بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 211


حتّى يظنّ الظَّانّ أنّ الدّنيا معقولة على بنى أمية تمنحهم درّها وتوردهم صفوها ، ولا يرفع عن هذه الأمّة سوطها ، ولا سيفها ، وكذب الظَّان لذلك ، بل هى مجّة من لذيذ العيش يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة . الفصل غاية من غايات دولة بنى امية ، وهو اخبار عمّا سيكون . ومعقولة : محبوسة ، واستعار لفظ الدّر والصفو : للذّاتها وقيناتها ، ولفظ المحبّة : لما يحصلون عليه من الدولة والملك ، باعتبار قلَّته بالنسبة الى زمان عدمه ، ووصف التطعّم : لا لتذاذهم بالإمرة .
ووصف اللفظ : لزوالها عنهم .
85 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّ اللَّه لم يقصم جبّارى دهر قطَّ إلَّا بعد تميّل ورخاء ، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلَّا بعد أزل وبلاء ، وفى دون ما استقبلتم من عتب ، وما استدبرتم من خطب ، معتبر وما كلّ ذى قلب بلبيب ، ولا كلّ ذى سمع بسميع ، ولا كلّ ناظر ببصير ، فيا عجبى - ومالى لا أعجب - من خطاء هذه الفرق على اختلاف حججها فى دينها لا - يقتصّون أثر نبىّ ، ولا يقتدون بعمل وصىّ ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفّون عن عيب . يعملون فى الشّبهات ويسيرون فى الشّهوات ، المعروف عندهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم ما أنكروا ، مفزعهم فى المعضلات إلى أنفسهم ، وتعويلهم فى المبهمات على آرائهم ، كأنّ كلّ امرىء منهم إمام نفسه : قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقات وأسباب محكمات .
اقول : مقصود الفصل توبيخ الامّة على اختلافهم فى الدين ، وتشتيت آرائهم فى الأحكام والمذاهب .
والقصم : الكسر ، وجبر العظم : كناية عن التقويّة بعد الضعف . والأزل : الشدّة .
والعتب : الذى استقبلوه عتابه عليه السّلام وما ينبغي منه . والخطب : الذى استدبروه ، الأهوال التي لحقتهم من المشركين . وفى دون ذلك معتبر لمن كان له قلب ، فانّهم لو اختلفوا حينئذ كاختلافهم الآن لما كان لهم مع قلَّتهم وقع عند المشركين . وكانّه قال :


صفحه 212


فيجب الآن ان تعتبروا بذلك وتلازموا الاتّحاد فى الدين . واللبيب : من ينتفع بلبّه ، وهو : عقله ، وفائدة قوله : فما كلّ ذى لبّ الى قوله : ببصير : تحريك النفوس الى الاعتبار كيلا يعدّ التارك غير لبيب ولا سميع ولا بصير . ثم ذكر من مذامّهم أربعة تروك لما ينبغي ان يفعلوه ، وأربعة افعال مما ينبغي ان يتركوه ، وقدّم على الكلّ ذكر السبب وهو اختلاف حججهم فى دينهم ، لانّ ذلك هو الأصل الذى نشأت عنه هذه الرذائل ، والعيب : الذى تركوا الايمان به هو ما جاء به الرسول صلى اللَّه عليه وآله من السمعيّات الصرفة كأحوال المعاد البدنّى ، واحوال القيامة ، والجنّة والنار . وقوله : المعروف ، الى قوله : ما انكروا ، أى : انّ المعروف والمنكر محصوران فيما عرفوه وانكروه ، وان كان ما تصوّروه جهلا وما انكروه هو الحق . والمضلَّات : ما اشكل امره وأصعب فهمه ، من الاحكام الدينية ، والاسباب المحكمة ، النصوص الجلية .
86 - ومن خطبة له عليه السّلام أرسله على حين فترة من الرّسل ، وطول هجعة من الأمم ، واعتزام من الفتن ، وانتشار من الأمور ، وتلظَّ من الحروب ، والدّنيا كاسفة النّور ظاهرة الغرور ، على حين اصفرار من ورقها ، وإياس من ثمرها ، واغورار من مائها ، قد درست منار الهدى ، وظهرت أعلام الرّدى ، فهى متجهّمة لأهلها عابسة فى وجه طالبها ، ثمرها الفتنة ، وطعامها الجيفة ، وشعارها الخوف ، ودثارها السّيف . فاعتبروا عباد اللَّه ، واذكروا تيك التّى آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون ، وعليها محاسبون . ولعمرى ما تقادمت بكم ولا بهم العهود ، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون ، وما أنتم اليوم من يوم كنتم فى اصلابهم ببعيد . واللَّه ما أسمعكم الرّسول شيئا إلَّا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه ، وما أسماعكم اليوم بدون أسماعكم بالأمس ولا شقّت لهم الأبصار ، ولا جعلت لهم الأفئدة فى ذلك الأوان إلَّا وقد أعطيتم مثلها فى هذا الزّمان . واللَّه ما بصرتم بعدهم شيئا جهلوه ، ولا أصفيتم به وحرموه ، ولقد نزلت بكم البليّة جائلا خطامها رخوا بطانها ، فلا يغرّنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور ، فانّما هو ظلّ ممدود ، إلى أجل معدود .


صفحه 213


اقول : خلاصة الفصل التذكير بنعمة اللَّه التي نفت ما كانوا فيه ، من بؤس ، وهى نعمة بعثة الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، وما استلزمته من الخيرات لتعتبروا فتشكروا .
والفترة ما بين زمانى الرسولين ، واستعار لفظ الهجعة : لما كان عليه الناس قبل البعثة من الغفلة المشبهة للنوم . والاعتزام : العزم ، ونسبتها الى الفتن مجاز . وروى اعترام بالراء المهملة وهى : كثرتها . وروى[1]اعترض الفرس فى الطريق اذا مشى عرضا من غير قصد .
وتلظَّت الحرب : تلهّبت . والتجهّم : العبوس . والاحقاب جمع حقب : الدهور . واستعار لفظ النور : للانبياء والشرائع والاولياء القائمين بها . ولفظ الورق والثمر والماء : لمتاع الدنيا وزينتها . ولفظ الاصفرار : لتغيّرها عن العرب فى ذلك الوقت وعدم طلاوة عيشهم ، وخشونة مطاعمهم اذن ، واليأس من ثمرها : انقطاع آمالهم[2]من الملك والدّولة . ولفظ الأعلام : لأئمّة الهدى وقوانين الشرع ، ولفظ اعلام الردى : لأئمّة الضلال الداعين الى النار ، ووصف التجّهم والعبوس من الدنيا : لعدم وضوح مطالبها وتيسّرها لطلابها من العرب اذ الخطاب معهم . ولفظ الثمر : للفتنة باعتبار انّها غاية للعرب يومئذ من حركاتهم وحروبهم . ولفظ الجيفة : لما لم يذكر اسم اللَّه عليه من الذبائح ، او ما كانوا يأكلونه من النهب والغارة تنفيرا عنه لحرمته .
ولفظ الشعار : للخوف من النهب والغارات ، باعتبار ملازمته لهم . ولفظ الدثار : للسيف لعلوّه لهم غالبا . وقوله : واذكروا تيك : تذكير لهم بوجه العبرة من قبائح الاعمال والخطايا التي كانت عليها اسلافهم من الجاهلية ، فى معرض التخويف بما يلزمها من العقاب فى الآخرة . وارتهانهم بها : حبسهم فى سلاسل للهيئات البدنيّة . وقوله : ولعمرى ، الى قوله : ببعيد : الحاق لهم بهم فى معرض الوعيد ان يصيبهم ما اصابهم ، وابداء لعذره فى إسماعهم ، كأسماع الرسول صلى اللَّه عليه وآله ، أسلافهم ، واستعار لفتنة بنى اميّة : وصف جولان الخطام ، ورخاوة البطان : ملاحظة لشبهها بالناقة الصعبة ، ووجه الشبه كونهما مظنّة الهلاك . والبطان : للقتب كالحزام للفرس . ولفظ الظلّ : لدولتهم باعتبار سرعة زوالها . ونفرّ عما أصبح فيه اهل الغفلة والغرور . وأراد بنى اميّة فى دولتهم


[1]في ش : وروى اعتراض من اعترض الفرس
[2]في نسخة ش : مآلهم .


صفحه 214


وغرورهم فيها عن اللَّه بضمير صغراه قوله : فانّما هو آخر ، وتقدير كبراه ، وكل ما كان كذلك فينبغى ان يغترّ به ، ويركن اليه .
87 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه المعروف من غير رؤية ، والخالق من غير رويّة ، الَّذى لم يزل قائما دائما ، إذ لا سماء ذات أبراج ، ولا حجب ذات أرتاج ، ولا ليل داج ، ولا بحر ساج ، ولا جبل دو فجاج ، ولا فجّ ذو اعوجاج ، ولا أرض ذات مهاد ، ولا خلق ذو اعتماد : ذلك مبتدع الخلق ووارثه ، وإله الخلق ورازقه ، والشّمس والقمر دائبان فى مرضاته : يبليان كلّ جديد ويقرّبان كلّ بعيد ، قسم أرزاقهم ، وأحصى آثارهم وأعمالهم ، وعدد أنفاسهم ، وخائنة أعينهم ، وما تخفى صدورهم من الضّمير ، ومستقرّهم ومستودعهم من الأرحام والظَّهور ، إلى أن تتناهى بهم الغايات ، هو الَّذى اشتدّت نقمته على أعدائه فى سعة رحمته واتّسعت رحمته لأوليائه فى شدّة نقمته ، قاهر من عازّه ومدمّر من شاقّه ، ومذلّ من ناواه ، وغالب من عاداه ، ومن توكَّل عليه كفاه ، ومن سأله أعطاه ، ومن أقرضه قضاه ، ومن شكره جزاه . عباد اللَّه ، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، وحاسبوها من قبل أن تحاسبوا ، وتنفّسوا قبل ضيق الخناق ، وانقادوا قبل عنف السّياق ، واعلموا أنّه من لم يعن على نفسه حتّى يكون له منها واعظ وزاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ .
اقول : انّه وصف اللَّه سبحانه باعتبارات من صفات جلاله ، وقد سبق بيان اكثر هذه الاعتبارات ، وقيامه دوام وجوده لذاته . وقوله : اذ لا سماء ، الى قوله : ذو اعتماد ، اشارة الى : اعتبار ازليّته وقيامه بذاته ، وسبقه لكل ممكن تقديرا لقول الرسول صلى اللَّه عليه وآله : كان اللَّه ولا شيء . والحجب ذات الارتاج : السموات . وابلاء الشمس والقمر لكل جديد كناية عن : تفانيهما[1]بعده ، ويحتمل ان يريد كونهما اسبابا معدّة لزوال كل كائن فى هذا العالم ، وفساده وتقريبهما للبعيد : جذبهما الى الموت وما بعده من احوال


[1]نسخة ش : بقائهما .


صفحه 215


الآخرة وغاياتهم التي تتناهى بهم ما يختم به اعمالهم من سعادة وشقاوة .
وقوله : وهو الَّذى اشتدّت ، الى قوله : نعمته ، اشارة الى : كماله وتنزيهه ، فى اعتبار احواله عن ملوك الدنيا فانّ حال الرحمة وحال الغضب فيهم متضادّ ان لا يجتمعان .
ولما كان كماله تعالى يقتضى ان يفيض على كلّ نفس ما يستعدّ له ، وجاز ان يستعدّ الشخص الواحد للنعمة التي هى اثر الرحمة ، وللنقمة التي هى اثر الغضب فى حال واحد ، لا جرم جاز اجتماع رحمته ونقمته فى محلّ واحد فى وقت واحد ، باعتبارين كحال الكفّار مثلا فى الدنيا . وقوله : وعازّه : غالبه ، وناواه : عاداه . وزنة النفوس فى الدنيا : اعتبار اعمالها من الخير والشرّ ومراعاة استقامتها على حاق الوسط من الفضائل فى سبيل اللَّه ، ومحاسبة النفس : ضبط اعمالها الخيريّة والشّرية ليزكَّيها[1]بما ينبغي لها ويعاقبها على فعل ما لا ينبغي ، وباب عظيم من ابواب المرابطة فى سبيل اللَّه ، واستعار لفظ وصف التنفّس : لتحصيل الراحة والبهجة للآخرة بالاعمال الصالحة فى الدنيا المستلزمة لها كما يستلزم النفس راجة القلب من الكرب . ولفظ الخناق من الحبل : للموت . وانقادوا اى : لأوامر اللَّه قبل عنف سياق الموت ، واعانة العبد على نفسه : اعداد العناية الالهية لقوّته العقلية على قهر النفس الامّارة بالسوء ، وتهيأتها لقبول السوانح الخيريّة ومن لم يحصّل ذلك الاستعداد ملكة حتّى يكون هو القاهر لنفسه لم يتمكن من قهرها بموعظة الغير وزجره ، وذلك تنبيه على وجوب الاستعانة باللَّه فى احوال النفس ودفع الشيطان عنها ، وباللَّه التوفيق .
88 - ومن خطبة له عليه السّلام تعرف بخطبة الاشباح . وهى من جلائل الخطب . روى مسعدة بن صدقة عن الصادق جعفر بن محمد عليه السّلام ، انّه قال : خطب امير المؤمنين صلى اللَّه عليه وآله بهذه الخطبة على منبر الكوفة ، وذلك انّ رجلا أتاه فقال له يا أمير المؤمنين : صف لنا ربّنا لنزداد له حبا ، وبه معرفة فغضب عليه السّلام ، ونادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس حتى


[1]في ش : لتركها .


صفحه 216


غص المجلس بأهله فصعد المنبر وهو مغضب متغير اللون ، فحمد اللَّه سبحانه وصلى على النبي محمد صلى اللَّه عليه وآله ثم قال : الحمد للَّه الَّذى لا يفره المنع والجمود ، ولا يكديه الإعطاء والجود ، إذ كلّ معط منتقص سواه ، وكلّ مانع مذموم ما خلاه ، وهو المنّان بفوائد النّعم ، وعوائد المزيد والقسم ، عياله الخلق : ضمن أرزاقهم ، وقدّر أقواتهم ، ونهج سبيل الرّاغبين إليه ، والطَّالبين ما لديه ، وليس بما سئل بأجود منه بما لم يسأل ، الأوّل الَّذى لم يكن له قبل فيكون شيء قبله ، والآخر الَّذى ليس له بعد فيكون شيء بعده ، والرّادع أناسىّ الأبصار عن أن تناله أو تدركه ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال ، ولا كان فى مكان فيجوز عليه الانتقال ، ولو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال ، وضحكت عنه أصداف البحار ، من فلزّ اللَّجين والعقيان ، ونثارة الدّرّ وحصيد المرجان ما أثّر ذلك فى جوده ، ولا أنفد سعة ما عنده ، ولكان عنده من ذخائر الإنعام ما لا تنفده مطالب الأنام ، لأنّه الجواد الَّذى لا يغيضه سؤال السّائلين ، ولا يبخله إلحاح الملحّين . فانظر أيّها السّائل فما دلَّك القرآن عليه من صفته فائتمّ به ، واستضئ بنور هدايته ، وما كلَّفك الشّيطان علمه ممّا ليس فى الكتاب عليك فرضه ولا فى سنّة النّبىّ صلَّى اللَّه عليه وآله وأئمّة الهدى أثره ، فكل علمه إلى اللَّه سبحانه ، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللَّه عليك . واعلم أنّ الرّاسخين فى العلم هم الَّذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ، الاقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللَّه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التّعمّق فيما لم يكلَّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة اللَّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين : هو القادر الَّذى إذا ارتمت الأوهام لتدرك منقطع قدرته ، وحاول الفكر المبرّأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه فى عميقات غيوب ملكوته ، وتولَّهت القلوب إليه لتجرى فى كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول فى حيث لا تبلغه الصّفات لتناول علم ذاته ردعها وهى تجوب مهاوى سدف الغيوب متخلَّصة إليه ، سبحانه ، فرجعت إذ جبهت معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف كنه معرفته ، ولا تخطر ببال أولى الرّويّات خاطرة من تقدير جلال عزّته الَّذى ابتدع الخلق على غير مثال امتثله ، ولا مقدار احتذى عليه ، من خالق معهود كان


صفحه 217


قبله ، وأرانا من ملكوت قدرته ، وعجائب ما نطقت به آثار حكمته ، واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته ، ما دلَّنا باضطرار قيام الحجّة له على معرفته ، وظهرت فى البدائع الَّتى أحدثها آثار صنعته وأعلام حكمته ، فصار كلّ ما خلق حجّة له ودليلا عليه ، وإن كان خلقا صامتا فحجّته بالتّدبير ناطقة ، ودلالته على المبدع قائمة . وأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك ، وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ، ولم يباشر قلبه اليقين بأنّه لا ندّ لك ، وكأنّه لم يسمع تبرّأ التّابعين من المتبوعين إذ يقولون : * ( ( تَا لله إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ) ) *[1]كذب العادلون بك إذ شبّهوك بأصنامهم ونحلوك حلية المخلوقين بأوهامهم وجزّأوك تجزئة المجسّمات بخواطرهم وقدّروك على الخلقة المختلفة القوى بقرائح عقولهم ، وأشهد أنّ من ساواك بشىء من خلقك فقد عدل بك ، والعادل بك كافر بما تنزّلت به محكمات آياتك ، ونطقت عنه شواهد حجج بيّناتك ، وإنّك أنت اللَّه الَّذى لم تتناه فى العقول فتكون فى مهبّ فكرها مكيّفا ، ولا فى رويّات خواطرها فتكون محدودا مصرّفا .
أقول : قيل سمّيت الاشباح لاشتمالها على ذكر الأشباح ، وهى : الاشخاص .
وقيل : لانّ الشبح هو الطول والامتداد . وهذه الخطبة ذات اقسام طوال ممتدّة كذكر السماوات ، وكيفية تخليقها ، وكذكر الملائكة واقسامهم ، وكيفية خلقهم واحوالهم ، وذكر الارض وكيفية خلقها . ويفرّه ، يزيده وفرا وهو : المال . ويكديه : ينقص خيره . وانّما لم يقبل الزيادة والنقصان لاستلزامهما الحاجة والامكان المنزّه قدسه عنهما ، ونزّهه فى الحكمين عن حال غيره من المعطَّلين والمانعين ، وفوائد النعم ما افاد منها ، وعوائد المزيد ، والقسم ما اعتاد منهما ، واستعار لفظ العيال : للخلق باعتبار ضمان ارزاقهم ، والقيام لأحوالهم ، ولفظ الضمان لما وجب فى الحكمة من تقدير الأقوات والارزاق التي لا بدّ منها كالضمان . وسبيل الراغبين اليه ، شريعته ودينه ، ونهجه لهم : ايضاحه بالادلَّة . وقوله : ليس بما سئل باجود منه بما لم يسئل عنه ، فيه لطيفة وهى : انّ فيضان ما يصدر عنه سبحانه له اعتباران :


[1]سورة الشعراء - 97 - 98 .


صفحه 218


أحدهما ، بالنظر الى جوده ، وهو من تلك الجهة غير مختلف فى جميع الموجودات ، بل نسبتها اليه على سواء ، فلا يقال هو بكذا اجود منه بكذا ، والَّا لاستلزم ان يكون ببعض الاشياء أبخل ، او اليها احوج فيلزمه النقصان تعالى عن ذلك .
والثاني ، بالنظر الى الممكن نفسه ، والاختلاف بالقرب والبعد الى جوده ، انّما هو من تلك الجهة فكلّ ممكن كان اتمّ استعدادا واقبل كان أقرب الى جوده . فالسائل اذن وان حصل له ما سأل منه تعالى دون ما لم يسأل فليس منعه ما لم يسأله لعزّته عنده وليس بينه وبين ما سأل بالنسبة الى جوده فرق وتفاوت بل تخصيصه بما سئل لتمام قبوله له ، ولو كان قابلا لما يسئل لوصل اليه من غير مسألة وان عظم خطره ، والى هذا اشار علىّ بن موسى الرضا عليه السّلام ، وقد سئل عن الجواد فقال : لسؤالك وجهان : ان اردت المخلوق فالَّذى يؤدّى ما افترض اللَّه عليه . وان اردت الخالق فهو الجواد ان اعطى وان منع لانّه ان أعطى أعطى من له ، وان منع منع من ليس له .
واراد انّ جوده متوقّف على الاستعداد وعدمه . وردعه اناسى الابصار عن ادراكه : قهره لها بذلّ النقصان عن قبول ذلك ، لانّ القوّة الباصرة انّما يتعلَّق بذى الوضع وجهة المنزّه قدسه تعالى عنه ، ولم يختلف عليه دهر لعلوّه عن الزمان ، وبذلك لم تختلف عليه الأحوال ، لانّ الزمان هو مبدأ الاختلاف . وفلزّ اللَّجين : خبثه وما ينفيه الكبر منه .
والعقيان : الذهب الخالص . والمرجان : صغار اللؤلؤ . وحصيده : محصوله وما اجتمع منه .
واستعار لفظ الضحك : للاصداف ، ووجه الشبه : انفتاح الصدفين واسفارهما عن اللؤلؤ الشبيه فى بدوه بالاسنان عن لحمة شبيهة باللسان فى هيئته ، ووضوح المشابهة تستدعى المشاهدة . ولفظ الحصيد لصغار اللؤلؤ لشبهه بالحصيد من الغلات . ونبّه بهذه القضية الشرطية على كمال قدرته ، وعدم تناهى مقدوراته ، وبيّن ذلك بضمير صغراه قوله : لانّه الجواد الى قوله : الملحّين ، وتقدير الكبرى وكلّ من كان كذلك فلو وهب جميع ما ذكر لم ينقص ملكه .
وقوله : فانظر الى آخره : تأديب للخلق فى وصفهم للَّه سبحانه ، وتعليم لهم كيفية مدحهم وثنائهم عليه ، فأمرهم ان يقتدوا فى ذلك بكتاب اللَّه تعالى ، ومن يقوم به من الأنبياء والائمة من بعدهم ، اذ كان اوّل ما يوصف به ما وصف به تعالى نفسه ، وان