الرجل : أقاربه من ولده وولد ولده . وادانى : بنى عمّه ، وعترة الرسول صلى اللَّه عليه وآله : اهل بيته . واستعار لهم لفظ الازمة : بأعّتبار كونهم قادة للخلق الى طريق الحق كالزمام ، وكونهم ألسنة الصدق اى : تراجمة الوحى الصادق ، او انّهم لا يقولون الَّا صدقا لعصمتهم .
وقوله : فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن . فاعلم انّ للقرآن منازل احدها القلب ، وله فيه منزلتان : منزلة الاكرام والتعظيم ، ومنزلة التصوّر فقط ، ثم منزلة فى الوجود اللسانى ، ثم فى الكتب والدفاتر ، واحسن منازله هى الأولى . فالمراد : الوصيّة باكرامهم وتعظيمهم ومحبّتهم كما يكرم القرآن بذلك .
وقوله : ورودهم : ورود الهيم العطاش ارشاد لهم الى الاسراع فى اقتباس العلوم ، وكرائم الاخلاق منهم كما يسرع الهيم وهى الابل العطشى الى الشرب . والضمير فى قوله : خذوها : للرواية الحاضرة وهو تقرير لقوله تعالى : * ( ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ ) ) *[1]الآية ، ويبلى اى : بجسمه ، وليس ببال اى : بنفسه ، وذكره .
قوله : ولا تقولوا بما لا تعلمون ، اى : ممّا طوى عنكم غيبه وعلمناه ، وذلك : انّهم كانوا يخوضون فى امر المعاد ، ويقول كلّ منهم بحسب ما يتصوّر من القرآن ، والحديث ، والائمة عليهم السّلام ، أعلم بذلك ، ونبّه على وجوب الانتهاء عن التّسرع الى القول بغير علم بضمير صغراه ، قوله : فانّ اكثر الحق فيما تنكرون ، وتقدير كبراه : وكلّ ما كان اكثر الحق فيه لم يجز التّسرّع الى انكاره ، لجواز أن يكون هو الحق ، والثقل الاكبر : كتاب اللَّه لكونه الاصل المتّبع . والثقل الاصغر : العترة الطاهرة[2].
واستعار لفظ راية الايمان : لسنّته المتّبعة فى العمل بكتاب اللَّه . وركزها : وضعها بينهم ليقتدوا بها . وقعر الشيء : اقصاه . والبصر : بصر العقل . والتغلغل : الدخول فى الاعماق ، وهو نهى عن استعمال مجرّد الرأى فى دقائق المسائل الالهية ، وامر المعاد فانّ ذلك مهلكة .
منها :
[1]سورة آل عمران - 169
[2]مأخوذ من قول النبي ( ص ) : إني مخلَّف فيكم الثقلين .
حتّى يظنّ الظَّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، ولا سيفها ، وكذب الظَّان لذلك ، بل هى مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى امية ، وهو اخبار عمّا سيكون . ومعقولة : محبوسة ، واستعار لفظ الدّر والصفو : للذّاتها وقيناتها ، ولفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة والملك ، باعتبار قلَّته بالنسبة الى زمان عدمه ، ووصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .
ووصف اللفظ : لزوالها عنهم .
85 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّارى دهر قطَّ إلَّا بعد تميّل ورخاء ، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء ، وفى دون ما استقبلتم من عتب ، وما استدبرتم من خطب ، معتبر وما كلّ ذى قلب بلبيب ، ولا كلّ ذى سمع بسميع ، ولا كلّ ناظر ببصير ، فيا عجبى - ومالى لا أعجب - من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها لا - يقتصّون أثر نبىّ ، ولا يقتدون بعمل وصىّ ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفّون عن عيب . يعملون فى الشّبهات ويسيرون فى الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم فى المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات .
اقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم فى الدين ، وتشتيت آرائهم فى الأحكام والمذاهب .
والقصم : الكسر ، وجبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . والأزل : الشدّة .
والعتب : الذى استقبلوه عتابه عليه السّلام وما ينبغي منه . والخطب : الذى استدبروه ، الأهوال التي لحقتهم من المشركين . وفى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلَّتهم وقع عند المشركين . وكانّه قال :
فيجب الآن ان تعتبروا بذلك وتلازموا الاتّحاد فى الدين . واللبيب : من ينتفع بلبّه ، وهو : عقله ، وفائدة قوله : فما كلّ ذى لبّ الى قوله : ببصير : تحريك النفوس الى الاعتبار كيلا يعدّ التارك غير لبيب ولا سميع ولا بصير . ثم ذكر من مذامّهم أربعة تروك لما ينبغي ان يفعلوه ، وأربعة افعال مما ينبغي ان يتركوه ، وقدّم على الكلّ ذكر السبب وهو اختلاف حججهم فى دينهم ، لانّ ذلك هو الأصل الذى نشأت عنه هذه الرذائل ، والعيب : الذى تركوا الايمان به هو ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وآله من السمعيّات الصرفة كأحوال المعاد البدنّى ، واحوال القيامة ، والجنّة والنار . وقوله : المعروف ، الى قوله : ما انكروا ، أى : انّ المعروف والمنكر محصوران فيما عرفوه وانكروه ، وان كان ما تصوّروه جهلا وما انكروه هو الحق . والمضلَّات : ما اشكل امره وأصعب فهمه ، من الاحكام الدينية ، والاسباب المحكمة ، النصوص الجلية .
86 - ومن خطبة له عليه السّلام أرسله على حين فترة من الرّسل ، وطول هجعة من الأمم ، واعتزام من الفتن ، وانتشار من الأمور ، وتلظَّ من الحروب ، والدّنيا كاسفة النّور ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، واغورار من مائها ، قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الرّدى ، فهى متجهّمة لأهلها عابسة فى وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السّيف . فاعتبروا عباد اللَّه ، واذكروا تيك التّى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون . ولعمرى ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ، وما أنتم اليوم من يوم كنتم فى اصلابهم ببعيد . واللَّه ما أسمعكم الرّسول شيئا إلَّا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ولا شقّت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة فى ذلك الأوان إلَّا وقد أعطيتم مثلها فى هذا الزّمان . واللَّه ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به وحرموه ، ولقد نزلت بكم البليّة جائلا خطامها رخوا بطانها ، فلا يغرّنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فانّما هو ظلّ ممدود ، إلى أجل معدود .
اقول : خلاصة الفصل التذكير بنعمة اللَّه التي نفت ما كانوا فيه ، من بؤس ، وهى نعمة بعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، وما استلزمته من الخيرات لتعتبروا فتشكروا .
والفترة ما بين زمانى الرسولين ، واستعار لفظ الهجعة : لما كان عليه الناس قبل البعثة من الغفلة المشبهة للنوم . والاعتزام : العزم ، ونسبتها الى الفتن مجاز . وروى اعترام بالراء المهملة وهى : كثرتها . وروى[1]اعترض الفرس فى الطريق اذا مشى عرضا من غير قصد .
وتلظَّت الحرب : تلهّبت . والتجهّم : العبوس . والاحقاب جمع حقب : الدهور . واستعار لفظ النور : للانبياء والشرائع والاولياء القائمين بها . ولفظ الورق والثمر والماء : لمتاع الدنيا وزينتها . ولفظ الاصفرار : لتغيّرها عن العرب فى ذلك الوقت وعدم طلاوة عيشهم ، وخشونة مطاعمهم اذن ، واليأس من ثمرها : انقطاع آمالهم[2]من الملك والدّولة . ولفظ الأعلام : لأئمّة الهدى وقوانين الشرع ، ولفظ اعلام الردى : لأئمّة الضلال الداعين الى النار ، ووصف التجّهم والعبوس من الدنيا : لعدم وضوح مطالبها وتيسّرها لطلابها من العرب اذ الخطاب معهم . ولفظ الثمر : للفتنة باعتبار انّها غاية للعرب يومئذ من حركاتهم وحروبهم . ولفظ الجيفة : لما لم يذكر اسم اللَّه عليه من الذبائح ، او ما كانوا يأكلونه من النهب والغارة تنفيرا عنه لحرمته .
ولفظ الشعار : للخوف من النهب والغارات ، باعتبار ملازمته لهم . ولفظ الدثار : للسيف لعلوّه لهم غالبا . وقوله : واذكروا تيك : تذكير لهم بوجه العبرة من قبائح الاعمال والخطايا التي كانت عليها اسلافهم من الجاهلية ، فى معرض التخويف بما يلزمها من العقاب فى الآخرة . وارتهانهم بها : حبسهم فى سلاسل للهيئات البدنيّة . وقوله : ولعمرى ، الى قوله : ببعيد : الحاق لهم بهم فى معرض الوعيد ان يصيبهم ما اصابهم ، وابداء لعذره فى إسماعهم ، كأسماع الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، أسلافهم ، واستعار لفتنة بنى اميّة : وصف جولان الخطام ، ورخاوة البطان : ملاحظة لشبهها بالناقة الصعبة ، ووجه الشبه كونهما مظنّة الهلاك . والبطان : للقتب كالحزام للفرس . ولفظ الظلّ : لدولتهم باعتبار سرعة زوالها . ونفرّ عما أصبح فيه اهل الغفلة والغرور . وأراد بنى اميّة فى دولتهم
[1]في ش : وروى اعتراض من اعترض الفرس
[2]في نسخة ش : مآلهم .
وغرورهم فيها عن اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّما هو آخر ، وتقدير كبراه ، وكل ما كان كذلك فينبغى ان يغترّ به ، ويركن اليه .
87 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه المعروف من غير رؤية ، والخالق من غير رويّة ، الَّذى لم يزل قائما دائما ، إذ لا سماء ذات أبراج ، ولا حجب ذات أرتاج ، ولا ليل داج ، ولا بحر ساج ، ولا جبل دو فجاج ، ولا فجّ ذو اعوجاج ، ولا أرض ذات مهاد ، ولا خلق ذو اعتماد : ذلك مبتدع الخلق ووارثه ، وإله الخلق ورازقه ، والشّمس والقمر دائبان فى مرضاته : يبليان كلّ جديد ويقرّبان كلّ بعيد ، قسم أرزاقهم ، وأحصى آثارهم وأعمالهم ، وعدد أنفاسهم ، وخائنة أعينهم ، وما تخفى صدورهم من الضّمير ، ومستقرّهم ومستودعهم من الأرحام والظَّهور ، إلى أن تتناهى بهم الغايات ، هو الَّذى اشتدّت نقمته على أعدائه فى سعة رحمته واتّسعت رحمته لأوليائه فى شدّة نقمته ، قاهر من عازّه ومدمّر من شاقّه ، ومذلّ من ناواه ، وغالب من عاداه ، ومن توكَّل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جزاه . عباد اللَّه ، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وتنفّسوا قبل ضيق الخناق ، وانقادوا قبل عنف السّياق ، واعلموا أنّه من لم يعن على نفسه حتّى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ .
اقول : انّه وصف اللَّه سبحانه باعتبارات من صفات جلاله ، وقد سبق بيان اكثر هذه الاعتبارات ، وقيامه دوام وجوده لذاته . وقوله : اذ لا سماء ، الى قوله : ذو اعتماد ، اشارة الى : اعتبار ازليّته وقيامه بذاته ، وسبقه لكل ممكن تقديرا لقول الرسول صلى اللَّه عليه وآله : كان اللَّه ولا شيء . والحجب ذات الارتاج : السموات . وابلاء الشمس والقمر لكل جديد كناية عن : تفانيهما[1]بعده ، ويحتمل ان يريد كونهما اسبابا معدّة لزوال كل كائن فى هذا العالم ، وفساده وتقريبهما للبعيد : جذبهما الى الموت وما بعده من احوال
[1]نسخة ش : بقائهما .
الآخرة وغاياتهم التي تتناهى بهم ما يختم به اعمالهم من سعادة وشقاوة .
وقوله : وهو الَّذى اشتدّت ، الى قوله : نعمته ، اشارة الى : كماله وتنزيهه ، فى اعتبار احواله عن ملوك الدنيا فانّ حال الرحمة وحال الغضب فيهم متضادّ ان لا يجتمعان .
ولما كان كماله تعالى يقتضى ان يفيض على كلّ نفس ما يستعدّ له ، وجاز ان يستعدّ الشخص الواحد للنعمة التي هى اثر الرحمة ، وللنقمة التي هى اثر الغضب فى حال واحد ، لا جرم جاز اجتماع رحمته ونقمته فى محلّ واحد فى وقت واحد ، باعتبارين كحال الكفّار مثلا فى الدنيا . وقوله : وعازّه : غالبه ، وناواه : عاداه . وزنة النفوس فى الدنيا : اعتبار اعمالها من الخير والشرّ ومراعاة استقامتها على حاق الوسط من الفضائل فى سبيل اللَّه ، ومحاسبة النفس : ضبط اعمالها الخيريّة والشّرية ليزكَّيها[1]بما ينبغي لها ويعاقبها على فعل ما لا ينبغي ، وباب عظيم من ابواب المرابطة فى سبيل اللَّه ، واستعار لفظ وصف التنفّس : لتحصيل الراحة والبهجة للآخرة بالاعمال الصالحة فى الدنيا المستلزمة لها كما يستلزم النفس راجة القلب من الكرب . ولفظ الخناق من الحبل : للموت . وانقادوا اى : لأوامر اللَّه قبل عنف سياق الموت ، واعانة العبد على نفسه : اعداد العناية الالهية لقوّته العقلية على قهر النفس الامّارة بالسوء ، وتهيأتها لقبول السوانح الخيريّة ومن لم يحصّل ذلك الاستعداد ملكة حتّى يكون هو القاهر لنفسه لم يتمكن من قهرها بموعظة الغير وزجره ، وذلك تنبيه على وجوب الاستعانة باللَّه فى احوال النفس ودفع الشيطان عنها ، وباللَّه التوفيق .
88 - ومن خطبة له عليه السّلام تعرف بخطبة الاشباح . وهى من جلائل الخطب . روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام ، انّه قال : خطب امير المؤمنين صلى اللَّه عليه وآله بهذه الخطبة على منبر الكوفة ، وذلك انّ رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين : صف لنا ربّنا لنزداد له حبا ، وبه معرفة فغضب عليه السّلام ، ونادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى
[1]في ش : لتركها .
غص المجلس بأهله فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون ، فحمد اللَّه سبحانه وصلى على النبي محمد صلى اللَّه عليه وآله ثم قال : الحمد للَّه الَّذى لا يفره المنع والجمود ، ولا يكديه الإعطاء والجود ، إذ كلّ معط منتقص سواه ، وكلّ مانع مذموم ما خلاه ، وهو المنّان بفوائد النّعم ، وعوائد المزيد والقسم ، عياله الخلق : ضمن أرزاقهم ، وقدّر أقواتهم ، ونهج سبيل الرّاغبين إليه ، والطَّالبين ما لديه ، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الأوّل الَّذى لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الَّذى ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرّادع أناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، ولا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال ، ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللَّجين والعقيان ، ونثارة الدّرّ وحصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الَّذى لا يغيضه سؤال السّائلين ، ولا يبخله إلحاح الملحّين . فانظر أيّها السّائل فما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به ، واستضئ بنور هدايته ، وما كلَّفك الشّيطان علمه ممّا ليس فى الكتاب عليك فرضه ولا فى سنّة النّبىّ صلَّى اللَّه عليه وآله وأئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللَّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللَّه عليك . واعلم أنّ الرّاسخين فى العلم هم الَّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين : هو القادر الَّذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته ، وتولَّهت القلوب إليه لتجرى فى كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ردعها وهى تجوب مهاوى سدف الغيوب متخلَّصة إليه ، سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته الَّذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان
قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ، ما دلَّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، وظهرت فى البدائع الَّتى أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، وكأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : * ( ( تَا لله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) ) *[1]كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، وأشهد أنّ من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، وإنّك أنت اللَّه الَّذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهبّ فكرها مكيّفا ، ولا فى رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا .
أقول : قيل سمّيت الاشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح ، وهى : الاشخاص .
وقيل : لانّ الشبح هو الطول والامتداد . وهذه الخطبة ذات اقسام طوال ممتدّة كذكر السماوات ، وكيفية تخليقها ، وكذكر الملائكة واقسامهم ، وكيفية خلقهم واحوالهم ، وذكر الارض وكيفية خلقها . ويفرّه ، يزيده وفرا وهو : المال . ويكديه : ينقص خيره . وانّما لم يقبل الزيادة والنقصان لاستلزامهما الحاجة والامكان المنزّه قدسه عنهما ، ونزّهه فى الحكمين عن حال غيره من المعطَّلين والمانعين ، وفوائد النعم ما افاد منها ، وعوائد المزيد ، والقسم ما اعتاد منهما ، واستعار لفظ العيال : للخلق باعتبار ضمان ارزاقهم ، والقيام لأحوالهم ، ولفظ الضمان لما وجب فى الحكمة من تقدير الأقوات والارزاق التي لا بدّ منها كالضمان . وسبيل الراغبين اليه ، شريعته ودينه ، ونهجه لهم : ايضاحه بالادلَّة . وقوله : ليس بما سئل باجود منه بما لم يسئل عنه ، فيه لطيفة وهى : انّ فيضان ما يصدر عنه سبحانه له اعتباران :
[1]سورة الشعراء - 97 - 98 .