وأقاموا فيه ، فإنّها عند ذوى العقول كفىء الظَّلّ : بينا تراه سابغا حتّى قلص ، وزائدا حتّى نقص .
أقول : لا يسلم منها الَّا فيها أى : لا يسلم من عذاب اللَّه عليها في الآخرة الَّا بما فعل فيها من الأعمال الصالحات ، والَّذى يكون لها هو ما يقتنى منها للاستمتاع به ، والالتذاذ بنفعه لانّه هو دون الوصول به الى الآخرة ، وظاهر انّ ذلك لا يكون به نجاة في الآخرة ، والابتلاء بها اختبار المطيع من العاصى ، وليس المراد منه انّ اللَّه تعالى لا يعلم ما تؤل اليه أحوال العباد ، لأنّه يعلم السرّوا خفى ، بل لما كانت الشرائع الالهية جاذبة للخلق عنها الى الغاية الَّتى خلقوا لها ، وكانت محاضر لذّاتها جاذبة لهم بحسب نفوسهم الأمّارة اليها ، فمن اطاع داعى اللَّه وصوارفه عنها فاز فوزا عظيما ، ومن اتّبع هواه بغير هدى من اللَّه خسر خسرانا مبينا ، أشبه ذلك صورة ابتلاء من اللَّه لخلقه بها فاستعير لذلك ، وصف الابتلاء ، ولفظ الفتنة وما أخذ منها لغيرها هو ما يقصد به وجه اللَّه والدار الآخرة من مال يتصدّق ويصرف في سبيل اللَّه ، أو جاه او عمل للَّه ، وليس ما يقدمون عليه في الآخرة هو عين ما أخذ من الدنيا ، بل ثمرته من ثواب اللَّه ومتاع الآخرة ، وشبهها في شرعة زوالها عند ذوى العقول الناظرين اليها ، باعين بصائرهم بفىء الظَّلّ ، واشار الى وجه الشبه ، بقوله : بينا الى آخره . واصل بينابين بمعنى : الوسيط فاشبعت الفتحة فحدثت ألف ، وقد تزاد فيها ما ، والمعنى واحد . وقلص : نقص . وباللَّه التوفيق .
61 - ومن خطبة له عليه السّلام واتّقوا اللَّه عباد اللَّه ، وبادروا آجالكم بأعمالكم ، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم ، وترحّلوا فقد جدّبكم ، واستعدّوا للموت فقد أظلَّكم ، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا ، وعلموا أنّ الدّنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا فإنّ اللَّه سبحانه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترككم سدى ، وما بين أحدكم وبين الجنّة أو النّار إلَّا الموت أن ينزل به ، وإنّ غاية
تنقصها اللَّحظة وتهدمها السّاعة لجديرة بقصر المدّة ، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان - اللَّيل والنّهار - لحرى بسرعة الأوبة ، وإنّ قادما يقدم بالفوز والشّقوة ، لمستحقّ لأفضل العدّة فتزوّدوا في الدّنيا ، من الدّنيا ، ما تحرزون به أنفسكم غدا فاتّقى عبد ربّه نصح نفسه ، وقدّم توبته ، وغلب شهوته فإنّ أجله مستور عنه ، وأمله خادع له ، والشّيطان موكَّل به : يزيّن له المعصية ليركبها ويمنّيه التّوبة ليسوّفها حتّى تهجم منيّته عليه أغفل ما يكون عنها ، فيا لها حسرة على ذى غفلة أن يكون عمره عليه حجّة ، وأن تؤدّيه أيّامه إلى شقوة ، نسأل اللَّه سبحانه أن يجعلنا وإيّاكم ممّن لا تبطره نعمة ، ولا تقصّر به عن طاعة ربّه غاية ، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة .
اقول : مبادرة الآجال : مسابقتها بالأعمال الصالحة ، وما يبقى لهم هو الثواب الموعود في الآخرة ، وما يزول عنهم هو الدنيا ومتاعها . واستعار وصف الابتياع : لبذل الدنيا الفانية في تحصيل الخيرات الاخروية الباقية ، وذلك بالزهد فيها ، والخروج عنها ، واشار بالترحّل : الى السفر في سبيل اللَّه اليه وبالجدّ بهم الى شدّة سير الليل والنهار في هدم الأعمار ، والاستعداد للموت : التسلَّح له بالكمالات النفسانية التي لا يضر معها موت البدن . واظلَّكم : اشرف عليكم . وقوله : كونوا قوما صيح بهم فانتبهوا : تنبيه على وجوب اجابة الداعى الى اللَّه وهو لسان الشريعة والانتباه بندائه من نوم الغفلة ومراقد الطبيعة . وسدى : مهمل ، وكنى بالغاية عن : الأجل وأراد بالغائب : الانسان ما دام فى الدنيا ، اذ كان في دار الغربة عن مستقرّه الاصلى وبحسب قصر مدّة غيبته يكون سرعة أوبته . وقيل : اراد به ملك الموت ، وكذلك اراد بالقادم : الانسان ، وما يزوّد من الدنيا فيها : التقوى ، والاعمال الصالحة ، وهى الحرز من عذاب اللَّه . وقوله : فاتقى ، الى قوله : شهوته : او امر وردت بلفظ الماضى وهى بلاغة تريك المعنى في أحسن صوره ، ونصيحة النفس النظر في مصلحتها باتّخاذ الزاد الأبقى ، وهو التقوى ومن جملتها تقديم التوبة وغلب الشهوة .
ونبّه على وجوب ذلك بضمير صغراه قوله : فانّ أجله ، الى قوله : عنها ، وتقدير كبراه وكلّ ما كان كذلك فواجب ان ينصح نفسه بلزوم اوامر اللَّه تعالى ، والتسويف التمادى
في الأمر وأصله قول الرجل : سوف افعل ، واغفل نصب على الحال . وحسرة نصب على التمييز للمتعجّب منه المدعوّ ، واللام في « لها » قيل : للاستغاثة كأنّه قال يا للحسرة على الغافلين ما اكثرك . وقيل : لام الجرّ فتحت لدخولها على الضمير المنادى المحذوف ، أى : يا قوم ادعوكم لها حسرة ، وان في موضع النصب بحذف الجار اى : على كون اعمارهم حجة عليهم يوم القيامة .
62 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الَّذى لم يسبق له حال حالا ، فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا ، ويكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا ، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل ، وكلّ عزيز غيره ذليل ، وكلّ قوىّ غيره ضعيف ، وكلّ مالك غيره مملوك ، وكلّ عالم غيره متعلَّم ، وكلّ قادر غيره يقدر ويعجز ، وكلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات ، ويصمّه كبيرها ، ويذهب عنه ما بعد منها ، وكلّ بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان ولطيف لأجسام ، وكلّ ظاهر غيره غير باطن ، وكلّ باطن غيره غير ظاهر ، لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ، ولا تخوّف من عواقب زمان ، ولا استعانة على ندّ مثاور ، ولا شريك مكابر ، ولا ضدّ منافر ، ولكن خلائق مربوبون ، وعباد داخرون ، لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن ، ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائن لم يؤده خلق ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ ، ولا وقف به عجز عمّا خلق ، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر . بل قضاء متقن ، وعلم محكم ، وأمر مبرم : المأمول مع النّقم ، والمرهوب مع النّعم .
اقول : لما ثبت انّ السبق والقبلية ، والتأخر والبعدية ، من لواحق الزمان لذاته ومن لواحق الزمانيات بواسطته وكان تعالى منزّها عن لحوق الزمان في ذاته ، وكمال صفاته لا جرم لم يلحقه شيء من اعتبار القبلية والبعدية فلم يجز ان يقال مثلا كونه عالما قبل كونه قادرا ، ولا كونه حيا قبل كونه عالما ، بقى أن يقال انّ القبلية والبعدية قد يطلقان باعتبار آخر كالقبلية بالشرف ، والفضيلة ، والذات ، والعلية لكن قد بيّنا في الخطبة الاولى انّ كل
ما يلحق ذاته المقدّسة من الصفات اعتبارات ذهنية تحدثها العقول ، عند مقايسته الى مخلوقاته ولا سبق لشيء منها على الآخر ، بالنظر الى ذاته المقدّسة والَّا لكانت كمالات قابلة للزيادة والنقصان ، وبعضها علة للبعض واشرف ، وبعضها معلول بعض وانقص بالنظر الى ذاته وذلك من لواحق الامكان هذا خلف ، وذلك سرّ قوله عليه السّلام : الَّذى لم يسبق له حال حالا : الى قوله : باطنا ، بل معنى اوليّته هو اعتبارنا كونه تعالى مبدأ لكل موجود ، وآخريته هو اعتبارنا لكونه غاية لكلّ ممكن او استحقاقه البقاء لذاته ، واستحقاق غيره له ببقائه تعالى وهذه الاعتبارات بالنظر الى ذاته تعالى على سواء .
وقوله : كل مسمّى بالوحدة غيره قليل ، يريد : انّه لا يوصف بالقلَّة وان كان واحدا وذلك أنّ الواحد يقال لمعان ، والمشهور منها هو : كون الشيء مبدأ لكثرة يكون عادّا لها ومكيالا ، وهو الَّذى تلحقه القلَّة والكثرة الاضافيتين ، فانّ كلّ واحد بهذا المعنى قليل بالنّسبة الى الكثرة الَّتى يصلح ان يكون مبدأ لها ، والمتصوّر لاكثر النّاس كونه تعالى واحدا بهذا المعنى ، فلذلك نزّهه عليه السّلام عنه بذكر لازمه وهو القليل لظهور بطلان هذا اللازم في حقه تعالى ، واستلزام بطلانه بطلان الملزوم المذكور ، وذلَّة الاعزّاء غيره لدخولهم تحت الحاجة اليه ، وضعف كلّ قوىّ غيره لدخوله تحت قهر قدرته التّامّة ، ومملوكية كلّ مالك غيره لدخوله تحت الملك المطلق الَّذى تنفذ مشيئة مالكه في جميع الموجودات باستحقاق دون غيره ، وتعلم كل عالم غيره لكون كل عالم مستفادا من فيض جوده ، وهو العالم المطلق الَّذى لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا فى الارض ، وعجز غيره عن بعض الاشياء يشهد بكمال قدرته ، وانّها مبدأ قدرة كل قادر .
وكونه تعالى سميعا يعود الى علمه تعالى بالمسموعات لتنزّهه عن الآلة التي من شأنها أن تصم ، لانّ ادراكها للصوت على قرب وبعد ، وحدمّن القوّة والضعف مخصوص فانّه ان كان الصوت ضعيفا جدّا او بعيدا جدّا لم يصل الى الصماخ فلم تدركه القوّة السامعة ، فلذلك كانت تصمه عن لطيف الاصوات ، ويذهب عن السامع ما بعد منها وان كان في غاية من القوّة والقرب ، فربما اشتدّ قرعه للصماخ فتفرق اتصال الروح الحامل لقوة السمع عنه ، بحيث يبطل استعدادها لتأدية الصوت ويحدث الصمم فلذلك قال : ويصمه كبيرها .
وبحسب تنزّهه تعالى عن هذه الآلة لم يعزب عنه ما خفى من الاصوات ولم يذهب عليه
ما بعد منها ، ولم تلحقه لواحقها من الصّمم والنقصان ، وخفى الألوان مثلا كاللون فى الظلمة .
واللطيف قد يراد به : عديم اللون كالهواء ، وقد يراد به رقيق القوام كالذرّة وهو غير مدرك بالمعنيين للحيوان ، واطلق اسم العمى : على عدم الابصار مجازا ، ولما كان كونه تعالى بصيرا يعود إلى علمه بالمبصرات لم يعزب عنه شيء منها وان خفى على غيره ، ولطف ولم تلحقه من لواحق الآلات آفة ، كالعمى ونحوه . وقوله : وكل ظاهر ، الى قوله : غير ظاهر ، يريد : انّه تعالى هو المتفرّد بالجمع بين وصفى البطون والظهور ، دون غيره وقد بيّنا معناهما في الأصل . وقوله : ولم يخلق ، الى قوله : منافر : لانّه تعالى لا يفعل لغرض ، وتشديد السلطان : تقويته . والنّد : المثل . والمثاور : المواثب . وداخرون : ذليلون وبرهان كونه تعالى غير حالّ في شيء ، ولا مباين قد سبق في الخطبة الاولى . وآده يؤده : اثقله اى لم يثقله تدبيره للاشياء على وجه الحكمة ، ولم تعرض له شبهة فيما قضى اى : حكم به فى خلقه لتنزّه علمه عن عوارض القوى البشريّة التي هى منشأ الشكوك والشبهات .
وولجت : دخلت . والمبرم : المحكم . وقوله : المأمول ، الى قوله : النعم : ايماء الى تنزيهه تعالى عن حالة البشرية ، فانّ المنتقم من الناس حين انتقامه لا يكون مأمولا وحال نعمته لا يكون مرهوبا .
63 - ومن كلام له عليه السّلام كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين معاشر المسلمين ، استشعروا الخشية ، وتجلببوا السّكينة ، وعضّوا على النّواجذ ، فإنّه أنبى للسّيوف عن الهام ، وأكملوا اللَّامة ، وقلقلوا السّيوف في أغمادها قبل سلَّها ، والحظوا الخزر ، واطعنوا الشّزر ، ونافحوا بالظَّبا ، وصلوا السّيوف بالخطا . واعلموا أنّكم بعين اللَّه ، ومع ابن عمّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فعاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ فإنّه عار فى الأعقاب ، ونار يوم الحساب ، وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت مشيا سجحا ، وعليكم بهذا السّواد الأعظم ، والرّواق المطنّب ، فاضربوا ثبجه ، فإنّ الشّيطان
كامن في كسره ، قد قدّم للوثبة يدا ، وأخّر للنّكوص رجلا ، فصمدا صمدا حتّى ينجلي لكم عمود الحقّ * ( ( وأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ ، والله مَعَكُمْ ، ولَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ) ) * .
أقول : قد اشتملت هذه الأوامر على تعليم كيفية الحرب ، وبدأ بالامر باستشعار خشية اللَّه اى : اتّخاذها شعارا ، والشعار : ما يلي الجسد من الثياب واستعار وصف تجلبب السكينة : للتلبّس بها كالجلباب وهى : الملحفة ، وفائدته طرد الفشل وارهاب العدوّ . والنواجذ : أقصى الاضراس وفائدة العض عليها ، نبو السيف عن الهامة ليصلب عضل الرأس ومقاومته حينئذ للضربة . واللَّاءمة بوزن فعلة : الدرع واكمالها بالبيضة والسواعد ، ويحتمل ان يراد بها جميع آلة الحرب والغرض شدّة التحصن . وفائدة قلقلة السيوف في اغمادها . سهولة سلها : وقت الحاجة اليها . ولحظ الخزر : من امارات الغضب والحمية ، وفائدته اخذ الغرّة من العدوّ . والشزر بسكون الزاء وهو : الطعن على غير استقامة بل يمينا وشمالا ، فائدته توسعة المجال للطاعن . والمنافحة بالضبى : التناول باطراف السيوف وفائدته توسعة المجال ايضا ، فانّ القرب من العدوّ تمنع من ذلك . وصلة السيوف بالخطا ، وفائدته انّ السيف قد يكون قصيرا فيطول بالخطوة ومدّ اليد ولانّ فيه الاقدام على العدوّ والزحف اليه ، وذلك مما يوجب له الانفعال والتاخّر ، وفيه قول الشاعر :
< شعر > اذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا الى اعدائنا فنضارب < / شعر > وكونهم بعين اللَّه اى : بحيث يراهم ، ويعلم ما يفعلون . وقوله : وطيبوا عن انفسكم نفسا : تسهيل للموت عليهم بما يستلزمه من الثواب الاخروىّ . والنفس الاولى الشخص الزائل بالموت ، والنفس المنصوبة على التمييز المدبّرة للبدن . وسمحا : سهلا . والسواد الأعظم : جماعة اهل الشام . والرواق المطنّب : مضرب كالفسطاط لمعاوية وكان يومئذ فى مضرب عليه قبّة عالية باطناب عظيمة ، وحوله من اهل الشام مائة الف كانوا تعاهدوا على ان لا ينفرجوا عنه حتّى يقتلوا . وثبجه : وسطه وأراد بكمون الشيطان في كسره : كونه مظنّة الشيطان اذ ضرب على طاعته ومعصية اللَّه . وقيل : استعار لفظه لمعاوية باعتبار اغوائه للخلق ، وكنّى بقوله : قد قدّم ، الى قوله : اخرى : عن كونه متردّدا في أمره ، وعلى غير يقين في قتاله ، فهو في مظنّة ان يرجع ويهرب . وكسر البيت : جانبه . والصمد :
القصد اى : اقصدوا العدوّ قصدا حتى يتبيّن لكم انّ الحق معكم بنصركم على عدوّكم اذ الطالب لغير حقّه سريع الانفعال قريب الفرار في مقاومته ، ولن يتركم اى : ينقصكم .
64 - ومن كلام له عليه السّلام فى معنى الأنصار قالوا : لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السّلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم . قال عليه السّلام : ما قالت الأنصار قالوا : قالت : منّا أمير ومنكم أمير ، قال عليه السّلام : فهّلا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وصّى بأن يحسن إلى محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم قالوا : وما في هذا من الحجة عليهم فقال عليه السّلام : لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصيّة بهم ثم قال عليه السّلام : فما ذا قالت قريش قالوا : احتجت بأنها شجرة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، فقال عليه السّلام : احتجّوا بالشّجرة ، وأضاعوا الثّمرة .
اقول : الأنباء التي بلغته ، هى اخبار المشاجرة بين المهاجرين والانصار في الخلافة فى سقيفة بنى ساعدة ، فامّا ما اشار اليه عليه السّلام من الوصيّة بالانصار فهو ما رواه مسلم والبخارى في « مسنديهما » عن انس قال : مرّ ابو بكر ، والعباس ، بمجلس من مجالس الانصار وهم يبكون فقالا : ما يبكيكم فقالوا : ذكرنا مجلس رسول اللَّه « صلَّى اللَّه عليه وآله » فدخلا على الرسول فاخبراه بذلك فخرج رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله معصّبا على رأسه حاشية برد فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد اللَّه واثنى عليه ثمّ قال : اوصيكم بالانصار فانّهم كرشى وعيبتى ، وقد قضوا الَّذى عليهم وبقى الَّذى لهم ،
فاقيلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم . واستعار لفظ الشجرة لقريش : باعتبار انّهم اصل للرسول صلى اللَّه عليه وآله[1]، ولفظ الثمرة لنفسه ، واهل بيته ، فانّهم ثمرة النبوّة في فضلهم ، وكمال نفوسهم المقدّسة . والكلام في صورة احتجاج له على قريش بمثل ما احتجّوا به على الانصار ، وتقديره انّهم ان كانوا احقّ بهذا الامر من الانصار لكونهم شجرة الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، فنحن اولى لكوننا ثمرته ، والثمرة هى : الغرض من الشجرة لكن الملزوم حق فاللازم مثله .
65 - ومن كلام له عليه السّلام لما قلَّد محمد بن أبى بكر مصر فملكت عليه وقتل رحمه اللَّه وقد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة ، ولو ولَّيته إيّاها لما خلَّى لهم العرصة ولا أنهزهم الفرصة ، بلا ذمّ لمحمّد بن أبى بكر ، فلقد كان إلىّ حبيبا ، وكان لى ربيبا .
اقول : كان قتله رضى اللَّه عنه بعد وقعة صفّين ، واضطراب الامر على علىّ عليه السّلام ، وطمع معاوية في البلاد . وقتله عمرو بن العاص وحشا جثّته في جوف حمار ميّت وأحرقه[2]فبلغه عليه السّلام ذلك فجزع له حتّى ظهر في وجهه . وقال : الفصل .
وهاشم هو : ابن عتبة بن ابى وقّاص ، وكان من شيعة علىّ المخلصين في ولائه وقتل معه في صفّين وكان رجلا مجرّبا . والنهز : الفرصة واراد انّه لم يكن يمكنهم مما ارادوا ، وكان محمد حبيبا اليه لتربيته في حجره صغيرا حين تزوّج امّه اسماء بنت عميس وكانت اوّلا تحت جعفر بن ابى طالب وهاجرت معه الى الحبشة فولدت له عبد اللَّه بن جعفر وقتل عنها يوم مؤته ، فتزوّجها ابو بكر فأولدها محمدا فلما مات عنها تزوّجها علىّ عليه السّلام فكان محمد ربيبه ونشأ على ولائه منذ صغره فكان يقول عليه السّلام : محمد ابنى من ظهر ابى بكر[3].
[1]في ش هكذا : اصل الرسول عليه الصلاة والسّلام
[2]النجوم الزاهرة . الاصابة 3 - 472 . الاستيعاب 3 - 348 - هامش الاصابة
[3]جامع الرواة 2 - 45 . تنقيح المقال 2 - 57 حرف الميم .