهِ بْن داود فَقَالَ: كذب الأصمعي أنا أسن منه وأنا جار أبي يوسف بيت بيت أعرفه مع معرفتي بنفسي، ما رأيته قط إِلَّا نبيلاً يركب الدواب وما رأيته قط فلاساً.
أَخْبَرَنِي الحرث بْن مُحَمَّد بْن أبي أسامة عَن مُحَمَّد بْن سعد عَن مُحَمَّد بْن عُمَر قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَر بْن حماد بْن أبي حنيفة أن أبا يوسف توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة في شهر ربيع الآخر.
سعيد بْن عَبْد الرحمن الجمحي
استقضاه موسى المهدي على الجانب الشرقي، وتوفي سعيد بْن عَبْد الرحمن فيما:
أَخْبَرَنِي عَبْد اللهِ بْن مُحَمَّد بْن سعيد عَن يحيى بْن أيوب قَالَ: مات سعيد ابن عَبْد الرحمن سنة أربع وتسعين ومائة.
قَالَ يحيى: وولد سنة سبع وخمسين ومائة.
وقَالَ مُحَمَّد بْن سعيد: توفي سعيد بْن عَبْد الرحمن سنة ست وتسعين ومائة.
أَخْبَرَنِي الأحوص بْن المفضل عَن أبيه قال: ذكر يحيى بْن معين سعيد بن عَبْد الرحمن الجمحي فقال: كان من الثقات؛ وقد روى عَن مسلم بْن عروة.
قَالَ العلائي: وكان يحيى بْن أيوب يفضله جداً. ويذكر حاله وقدره وعفافه. قال: وهوصاحب ضرار الذي أباح دمه وقال: من لقيه فليقتله فعن أمري قتله.
أَخْبَرَنِي الأحوص بن المفضل قال: حَدَّثَنِي أبي قَالَ: حَدَّثَنِي الزبيري قال: سأل هارون أمير المؤمنين أبي عَبْد اللهِ بْن شُعَيْب عَن سعيد بْن عَبْد الرحمن وهو يومئذ قاضيه فقال: يا أمير المؤمنين إني أحسب سعيد بْن عَبْد الرحمن لو دخل المسجد فنظر إِلَى رجل وامرأة على فاحشة ما ظن بهما إِلَّا خيراً لبعده من الآفات.
الحسين بْن الْحَسَن بْن عطية بْن سعيد بْن جبارة العوفي
استقضاه هارون على الجانب الشرقي وكان من صحابة المهدي.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سعيد بْن مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن عطية بْن سعد بن جبارة العوفي قال: حَدَّثَنِي عمي الحسين بْن الْحَسَن بْن عطية العوفي، قال: دخلت على المهدي أمير المؤمنين وعنده عيسى بْن موسى وعيسى بْن علي بْن عَبْد اللهِ بْن عباس فَقَالَ لي المهدي: يا عوفي حَدَّثَنِي بمسير أبي عَبْد اللهِ الجدلي وجدك عطية بْن سعيد العوفي إِلَى بني هاشم حين حصرهم عَبْد اللهِ بْن الزبير، فحدثه بمسيرهما إليهم قال: فَقَالَ عيسى بْن علي وعيسى بْن موسى: صدق أمير المؤمنين هكذا سمعنا أشياخنا يتحدثون. فَقَالَ لي عيسى بْن موسى: أَخْبَرَنِي يا عوفي عَن مولى كان لنا مع جدك وأبي عَبْد اللهِ في هَذَا المسير، فقلت له: من هو ? قَالَ: ابن حسنة. قال: لا أعرفه
باسم أمه، ولكني أعرفه: مولى لبني هاشم يُقَالُ له: الْحَسَن بْن حماد كان له بلاء في هَذَا المسير، فَقَالَ لَهُ المهدي: فكما كانوا فكذا يكون لكم.
أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سعد العوفي قال: حَدَّثَنِي أبي عَن عمه الحسين بْن الْحَسَن قَالَ: قَالَ لي هارون أمير المؤمنين يوماً وأنا عنده والعباس بْن مُحَمَّد وأَبُو البختري ومشيخة بني هاشم: يا عوفي حَدَّثَنِي بمسيرة جدك وأبي عَبْد اللهِ الجدلي إِلَى بني هاشم حين حصرهم ابن الزبير، قَالَ: فحدثته الحديث فقال: من كان مع جدي من ولد علي بْن أبي طالب ? قال: مُحَمَّد بْن الحنفية قَالَ: صدقت.
حَدَّثَنِي العوفي عَن أبيه قال: حَدَّثَنِي يحيى بْن جعفر السراج قَالَ: كنت عند عَبْد الصمد بْن علي وعنده أَحْمَد بْن إسماعيل بْن علي وطالب بْن الْحَسَن أخو العوفي، فَقَالَ عَبْد الصمد لأَحْمَد بْن إسماعيل: هَلْ تعرف بلاء العوفي وبلاء جده عطية بْن سعيد العوفي عندنا أهل البيت وتعرف هَذَا الجالس ? يعني طالباً أخا العوفي فقال: نعم هَذَا أخو العوفي القاضي، قَالَ: فحدثته بمسير أبي عَبْد اللهِ الجدلي وعطية العوفي إِلَى جماعة بني هاشم أيام حصرهم ابن الزبير حتى استنقذهم من ابن الزبير أرادهم أن يبايعوه فامتنعوا منه وهم بوادي ابن عَبْد اللهِ بْن عباس بالطائف.
حَدَّثَنِي العوفي عَن أبيه عَن عمه قال: كنت عند عَبْد الصمد بْن علي إِذ جاءه سليمان ويعقوب وعيسى بنو أبي جعفر المنصور فسلموا وجلسوا، فَقَالَ لَهُم عَبْد الصمد: هَلْ تعرفون هَذَا الشيخ? قالوا: نعم هَذَا العوفي القاضي، قال: فهل تعرفون بلاء جده عند جماعة بني هاشم ? قالوا: لا، قَالَ: فحدثهم بمسير أبي عَبْد اللهِ وعطية إِلَى ابْن عَبَّاس وابن الحنفية، ثم قَالَ
لهم: اعرفوا بلاء جده عندكم أهل البيت، فلما قاموا قَالَ لي: يا عوفي إنما حدثتهم ببلاء جدك عندهم أهل البيت ليعرفوا قدرك وحقك وأن حالك عندنا لست كحال غيرك. أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان قال: قَالَ لي: الحواري عَبْد اللهِ بْن عَبْد الكريم أَبُو عَبْد اللهِ: كان العوفي كثير الرواية عَن أبي حنيفة، عنده ما ليس عند مُحَمَّد، وكان سليماً معقلاً، وكان يجتمع في مجلسه قوم يتناظرون فيدعو بدفتر فينظر فِيْهِ ثم يلقى المسائل ويقول للواحد: أخطأت أو أصبت من الدفتر.
سمعت مُحَمَّد بْن عَبْد الرحمن الصيرفي يقول: تقدمت امرأة إِلَى العوفي القاضي فجعلت تدعي على خصمها ويستفهمها، فلما أكثر قالت له يا شيخ طالت لحيتك وعظمت غفلتك. والله ما رأيت ميتاً يقضي بين الأحياء غيرك. فكتب بها صاحب الخبر إِلَى الرشيد فصرفه.
أَخْبَرَنِي يزيد بْن مُحَمَّد أَبُو خالد المهلبي قال: حَدَّثَنِي بشر بْن أبي عيينة قال: كانت زبيدة أم جعفر تمازح راشد الخناق في رسائلها كثيراً فبعثت إليه يوماً تعيب مواليه من المهلب فبعث إليها راشد لولا موالي لكنت امرأة العوفي القاضي، فأرسلت إليه. قبحك الله أردت أن تعميني بلحيته.
عَبْد الملك بْن مُحَمَّد بْن أبي بكر بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم
أَخْبَرَنَا الحرث بْن مُحَمَّد بْن أبي أسامة في كتاب الطبقات عَن مُحَمَّد بْن معدان بْن عَبْد الملك بْن مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم. وأمه: أمة الوهاب بنت عَبْد اللهِ بْن عَبْد اللهِ بْن حنظلة بْن أبي عامر بْن الراهب، ويكنى أبا طاهر.