لراض بحجّة اللَّه عليهم ، وعلمه فيهم ، فإن أبوا أعطيتهم حدّ السّيف وكفى به شافيا من الباطل ، وناصرا للحقّ ، ومن العجب بعثهم إلىّ أن أبرز للطَّعان وأن أصبر للجلاد : هبلتهم الهبول لقد كنت وما أهدّد بالحرب ، ولا أرهّب بالضّرب ، وإنّى لعلى يقين من ربّى ، وغير شبهة من دينى .
أقول : ذمّر بالتخفيف والتّشديد : حثّ . والجلب : الجماعة من النّاس تجمع وتؤلَّف ، والنصاب : الأصل ، والمنكر الَّذى إدّعوه عليه قتل عثمان . والسكوت عن النكير على قاتليه . ولمّا كان عليه السّلام بريئا من دمه صدق انّهم ما أنكروا عليه منكرا فعله ، وتركهم لذلك الحقّ ، وسفكهم لذلك الدّم هو مشاركتهم فيه ، فإنّ المشهور انّ طلحة كان من المحرّضين على قتله والسّاعين في ذلك . قوله : فلئن كنت ، الى قوله قبلهم : اقامة للحجّة على دفع مقالتهم ، وتقديرها انّهم دخلوا في قتل عثمان ، وكلّ من دخل فيه بالاستقلال او الشّركة فليس له ان يطلب غيره بدمه[1]او يطلب شريكه دون نفسه . واستعار لفظ الارتضاع : لطلبهم منه عليه[2]السّلام ما كانوا يعهدونه من الصّلات من عثمان ، ولفظ الأم : للخلافة ، فبيت المال لبنها ، والمسلمون أولادها المرتضعون ، ووصف الفطم : لمنعه عليه[3]السّلام لهم من ذلك ، والبدعة الَّتى يحيونها هو التّفضيل اذ كان بخلاف سنّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله . واماتتها : تركها . قوله : يا خيبة الدّاعى ، الى قوله : اجيب : خرج مخرج التّعجّب من عظم خيبة الدّعاة الى قتاله ومن دعا . والى ما اجيب : استفهام على سبيل الاستحقار للمدعوّين لقتاله النّاصرين للدّاعى ، اذ كانوا عوامّ الناس ، وللمدعوّ اليه وهو الباطل الَّذى دعوا لنصرته ، ويحتمل ان يكون لتعظيم المدعوّ الى قتالهم يعنى نفسه عليه[4]السّلام . والمدعوّ اليه وهو الحرب ، وحجّة اللَّه امره الصّادر بقتال الفئة الباغية كقوله تعالى : * ( ( فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما ) ) *[5]الآية ، وكلّ
[1]عبارة - دخل فيه بالاستقلال او الشركة فليس له ان يطلب غيره - غير موجودة في نسخة ش
[2]فى ش بزيادة : الصلاة
[3]نسخة ش بزيادة : الصلاة
[4]بزيادة : الصلاة . في ش
[5]سورة الحجرات - 9 .
أمر للَّه او نهى له فهو حجّة له ، وكلّ حجّة للحقّ فهى حجّة اللَّه[1]. والهبول : الثواكلّ ، وهو ممّا تدعوا به العرب . قوله : لقد كنت وما اهدّد بالحرب اى : من حيث كنت لا اخشى من وعيد الحرب واليقين من اللَّه بما وعد المتّقين ، وذلك مؤكَّد لعدم خشيته من الحرب والقتال . وباللَّه التّوفيق .
22 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل من السّماء إلى الأرض كقطرات المطر : إلى كلّ نفس بما قسم لها من زيادة أو نقصان ، فإذا رأى أحدكم لأخيه غفيرة في أهل أو مال أو نفس ، فلا تكوننّ له فتنة : فإنّ المرء المسلم مالم يغش دناءة تظهر فيخشع لها إذا ذكرت ، وتغرى بها لئام النّاس ، كان كالفالج الياسر الَّذى ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم ، ويرفع بها عنه المغرم ، وكذلك المرء المسلم البرىء من الخيانة ينتظر من اللَّه إحدى الحسنيين إمّا داعى اللَّه فما عند اللَّه خير له ، وإمّا رزق اللَّه فإذا هو ذو أهل ومال ، ومعه دينه وحسبه ، إنّ المال والبنين حرث الدّنيا ، والعمل الصّالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما اللَّه لأقوام ، فاحذروا من اللَّه ما حذّركم من نفسه ، واخشوه خشية ليست بتعذير ، واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإنّه من يعمل لغير اللَّه يكله اللَّه لمن عمل له نسأل اللَّه منازل الشّهداء ، ومعايشة السّعداء ، ومرافقة الأنبياء . أيّها النّاس إنّه لا يستغنى الرّجل ، وإن كان ذا مال ، عن عشيرته ، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم ، وهم أعظم النّاس حيطة من ورائه ، وألمّهم لشعثه ، وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به . ولسان الصّدق يجعله اللَّه للمرء في النّاس خير له من المال يورّثه غيره .
اقول : مدار الفصل على تأديب الفقراء بترك الحسد ( ونحوه . وفيه تأديب للاغنياء
[1]في ش هكذا جاء بعد الآية : وكل امر للَّه او نهى له وكل حجة للخلق فهى حجة اللَّه .
بالشّفقة على الفقراء )[1]ومواساتهم وتزهيد بجمع المال . وقدّم مقدّمة حاصلها الاشارة الى أنّ كلَّما يتجدّد من زيادة او نقصان فيما يكون به صلاح الخلق في معاشهم ومعادهم من مال ، او جاه ، او اهل ، فانّه عن قسمة ربّانيّة والامر الَّذى هو حكم القدرة الالهيّة على الممكنات بالوجود المعبّر عنه بقوله تعالى : * ( ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) ) *[2]ونزوله : حصوله لكلّ نفس بما قسّم لها وهو القدر في قوله تعالى : * ( ( وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا ) ) *[3]والمراد بالسّماء : سماء الجود الإلهى ، وبالارض : ارض قوابل الجود في هذا العالم ، ويحتمل ان يراد ظاهرهما لأنّ السّماوات بحركاتها شرائط معدّة لما يحدث فى الارض فكانت مبادئ على بعض الوجود لنزول الأمر ، فجاز نسبته اليها .
ووجه التّشبيه بقطر المطر : أنّ حصوله لكل نفس مما يختلف بالاصابة وعدمها ، وبالزّيادة والنّقصان كالقطر بالنّسبة الى البقاع وهو تشبيه للمعقول بالمحسوس . قوله : فاذا رأى أحدكم ، الى قوله : فتنة . والغفيرة : الدناءة وفيه تأديب لمن حصل فى حقّه النّقصان من أحد الامور المذكورة بالنّهى عن الفتنة بحال من حصلت له الزّيادة فى احدهما . والفتنة : الإبتلاء اى : فلا يبتلى نفسه بغبطته وحسده . قوله : فإنّ المرء الى قوله : حسبه : تنبيه على فضيلة الانتهاء عن الفتنة باحد الامور المذكورة فنبّه على كونها دنايا . بقوله : ما لم يغش دناءة وما : بمعنى المدّة ، وكالفالج : خبر إنّ وتظهر صفة لدناءة ، ويخشع : عطف على تظهر . والكلام في معرض التّعليل ، ومعناه : انّ المسلم مهما لم يرتكب امرا خسيسا يظهر عنه ويلزمه بارتكابه الخجل من ذكره ، والحياء من التّعبير به ، ويغرى به لئام النّاس وعوامهم في فعل مثله ، وقيل : فى هتك ستره به يشبه الفالج الياسر اى : الفائز اللَّاعب بالميسر ، وهو : لعب مخصوص كانت العرب تلعب به ، وقد شرحنا كيفيّته في الاصل[4]. ووجه الشّبه انّ الفائز الياسر قبل فوزه فى لعبه ، ينتظر اوّل فوزه به من قدّاحه ، وهى الخشبات الَّتى يلعب بها ، ووجه فوزه انّه
[1]العبارة الموجودة بين القوسين غير موجودة في نسخة ش
[2]سورة النحل - 40
[3]سورة الحجر - 21
[4]ج 2 - 7 .
يستوجب المغنم في بعض السّهام ، وينفى عنه بخروجها المغرم ، وبعضها يوجب غنما وغرما ، وبعضها لا يوجب غنما ويوجب غرما ، كذلك المسلم البرىء من الخيانة الضّابط لنفسه عن ارتكاب مناهى اللَّه في صبره عنها ينتظر احدى الحسنيين في الدّنيا ، امّا أن يدعو اللَّه اليه بالقبض عن الشّقاء في هذه الدّار فما عند اللَّه خير له فيفوز اذن بالنّعيم المقيم . ولمّا كان مستلزما لعدم خسرانه ظهر حسن تشبيهه بالياسر الفالج في فوزه المستلزم لعدم غرمه . وامّا ان يفتح اللَّه عليه أبواب رزقه فيصبح وقد جمع اللَّه بين المال والبنين مع حفظ الحسب والدّين فيفوز الفوز العظيم . قوله : إنّ المال ، الى قوله : لأقوام : تنبيه على تحقير المغشيات الدّنيوية بالنّسبة الى متاع الآخرة . قوله : وقد يجمع اللَّه لأقوام : تنبيه على وجوب التّوكَّل على اللَّه اذ كان جمعها غير ممكن إلَّا منه ، ثمّ أكَّد ذلك بالتحذير مما حذّر اللَّه من نفسه والأمر بالخشية الصّادقة البريئة من التّعذير وهو اظهار العذر من غير عذر ، والعمل للَّه البرىء من الرّياء ، وجذب اليه بضمير صغراه . قوله : فإنّه ، الى قوله : له ، وتقدير كبراه وكلّ من وكَّله الى من عمل له غير اللَّه فهو من الخاسرين ، ومعايشة السّعداء : العيش معهم . قوله : ايّها النّاس الى قوله : غيره : تأديب للاغنياء بالمعونة للفقراء لينتظم شمل المصلحة من الطَّرفين ، واستدرجهم بضميرين صغرى الأوّل انّهم لا يستغنون عنهم ، وان كانوا اصحاب ثروة اذ صاحب المال احوج الى الاعوان للذّبّ عنه ، وتقدير الكبرى أنّ وكلّ من لا يستغنى عنه ، فواجب مواساتهم . والحيطة بكسر الحاء وسكون الياء : الحفظ . وألمّهم لشعثه : أجمعهم لما يعرف من حاله ، وصغرى الثاني قوله : ولسان الصدق الى آخره ، وتقدير كبراه وكلّ ما كان خيرا من المال فالأولى بذل المال لاكتسابه ، ولسان الصّدق هو الذّكر الجميل . ومنها : ألا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالَّذى لا يزيده إن أمسكه ، ولا ينقصه إن أهلكه ، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة ، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة ، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودّة .
قال الشّريف : أقول : الغفيرة ههنا الزّيادة والكثرة ، من قولهم للجمع الكثير : الجمّ الغفير ، والجمّاء الغفير . ويروى « عفوة من أهل أو مال » والعفوة الخيار من الشيء ، يقال : أكلت عفوة الطَّعام ، أى : خياره ، وما أحسن المعنى الَّذى أراده عليه السّلام بقوله : « ومن يقبض يده عن عشيرته إلى تمام الكلام ، فإنّ الممسك خيره عن عشيرته إنّما يمسك نفع يد واحدة . فإذا احتاج إلى نصرتهم واضطرّ إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره ، وتثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدى الكثيرة ، وتناهض الأقدام الجمّة .
أقول : الخصاصة : الفقر .
والفصل من تمام ما قبله وحاصله : النّهى عن العدول عن سد خلة الأقرباء ذوى الحاجة بالفاضل من المال . وقوله : يرى ، فى موضع النصب على الحال وان كسرها في موضع الجر بدلا من القرابة . وقوله : لا يزيده الى قوله : اهلكه ، اى : لا يزيد امساكه في صلاح حاله ولا ينقص اتلافه من ذلك إذ الفضل الزّائد في حال الانسان على القدر الَّذى يدفع ضرورته بحسب الشّريعة ليس زيادته ولا نقصانه[1]في صلاح حاله وفساده فيها . وامّا قوله : ومن تقبض الى آخره ، فقد اشار السّيّد رحمه اللَّه وهو ظاهر . وقوله : ومن تلن حاشيته الى آخره : تأديب بالتّواضع ولين الجانب فانّ ذلك يستلزم الألفة من النّاس وهى موجبة للمودّة .
23 - ومن خطبة له عليه السّلام ولعمرى ما علىّ من قتال من خالف الحقّ ، وخابط الغىّ ، من إدهان ولا إيهان ، فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه ، وفرّوا إلى اللَّه من اللَّه ، وامضوا في الَّذى نهجه لكم ، وقوموا بما عصبه بكم . فعلىّ ضامن لفلجكم آجلا ، إن لم تمنحوه عاجلا .
أقول : الإدهان : المداهنة والمصانعة ، والإيهان : مصدر اوهنه اى : اضعفه . وفي
[1]فى ش بزيادة : معتبرا .
هذا الفصل ردّ لقول من يقول انّ مصانعته عليه[1]السّلام لمحاربيه اولى من محاربتهم ، فقال : انّه ليس يجب عليّ في قتالهم مصانعة من جهة الدّين ولا في ضعف عن ذلك ، ووصفهم بمخابطة الغيّ والبغى لقيام عذر ، اذ كان قتال من هذه صفته واجبا . والفرار الى اللَّه : الأقبال عليه وتوجيه السّير اليه وهو على مراتب : اوّلها ، الفرار من بعض آثاره الى بعض كالفرار من أثر غضبه إلى أثر رحمته .
الثّانية ، أن يفرّ العبد عن مشاهدة الافعال ويترقّى في درجات القرب والمعرفة إلى مصادر الافعال ، وهى الصفات فيفرّ من بعضها الى بعض كما يستفاد من سخط اللَّه بعفوه والسّخط والعفو صفتان .
الثالثة ، أن يترقّى عن مقام الصّفات الى ملاحظة الذّات فيفرّ منها اليها ، وقد جمع رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله هذه المراتب حين أمر بالقرب في قوله تعالى : * ( ( واسْجُدْ واقْتَرِبْ ) ) *[2]فقال في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك . والعفو كما يكون صفة للعافى كذلك قد يراد به الأثر الحاصل عن صفة العفو . ثمّ لمّا قرب فغنى عن مشاهدة الأفعال وترقّى الى مصادرها وهى الصّفات ، قال : واعوذ برضاك من سخطك ، وهما صفتان . ثمّ لمّا ترقّى عن مقام مشاهدة الصّفات واقترب الى ملاحظة الذّات ، قال : واعوذ بك منك . وهذا فرار منه اليه ، وهو مقام الوصول الى ساحل العزّة . ثم للسّباحة في لجة الوصول درجات أخر لا تتناهى .
ولذلك لمّا قرب ازداد صلَّى اللَّه عليه وآله قربا ، قال : لا احصى ثناء عليك ، وهو حذف لنفسه عن درجة الاعتبار واعراض عن التّبجح بزينة الحقّ في ذاته ، وكان قوله بعد ذلك : أنت كما أثنيت على نفسك ، كمالا للإخلاص وتجريدا له ، وعند ذلك يقول : إنّ قوله عليه السّلام : وفرّوا الى اللَّه من اللَّه : امر بالتّرقّى الى المرتبة الثّالثة من المراتب المذكورة .
وما نهجه لهم واوضحه : هو السّبيل العدل ، والصّراط المستقيم ، وقد علمت انّ غاية سلوك سبيل اللَّه بالعبادة تطويع النّفس الأمّارة بالسّوء للنّفس المطمئنّة ، وحينئذ تعلم
[1]فى ش بزيادة : الصلاة
[2]سورة العلق - 19 .
أنّ هذه الأوامر الثلاثة هى الَّتى عليها مدار الرّياضة . فالأمر بالتّقوى يستلزم الزّهد الحقيقى ، وهو معين على حذف الموانع الدّاخلية والخارجيّة ، والامر بسلوك سبيل اللَّه معين على تطويع النّفس الأمّارة ، والأمر بالفرار الى اللَّه امر بتوجّه السّير اليه ، وهذه الاعراض الثّلاثة الَّتى يتوجّه نحوها الرّياضة المستلزمة لكمال الاستعداد للوصول اليه تعالى ، ولذلك قال عليه السّلام بعدها : فعليّ ضامن لفلجكم آجلا ان لم تمنحوه عاجلا .
والفلج : الفوز ، والمنحة : العطيّة ، وذلك بشرط الاستعداد بلزوم الأوامر المذكورة .
24 - ومن خطبة له عليه السّلام وقد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن ، وهما عبيد اللَّه بن عباس ، وسعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبى أرطاة ، فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرّأى ، فقال : - ما هى إلَّا الكوفة أقبضها وأبسطها ، إن لم تكوني إلَّا أنت تهبّ أعاصيرك . فقبّحك اللَّه . وتمثّل بقول الشّاعر :
< شعر > لعمر أبيك الخير يا عمرو إنّني على وضر من ذا الإناء قليل < / شعر > ثم قال عليه السّلام : أنبت بسرا قد اطَّلع اليمن ، وإنّى واللَّه لأظنّ أنّ هؤلاء القوم سيدالون منكم : باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته اللَّهمّ إنّى قد مللتهم وملَّوني وسئمتهم وسئمونى ، فأبدلنى بهم خيرا منهم وأبدلهم بى شرّا منّى ، اللَّهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء ، أما واللَّه لوددت أنّ لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم .
< شعر > هنا لك ، لو دعوت ، أتاك منهم فوارس مثل أرمية الحميم < / شعر > ثم نزل عليه السّلام من المنبر . قال السيّد : قلت أنا : والأرمية جمع رمى وهو السّحاب ، والحميم ههنا : وقت الصّيف ، وإنّما خصّ الشّاعر سحاب الصّيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا وأسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه . وإنّما يكون السّحاب ثقيل السّير لامتلائه بالماء ، وذلك لا يكون في الأكثر إلَّا في زمان الشّتاء ، وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، والإغاثة إذا استغيثوا ، والدّليل على ذلك قوله هنا لك لو دعوت أتاك منهم .
أقول : الضّمير في قوله ، وانّما هى الكوفة وان لم يسبق ذكرها لكونها المعهودة فى الخطاب ، ونحوه قوله تعالى : * ( ( كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى ) ) *[1]ويحتمل ان يكون ضمير الشّأن ، ويفهم من الكلام حصر ما بقى من البلاد الَّتى تعتمد عليها في الحرب وغيره في الكوفة على سبيل التّحقير لها بالنّسبة الى ملك الاسلام ، وقبضها وبسطها : كنايتان عن وجوه التّصرّف فيها . والضّمير بعد الَّا بدل مما قبلها ، والجملة الفعليّة بعده فى موضع الحال وخبر كان محذوف . ولفظ الأعاصير : يحتمل ان يكون حقيقة لأنّ الكوفة معروفة بهبوب الأعاصير فاتى بذلك في معرض ذمّها وتحقيرها . ويحتمل ان يكون مستعارا لمّا يحدث من آراء أهلها المختلفة الَّتى هى منبع الفتنة ، ووجه المشابهة الازعاج والأذى والاستصغار ايّاها تمثل بالبيت - لعمر أبيك الخير - .
ووجه التّمثيل انّ الكوفة تشارك الوضر وهو : الدّرن الباقى في الاناء ( بعد الأكل فى القلَّة والحقارة فهو يقول : إنّى على بقيّة من هذا الأمر كالوضر في الاناء )[2]. ومن روى الآلاء وهو : شجر حسن المنظر مرّ الطَّعم ، فإنّما اراد أنّي على بقيّة من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء من حسنه مع عدم الانتفاع به . وخص الكوفة دون البصرة لأنّ جمهور من كان يعتمد عليه من العسكر أهلها .
أقول : انبأت شروع في بيان عرضه وهو : استنفارهم الى الجهاد[3]. وبسر بالسّين
[1]سورة المعارج - 16
[2]الجملة بين القوسين غير موجودة في ش .
[3]فى ش : الى جهاد عدوهم .