القاسم بْن منصور التميمي
واستعمل القاسم بْن منصور التميمي ستة أشهر أو نحوها. ثم قتل المهتدي بالله، واستخلف المعتمد على الله فأقدم حماد بْن إسحاق من الأهواز وأعاد إسماعيل بْن إسحاق على القضاء في سنة ست وخمسين ومائتين ولم يزل على القضاء إِلَى سنة ثمان وخمسين ومائتين.
أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عيسى البرني
فنقل إسماعيل بْن إسحاق إِلَى الجانب الغربي بأسره، وولى أَحْمَد ابن مُحَمَّد بْن عيسى البرني الجانبي الشرقي من مدينة السلام، نقل عَن قضاء المدينة الشرقية إِلَى الجانب الشرقي. وكان البرني عفيفاً صلباً جباراً من الفقهاء بمذهب الكوفيين، ومن أصحاب يحيى بْن أكثم. قد ولي قبل ذلك قضاء واسط والمدينة الشرقية وحمل عنه في آخر أيامه حديث كثير، وكان يروي كتب مُحَمَّد بْن الْحَسَن عَن أبي سليمان الجوزجاني.
ولاية إسماعيل بْن إسحاق الثانية
فلم يزل البرني على قضاء الجانب الشرقي، وإسماعيل بْن إسحاق على قضاء الجانب الغربي، إِلَى سنة اثنتين وثمانين ومائتين. ثم جمعت بغداد بأسرها لإسحاق بْن إسماعيل. وولى البرني قضاء المدائن والنهروان وغيرها من السواد. فلم يزل إسماعيل بْن إسحاق قاضياً على بغداد إِلَى أن توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، فمكثت بغداد بغير قاض أشهراً.
ثم فرق المعتصم بالله القضاء ببغداد فاستعمل على الجانب الشرقي يوسف بْن يعقوب بْن إسماعيل بْن حماد، وكان صلباً عفيفاً بلغ سناً عالية وحمل عنه علم كثير من المسند وغيره، فلم يزل يوسف بْن يعقوب قاضياً على الجانب الشرقي من مدينة السلام إِلَى سنة ست وتسعين ومائتين، ثم صرف عَن القضاء فيها.
وولي عَبْد اللهِ بْن علي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن أبي الشوارب مكانه، ثم فلج عَبْد اللهِ بْن علي واستخلف المقتدر بالله، ابنه مُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ في صفر سنة إحدى وثلثمائة.
وولي القضاء على هاتين الناحيتين أَبُو عُمَر مُحَمَّد بْن يوسف بْن يعقوب بْن إسماعيل بْن حماد بْن زيد.
أخبار قضاة الجانب الغربي من مدينة السلام
قضاة مدينة المنصور
قد ذكرنا أمر:
الْحَسَن بْن عمارة
ومُحَمَّد بْن عَبْد اللهِ بْن علاثة
بعد عبيد الله بْن مُحَمَّد بْن صفوان فاستخلف
أَبُو يوسف يعقوب بْن إبراهيم على قضاء مدينة المنصور:
يوسف بْن أبي يوسف
وقد تقدم ذكره. توفي يوسف بْن أبي يوسف في رجب سنة اثنتين وتسعين ومائة.
واستقضى مكانه مُحَمَّد بْن سماعة التميمي، وكان من أصحاب أبي يوسف ومُحَمَّد بْن الْحَسَن حمل عنهما، فلم يزل مُحَمَّد بْن سماعة قاضياً إِلَى أن ضعف بصره فعزله المأمون وضم عمله إِلَى إسماعيل بْن حماد بْن أبي حنيفة، وكان على قضاء الشرقية.
وتوفي مُحَمَّد بْن سماعة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين
ثم عزل المأمون إسماعيل بْن حماد فاستقضى بشر بْن الوليد الجندي وقد تقدم ذكره.
ثم عزل المأمون بشر بْن الوليد وضم عمله إِلَى عَبْدِ الرحمن بْن إسحاق
ابن إبراهيم بْن سلمة مولى بني ضبة وكان على قضاء المدينة الشرقية، وكان عَبْد الرحمن بْن إسحاق بْن إبراهيم من أصحاب الرأي مترفاً جماعاً للمال يرى برأي جهم بْن صفوان.
أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان عَن المدائني قال: ولي عَبْد الرحمن بْن إسحاق قضاء الرقة ولا علم له بشيء من الفقه، ثم قدم إِلَى بغداد فولاه المأمون قضاء الجانب الغربي وكان سبب ذاك عَبْد اللهِ بْن طاهر، فولي عَبْد الرحمن وكتب له كتب أصحاب الرأي، وعثمان بعد يحفظ الحديث فحفظ منه شيئاً صالحاً.
ثم عزل عَبْد الرحمن بْن إسحاق في صفر سنة ثمان وعشرين ومائتين، واستقضى الواثق الْحَسَن بْن علي بْن الجعد مولى أم سلمة المخزومية، امرأة أبي العباس.
حَدَّثَنِي الحرث بْن أبي أسامة قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سعد قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرحمن بْن إسحاق بْن إبراهيم بْن سلمة القاضي قال: جاءني علي بْن الجعد بسجل ابنه يعتقه من أم سلمة بشهادة جدي إبراهيم بْن سلمة ورجل ممن كان يدخل عليها، وكان الْحَسَن بْن علي بْن الجعد سرياً ذا مروءة ولي وأَبُوه حي.
أَخْبَرَنِي إبراهيم الحربي قال: لما عزل عَبْد الرحمن بْن إسحاق وولي الْحَسَن ابن علي بْن الجعد، ادعى الناس على عَبْد الرحمن بْن إسحاق دعاوي فوجه إليه الْحَسَن بْن علي: قَالَ: إبراهيم: فرأيته في المسجد جالساً كما تقدم خصم له إِلَى الْحَسَن بْن علي قام معه عَبْد الرحمن. فتقدم في يوم واحد بضع عشرة مرة أو كما قال.
أنشدنا مُحَمَّد بْن أزهر بْن عيسى قال: أنشدني عتاهية بْن أبي العتاهية
لنفسه في الْحَسَن بْن علي بْن الجعد:
اسعد بحظك لا يزال حظيظاً ... كان المليك لما ملكت حفيظا
كملت محاسنك الرقاق بلطفها ... وأرى الحجاب على الصديق غليظا
ثم توفي الْحَسَن بْن علي بْن الجعد في أيام المتوكل فاستقضى مكانه أَحْمَد ابن مُحَمَّد بْن سماعة، وكان عفيفاً في نفسه، ولكن ولده غلبوا عليه، وكان لا يعدل الشهود ظاهراً. أمر الناس أن يشهدوا عنده، ثم يسأل عنهم سراً ويجيز شهادتهم، ولا يعلم من منهم جازت شهادته.
ثم صرف المعتز بالله أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سماعة فاستقضى مكانه إبراهيم ابن إسحاق بْن أبي العنبس قاضي الكوفة وقد تقدم ذكره فرأيته في سنة ثلاث وخمسين ومائتين على قضاء مدينة المنصور.
وحَدَّثَنَا مجالس إملاء كتبناها عنه.
ثم صرف ابن أبي العنبس، ورد إِلَى قضاء الكوفة، واستقضى مكانه أَحْمَد بْن يحيى بْن أبي يوسف، وكان على غير مذهب من تقدم من القضاة حكى عنه انحراف في لذاته فصرف.
وولي مكانه عُمَر بْن عَبْد الرحمن بْن عَبْد اللهِ بْن عَبْد العزيز الِعُمَرَي وكان شيخاً يصفر لحيته، فولى شيئاً يسيراً ثم أعيد أَحْمَد بْن يحيى بْن أبي يوسف، فلم يزل على القضاء إِلَى أن ولي إسماعيل بْن إسحاق الجانب الغربي بأسره، في سنة اثنتين وستين ومائتين.
وولي أَحْمَد بْن يحيى الأهواز، ثم عزل عنها ووجه به إِلَى خراسان فمات بالري.
ولما توفي إسماعيل بْن إسحاق في سنة ثنتين وثمانين ومائتين وفرق القضاء، ولي قضاء مدينة المنصور: علي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن
أبي الشوارب، في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وثمانين، وتوفي في شوال من هذه السنة.
وحدث على مُحَمَّد بسرمراي وبغداد وسمع من أبي الوليد الطيالسي ونظرائه، فاستقضى مكانه أَبُو عُمَر مُحَمَّد بْن يوسف ابن يعقوب بْن إسماعيل بْن حماد بْن يزيد. ثم نقل إِلَى قضاء المدينة في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
واستقضى على مدينة المنصور عَبْد اللهِ بْن علي بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الملك بْن أبي الشوارب فلم يزل عليها إِلَى شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، فنقل إِلَى قضاء الشرقية والجانب الشرقي وأعمال مُحَمَّد بْن يوسف.
وولي قضاء مدينة المنصور أَحْمَد بْن إسحاق بْن بهلول بْن حسان التنوخي يكنى أبا جعفر في شهر ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين، وهو من أهل العلم والحديث والفقه والأدب وحدث أَبُوه بحديث كثير. وروى عَن جده الحديث، وكان له أخ يُقَالُ: له بهلول بْن إسحاق بالأنبار يحدث ويخطب على منبرها، وحدث أَحْمَد بْن إسحاق بحديث صالح حمل عنه ذلك وهو من أهل الفقه والأمانة إن شاء الله.
ذكر قضاة الشرقية
أول قاضي قضى على الشرقية:
عُمَر بْن حبيب العدوي
وقد تقدم ذكره في قضاة البصرة ثم عزل عُمَر بْن حبيب عَن القضاء بالشرقية
واستقضى:
نوح بْن دراج
وقد تقدم ذكره في قضاة الكوفة وتوفيَعْمُر بْن حبيب بالبصرة سنة ست ومائتين
ثم عزل نوح بْن دراج وقد تقدم ذكره في قضاة الكوفة.
توفي حفص بْن غياث بالكوفة سنة أربع وتسعين ومائة. ثم عزل حفص بْن غياث
واستقضى مكانه:
أسد بْن عَمْرو البجلي
حَدَّثَنِي عباس الدوري قال: سمعت يحيى بْن معين يقول: أسد بْن عَمْرو القاضي لا بأس به، أنكر عيينة فأعطاه القمطر وقال: قد أنكرت عيني والله لا أقضي لكم أبداً.
قَالَ: يحيى رحمه الله أَخْبَرَنِي إبراهيم بْن أبي عُثْمَان عَن سليمان بْن أبي شيخ قال: كان أسد بْن عَمْرو على قضاء واسط فخرج في إصلاح طريق مكة من واسط والنظر إليه، فلما رجع قال: رأيت قبلة أهل واسط ردية جداً، وتبين لي ذاك حين خرجت بتحرف فيها. فَقَالَ: قوم من أهل واسط: هَذَا رافضي، فقيل لهم: ويحكم هَذَا من أصحاب أبي حنيفة، كيف يكون رافضياً ? وأسد بْن عَمْرو يكنى أبا المنذر.
وعلي بْن ظبيان العبسي
عزل أسد بْن عَمْرو واستقضى مكانه علي بْن ظبيان العبسي، ثم ولاه هارون بعد قضاء القضاة.
أَخْبَرَنِي أَحْمَد بْن زهير قال: حَدَّثَنِي سليمان بْن أبي شيخ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن ثابت مولى بني عبس، كوفي قال: كتبت إِلَى علي بْن ظبيان وهو ببغداد قاضي: بلغني أنك تجلس للحكم على بوري، وقد كان من كان قبلك من القضاة يجلسون على الوطاء ويكتبون، فكتب إني لأستحي أن يجلس بين يدي رجلان حران مسلمان على بوري وأنا على وطاء لست أجلس إِلَّا على ما يجلس عليه الخصوم.
وبلغني أن وكيعاً قَالَ لأبي علي بْن ظبيان: كم مكث ابنك على القضاء ? قَالَ: سبع سنين. قال: ما كان عليه لو صبر، وكان هارون يخرجه إِذَا خرج إِلَى المواضع وتوفي بقرقليس سنة اثنتين وتسعين ومائة. كما أَخْبَرَنِي
الحارث بْن أبي أسامة عَن مُحَمَّد بْن أبي سعد عَن مُحَمَّد بْن عُمَر.
وبلغني عَن مصعب الزبيري؛ أن رجلاً جاء إليه وهو بالرقة مع هارون يستعديه على عيسى بْن جعفر، فكتب إليه ابن ظبيان:
أما بعد!
أبقى الله الأمير وحفظه وأتم نعمته عليه أتاني رجل فذكر أنه فلان بْن فلان فإن له على الأمير خمسمائة ألف درهم، فإن رأى الأمير أبقاه الله أن يحضر مجلس الحكم، أو يوكل وكيلاً يناظر خصمه فعل ودفع الكتاب إِلَى الرجل فأتى باب عيسى فأوصل الكتاب فرجع إِلَى القاضي فأخبره فكتب إليه:
أبقاك الله وحفظك وأمتع بك، حضر رجل يُقَالُ له: فلان بْن فلان ذكر أن له عليك حقاً، فصر معه إِلَى مجلس الحكم، أووكيلك إن شاء الله.
ووجه بالكتاب مع عونين من أعوانه فحضر باب عيسى ودفعا الكتاب إليه، فغضب ورمى به فأحضر القاضي فكتب إليه:
حفظك الله وأبقاك وأمتع بك لا بد من أن تصير أنت وخصمك إِلَى مجلس الحكم فإن أبيت أنهيت أمرك إِلَى أمير المؤمنين أن شاء الله.
ووجه الكتاب مع رجلين من أصحابه، فدفعا الكتاب إِلَى عيسى فلم يقرأه ورمى به فأبلغاه فختم القمطر وقعد في بيته، فبلغ الرشيد الخبر فدعاه فسأله، فأخبره فَقَالَ لإبراهيم بْن عُثْمَان: صر إِلَى باب عيسى فاختم أَبُوابه كلها ولا تخرجن أحداً منها. ولا يدخل حتى يخرج إِلَى الرجل من حقه أو يصير إِلَى الحاكم، فأحاط إبراهيم بداره خمسين فارساً، وغلقت أَبُوابه فظن عيسى أن الرشيد يريد قتله وما يدري ما سبب ذلك، وارتفع صراخ النِّسَاء، فأخبره بخبر ابن ظبيان، فأحضر خمسمائة ألف من ساعته
وأمر أن يدفع إِلَى الرجل، فجاء إبراهيم فأخبر الرشيد فقال: إِذَا قبض الرجل ماله فتحت أَبُوابه. ثم
علي بْن حرملة التيمي
ولما توفي علي بْن ظبيان استقضى على الشرقية: علي بْن حرملة التيمي من تيم الرباب من أصحاب أبي حنيفة.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن موسى عَن سليمان بْن أبي شيخ قال: حَدَّثَنَا إسماعيل ابن حماد بْن أبي حنيفة قال: قَالَ لي: علي بْن حرملة وكان مع هارون بالري من شهد على هلال شوال فَقَالَ: هارون لأبي البختري: أليس أخبرتني أن عُمَر بْن الخطاب كان يقول: إِذَا رؤى الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإذا رؤي بعد الزوال فهو لليلة المستقبلة ? فقال: لا فقال: بلى والله لقد حَدَّثَنِي به في البستان: فقلت: يا أمير المؤمنين هو قول عُمَر وبه يأخذ أَبُوْحَنِيْفَةَ. قَالَ: إسماعيل: فكرهت أن أرد على علي بْن حرملة وقد أخطأ، إنما كان يأخذ أَبُوْحَنِيْفَةَ بحديث أبي وائل: أتانا كتاب عُمَر ونحن بخانقين إِذَا رأيتم الهلال فلا تفطروا حتى يشهد رجلان مسلمان أنهما رأياه بالأمس.
حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن موسى قال: حَدَّثَنَا سليمان بْن أبي شيخ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَان الحميري عَن علي بْن حرملة قال: قلنا لشيخ من بني تميم لم فضلتم الفرزدق على جرير ? قال: لقوله:
بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت في حومات تلك القماقم
فضلناه بهَذَا وأشباهه.
وقد ولي علي بْن حرملة قضاء القضاء: ثم أعيد على الشرقية عُمَر بْن حبيب.