بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 258


والمتجر . واكَّالا : جمع آكلة ولفظ الأموات : للفقراء باعتبار انقطاع مادّة الحياة عنهم واستيلاء الظلمة عليهم . وتشبيه لبس الاسلام بلبس الفرو كناية عن : النفاق واستعمال الاسلام فى الظاهر دون الباطن ، بخلاف مراد عناية اللَّه به كلبس الفرو ، وباللَّه التوفيق .
106 - ومن خطبة له عليه السّلام كلّ شيء خاضع له ، وكلّ شيء قائم به : غنى كلّ فقير ، وعزّ كلّ ذليل ، وقوّة كلّ ضعيف ، ومفزع كلّ ملهوف ، ومن تكلَّم سمع نطقه ، ومن سكت علم سرّه ، ومن عاش فعليه رزقه ، ومن مات فإليه منقلبه ، لم ترك العيون فتخبر عنك ، بل كنت قبل الواصفين من خلقك ، لم تخلق الخلق لوحشة ، ولا استعملتهم لمنفعة ، ولا يسبقك من طلبت ، ولا يفلتك من أخذت ، ولا ينقص سلطانك من عصاك ، ولا يزيد فى ملكك من أطاعك ، ولا يردّ أمرك من سخط قضاءك ، ولا يستغنى عنك من تولَّى عن أمرك ، كلّ سرّ عندك علانية ، وكلّ غيب عندك شهادة ، أنت الأبد لا أمد لك ، وأنت المنتهى لا محيص عنك ، وأنت الموعد لا منجى منك إلَّا إليك ، بيدك ناصية كلّ دابّة ، وإليك مصير كلّ نسمة ، سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك ، وما أصغر عظمه فى جنب قدرتك ، وما أهول ما نرى من ملكوتك ، وما أحقر ذلك فيما غاب عنّا من سلطانك ، وما أسبغ نعمك فى الدّنيا ، وما أصغرها فى نعيم الآخرة .
أقول : خشوع الاشياء له دخولها فيما يتوهّم من ذلَّة الحاجة اليه ، وقيامها به فى الوجود قيام المعلول بعلته . والملهوف : المظلوم يستغيث . وسمعه تعالى : يعود الى علمه بالمسموعات . وقوله : فيخبر عنك اى : ارباب العيون اى : لم ترك ارباب العيون بعيونها ، فحذف المضاف وقد مرّ تنزيهه تعالى عن الوحشة والمنفعة . وقوله : انت الأبد لا امد لك ، اى : الدائم فلا غاية لك . وقيل : ذو الابد اى : ذو الدوام . والمحيص : المعدّل ، وباقى الفصل ظاهر .


صفحه 259


منها : من ملائكة أسكنتهم سمواتك ، ورفعتهم عن أرضك ، هم أعلم خلقك بك ، وأخوفهم لك ، وأقربهم منك ، لم يسكنوا الأصلاب ، ولم يضمّنوا الأرحام ، ولم يخلقوا من ماء مهين ، ولم يشعبهم ريب المنون ، وإنّهم - على مكانهم منك ، ومنزلتهم عندك ، واستجماع أهوائهم فيك ، وكثرة طاعتهم لك ، وقلَّة غفلتهم عن أمرك - لو عاينوا كنه ما خفى عليهم منك لحقروا أعمالهم ، ولزروا على أنفسهم ، ولعرفوا أنّهم لم يعبدوك حقّ عبادتك ، ولم يطيعوك حقّ طاعتك .
سبحانك خالقا ومعبودا : بحسن بلائك عند خلقك ، خلقت دارا ، وجعلت فيها مأدبة : مشربا ، ومطعما ، وأزواجا ، وخدما ، وقصورا ، وأنهارا ، وزروعا ، وثمارا ، ثمّ أرسلت داعيا يدعو إليها ، فلا الدّاعى أجابوا ، ولا فيما رغَّبت إليه رغبوا ، ولا إلى ما شوّقت إليه اشتاقوا أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصطلحوا على حبّها ، ومن عشق شيئا أعشى بصره ، وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشّهوات عقله ، وأماتت الدّنيا قلبه ، وولهت عليها نفسه فهو عبد لها ، ولمن فى يده شيء منها : حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها ، ولا يزدجر من اللَّه بزاجر ، ولا يتّعظ منه بواعظ ، وهو يرى المأخوذين على الغرّة - حيث لا إقالة ولا رجعة - كيف نزل بهم ما كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدّنيا ما كانوا يأمنون ، وقدموا من الآخرة على ما كانوا يوعدون ، فغير موصوف ما نزل بهم ، اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت ، ففترت لها أطرافهم ، وتغيّرت لها ألوانهم ، ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا ، فحيل بين أحدهم وبين منطقه ، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره ، ويسمع باذنه - على صحّة من عقله ، وبقاء من لبّه - يفكَّر فيم أفنى عمره ، وفيم أذهب دهره ، ويتذكَّر أموالا جمعها : أغمض فى مطالبها ، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها ، قد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها : تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ، ويتمتّعون بها ، فيكون المهنا لغيره ، والعبء على ظهره . والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو يعضّ يده ، ندامة على ما أصحر له عند الموت من أمره ، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره ، ويتمنّى أنّ الَّذى كان يغبطه بها ويحسده عليها قد حازها دونه فلم يزل الموت يبالغ فى جسده حتّى خالط لسانه سمعه ، فصار بين أهله لا ينطق


صفحه 260


بلسانه ، ولا يسمع بسمعه : يردّد طرفه بالنّظر فى وجوههم يرى حركات ألسنتهم . ولا يسمع رجع كلامهم . ثمّ ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه ، وخرجت الرّوح من جسده فصار جيفة بين أهله : قد أوحشوا من جانبه ، وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكيا ، ولا يجيب داعيا . ثمّ حملوه إلى محطَّ فى الأرض ، وأسلموه فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته . حتّى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الخلق بأوّله ، وجاء من أمر اللَّه ما يريده : من تجديد خلقه ، أماد السّماء وفطرها ، وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع جبالها ونسفها ، ودكّ بعضها بعضا من هيبة جلالته ، ومخوف سطوته ، وأخرج من فيها فجدّدهم على أخلاقهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، ثمّ ميّزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الأعمال ، وخبايا الأفعال ، وجعلهم فريقين : أنعم على هؤلاء ، وانتقم من هؤلاء : فأمّا أهل طاعته فأثابهم بجواره وخلَّدهم فى داره ، حيث لا يظعن النزّال ، ولا يتغيّر لهم الحال ، ولا تنوبهم الأفزاع ، ولا تنالهم الأسقام ، ولا تعرض لهم الأخطار ، ولا تشخصهم الأسفار ، وأمّا أهل المعصية ، فأنزلهم شرّ دار ، وغلّ الأيدى إلى الأعناق وقرن النّواصى بالأقدام ، وألبسهم سرابيل القطران ، ومقطَّعات النّيران فى عذاب قد اشتدّ حرّه ، وباب قد أطبق على أهله فى نار لها كلب ولجب ولهب ساطع ، وقصيف هائل ، لا يظعن مقيمها ، ولا يفادى أسيرها ، ولا تفصم كبولها ، لا مدّة للدّار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى .
اقول : انّما كانت الملائكة أعلم خلق اللَّه به ، لبراءة علومهم من منازعة النفس الامارة ، ولقربهم من ابداع قدرته وكونهم اخوف لكونهم اعلم به .
وريب المنون : حادث الموت . وقوله : وانّهم ، الى قوله : طاعتك : اشارة الى تنزيهه تعالى عن اطَّلاع الملائكة على كنه معرفته ، لانّ ذلك غير ممكن لأحد سواه كما مرّ بيانه . والباء فى قوله بحسن بلائك قيل : انّها يتعلق بسبحانك اى : انزّهك بهذا الاعتبار . وخالقا ومعبودا : حالان ويحتمل ان يتعلق بمعبود ، ويحتمل ان يتعلق بخلقت . واستعار لفظ الدار للاسلام : باعتبار جمعه لأهله . ولفظ المأدبة وهى الطعام : يدعى اليه للجنة باعتبار جمعها للمشتهيات . والداعى هو : الرسول صلى اللَّه عليه وآله . وقد جمعها الخبر : انّ اللَّه جعل الاسلام دارا


صفحه 261


والجنة مأدبة والداعى اليها محمدا . واستعار لفظ الجيفة : للدنيا لاستقذار نفوس الاولياء لها . ووصف الافتضاح بأكلها : للاستهتار بافتنائها والخروج به عن شعار الصالحين وطاعة اللَّه . ووصف العشاء لما يعرض لأبصار بصائر اهلها من اغطية الجهل فيفسد نظرها فلا يبصر ما ينتفع به ولا تسمع ما يتعظ به . ووصف التخريق لتفريق افكاره فى تحصيل المشبّهات . ووصف الاماتّه : لاخراج قلبه عن الانتفاع به فى امر الآخرة فهو كالميت عنها . وولهت عليها نفسه اى : حيرته محبة لها . وقوله : فغير موصوف ما نزل بهم اى : لشدّته . واغمض فى مطالبها تساهل فى وجوه اخذها ، ولم يضبط دينه فيها . ومصرّحاتها : ما وضح منها . والمهنأ : المصدر من هنأ يهنأ . والعبأ : الثقل . واستعار وصف غلق الرهون : ملاحظة لعدم انفكاك نفسه من تبعاتها المشبه لغلق الرهن بما عليه من مال . واصحر ظهر وانكشف . ورجع القول جوابه وترديده . والالتياط : الالتصاق . والمخط : كناية عن اللحد لانّه يخط ثم يحفر ، وروى بالحاء المهملة . ومحط القوم : منزلهم . وبلوغ الكتاب أجله : انقضاء المدّة المضروبة لبقاء الخلق فى الدنيا أو فى البرزخ . والمقطَّعات : ثياب من نار . والكلب : الشدّة . واللجب : غلبة الاصوات . والقصيف الصوت الشديد . والكبول : جمع كبل ، وهو : القيد الضخم . وصفة القيامة واحوالها وغايتها فى غاية الوضوح ، وباللَّه التوفيق .
ومنها فى ذكر النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم :
قد حقّر الدّنيا وصغّرها ، وأهونها وهوّنها ، وعلم أنّ اللَّه زواها عنه اختيارا ، وبسطها لغيره احتقارا ، فأعرض عنها بقلبه ، وأمات ذكرها عن نفسه ، وأحبّ أن تغيب زينتها عن عينه ، لكيلا يتّخذ منها رياشا ، أو يرجو فيها مقاما ، بلَّغ عن ربّه معذرا ، ونصح لأمّته منذرا ، ودعا إلى الجنّة مبشّرا . نحن شجرة النّبوّة ، ومحطَّ الرّسالة ، ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحكم ، ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرّحمة ، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السّطوة .
أقول : روى : حقر الدنيا مخفّفا ومشددا ، اى : زهد فيها او زهّد غيره فيها ، وكذلك :


صفحه 262


اهوانه بها ، وتهوينه لها . والرياش : اللباس والزينة . والمعذر : الذى ابلى فى العذر فلا يلام بعده . واستعار لفظ الشجرة : لبنى هاشم ، وكذلك لفظ المعادن والينابيع والسطوة المنتظرة لعدوّهم ، من اللَّه تعالى . والفصل واضح .
107 - ومن خطبة له عليه السّلام إنّ أفضل ما توسّل به المتوسّلون إلى اللَّه ، سبحانه ، الإيمان به وبرسوله والجهاد فى سبيله فانّه ذروة الإسلام ، وكلمة الإخلاص فإنّها الفطرة ، وإقام الصّلاة فإنّها الملَّة ، وإيتاء الزّكاة فإنّها فريضة واجبة ، وصوم شهر رمضان فإنّه جنّة من العقاب ، وحجّ البيت واعتماره فإنّهما ينفيان الفقر ويرحضان الذّنب ، وصلة الرّحم فإنّها مثراة فى المال ، ومنسأة فى الأجل وصدقة السّرّ فإنّها تكفّر الخطيئة ، وصدقة العلانية فإنّها تدفع ميتة السّوء ، وصنائع المعروف فإنّها تقى مصارع الهوان . أفيضوا فى ذكر اللَّه فإنّه أحسن الذّكر ، وارغبوا فيما وعد المتّقين فإنّه أصدق الوعد ، واقتدوا بهدى نبيّكم فإنّه أفضل الهدى ، واستنّوا بسنّته فإنّه أهدى السّنن ، وتعلَّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنّه شفاء الصّدور ، وأحسنوا تلاوته فإنّه أنفع القصص ، فإنّ العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الَّذى لا يستفيق من جهله ، بل الحجّة عليه أعظم ، والحسرة له ألزم ، وهو عند اللَّه ألوم .
أقول : اراد : انّ افضل الوسائل الى اللَّه ، الايمان الكامل ، فالايمان باللَّه ورسوله هو اصله ، وباقى الفرائض والسنن كمالات له ، ورغَّب فى كل منهما بضمير صغراه ، قوله : فانّه كذا ، وتقدير الكبرى فى الكلّ ، وكل ما كان كذلك فينبغى ان يفعل . واستعار لفظ الذروة : للجهّال لانّه اصل لقيام الدين فى الوجود ، فكان اشرف واعلى من غيره من سائر العبادات . والفطرة : فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها من التعبّد له ، والاقرار بربوبيته .
وجعل الصلاة هى الملَّة : مجازا تشريفا لانها اكثر اشتمالا على مقصود الملة فى جميع اجزائها ، وهو : الالتفات الى اللَّه تعالى ودوام ملاحظة عظمته .


صفحه 263


قال الراوندى رحمه اللَّه :[1]اراد بكون الزكاة فريضة : كونها سهما مقتطعا من المال وجوبا ، والَّا لما كان لتخصيصها بالفريضة من بين سائر الفرائض معنى . وخصّص صوم رمضان باستعارة لفظ الجنّة : لانّه اشد فى كسر النفس الامارة وقطع وسائل الشيطان التي هى الشهوات ، ولذلك قال النّبى صلى اللَّه عليه وآله : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم فضيّقوا مجاريه بالجوع ) . فكان الصوم على الخصوص اشدّ قمعا للشيطان من سائر العبادات فكان اقوى جنّة فى دفع ما يلزم بسببه من العقاب .
ورغَّب فى الحجّ ، والعمرة ، بفضيلتين : دنيوية وهى : كونهما ينفيان الفقر ، وكان ذلك بسبب التجارة الحاصلة فى موسم الحجّ ، وقيام الاسواق بمكة حينئذ . واخرويّة وهى : كونهما يرحضان الذنب اى : يغسلانه . وكون صلة الرحم مثراة للمال يفهم له شيئان : احدهما : انّ العناية الالهية قسّمت لكل حيّ قسطا من الرزق مدّ حياته فاذا اعدّت شخصا من الناس للقيام بأمر جماعة وكفّلته بامدادهم ، وجب فى العناية افاضته ارزاقهم بحسب استعداده لذلك وهو معنى كونه مثراة للمال . الثاني ، انّ صلة الرحم من الاخلاق الحميدة التي تستمال بها طباع الخلق وتستجلب عاطفتهم فيكون سببا لامداده ومعونته من ذوى الامداد ، والمعونات : كالملوك وغيرهم فكان مثراة . وامّا كونها منسأة فى الأجل فلانّها توجب تعاطف ذوى الارحام ، ومعاضدتهم لواصلهم ، فيكون عن اذى الاعداء ابعد وذلك مظنّة طول عمره وتأخيره ، ولانّها توجب تعلَّق همّهم ببقاءه واصلهم وامداده بالدعاء الَّذى قد يكون شرطا فى بقائه ، فكانت صلتهم منساة . والمنسأة : محل النسا وهو : التأخير .
وكون صدقة السرّ تكفّر الخطيئة : لانّها ابعد عن الرياء ، واقرب الى رضى اللَّه .
وتكفيرها : سترها . وكون صدقة العلانية تدفع ميتة السوء لاستلزامها الشهرة بفعل الخيرات ، والذكر الجميل ، ومحبّة المتصدّق ، وذلك يمنع غالبا من ميتات السوء كالقتل ، والحريق ، وكل ما يكون بقصد الغير وفعله ، لكان محبته واشتهاره بفعل الجميل . والافاضة فى ذكر اللَّه : الاندفاع وكونه أحسن الحديث لقوله تعالى : * ( ( الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) ) *[2]الآية . واستعار لفظ الربيع : لما فيه من فنون العلم الَّذى هو مسارح أبصار


[1]منهاج البراعة 1 - 473
[2]سورة الزمر - 23 .


صفحه 264


البصائر لرياض الربيع . وشفاء للصدور : من امراض الجهل . والحجّة على العالم اعظم : لانّ العالمين ليس لهم ان يقولوا يوم القيامة * ( ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ ) ) *[1]. والحسرة له الزم : لعلمه بما يفوته من الكمال بسبب التفريط ، بخلاف الجاهل لجهله بما يفوته من ذلك ، وهو عند اللَّه ألوم : باعتبار انقطاع عذره يومئذ ، وقوّته : جرأته على المخالفة عن علم[2].
108 - ومن خطبة له عليه السّلام أمّا بعد ، فإنّى أحذّركم الدّنيا فإنّها حلوة خضرة ، حفّت بالشّهوات ، وتحبّبت بالعاجلة ، وراقت بالقليل ، وتحلَّت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ، لاتدوم حبرتها ، ولا تؤمن فجعتها ، غرّارة ضرّارة ، حائلة زائلة ، نافدة بائدة ، أكَّالة غوّالة ، لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرّغبة فيها ، والرّضاء بها ، أن تكون كما قال اللَّه سبحانه وتعالى : * ( ( واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه ، نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ و ) ) *[3]لم يكن امرؤ منها فى حبرة إلَّا أعقبتها عبرة ، ولم يلق فى سرّائها بطنا ، إلَّا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم تطلَّه فيها ديمة رخاء ، إلَّا هتنت عليه مزنة بلاء ، وحرىّ ، إذا أصبحت له منتصرة ، أن تمسى له متنكَّرة وإن جانب منها اعذوذب ، واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى ، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا ، إلَّا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا يمسى منها فى جناح أمن إلَّا أصبح على قوادم خوف ، غرّارة غرور ما فيها فانية ، فان من عليها لا خير فى شيء من أزوادها إلَّا التّقوى ، من أقلّ منها استكثر ممّا يؤمنه ، ومن استكثر منها استكثر ممّا يوبقه ، وزال عمّا قليل عنه ، كم من واثق بها فجعته ، وذى طمأنينة قد صرعته ، وذى أبّهة قد جعلته حقيرا ، وذى نخوة قدردّته ذليلا سلطانها دول ، وعيشها رنق ، وعذبها أجاج ، وحلوها صبر ، وغذاؤها سمام ، وأسبابها رمام ، حيّها بعرض موت ، وصحيحها بعرض سقم ، ملكها مسلوب ، وعزيزها مغلوب ، وموفورها منكوب وجارها محروب ، ألستم فى مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا ، وأبقى آثارا ، وأبعد آمالا ،


[1]سورة الاعراف - 172 .
[2]كلمة : يومئذ الى اخرها لم تكن في ش
[3]سورة الكهف - 45 .


صفحه 265


وأعدّ عديدا ، وأكثف جنودا : تعبّدوا للدّنيا أىّ تعبّد وآثروها أىّ إيثار ، ثمّ ظعنوا عنها بغير زاد مبلَّغ ، ولا ظهر قاطع فهل بلغكم أنّ الدّنيا سخت لهم نفسا بفدية ، أو أعانتهم بمعونة ، أو أحسنت لهم صحبة بل أرهقتهم بالفوادح ، وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنّوائب ، وعفّرتهم للمتأخر ، ووطئتهم بالمناسم ، وأعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكَّرها لمن دان لها ، وآثرها ، وأخلد لها حتّى ظعنوا عنها لفراق الأبد ، وهل زوّدتهم إلَّا السّغب ، أو أحلَّتهم إلَّا الضّنك أو نوّرت لهم إلَّا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلَّا النّدامة أفهده تؤثرون ، أم إليها تطمئنون ، أم عليها تحرصون فبئست الدّار لمن لم يتّهمها ولم يكن فيها على وجل منها ، فاعلموا - وأنتم تعلمون - بأنّكم تاركوها ، وظاعنون عنها واتّعظوا فيها بالَّذين قالوا : * ( ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ) ) * حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصّفيح أجنان ومن التّراب أكفان ، ومن الرّفات جيران ، فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما ، ولا يبالون مندبة : إن جيدوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا : جميع وهم آحاد وجيرة وهم أبعاد متدانون لا يتزاورون وقريبون لا يتقاربون ، حلماء قد ذهبت أضغانهم ، وجهلاء قد ماتت أحقادهم ، لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم ، استبدلوا بظهر الأرض بطنا ، وبالسّعة ضيقا وبالأهل غربة ، وبالنّور ظلمة ، فجاؤها كما فارقوها حفاة عراة ، قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدّائمة ، والدّار الباقية كما قال سبحانه : * ( ( كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه ، وَعْداً عَلَيْنا ، إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ) ) *[1].
أقول : مدار[2]الفصل على ذمّ الدنيا ، والتنفير عنها ، بذكر معايبها ، وما يلزمها من غاية الموت .
واستعار لها لفظ الحلوة الخضرة : باعتبار زينتها ، وبهجتها ، وخصّ متعلقى الذوق والبصر اعنى : الخضرة والحلوة : لاكثريّة تأدية الحاستين المذكورتين ، الى النفس الالتذاذ بواسطتهما دون سائر الحواسّ .
وراقت : أعجبت . والقليل : متاعها فى متاع الآخرة ، ووجه زينتها بالغرور : انّ ما يعدّ فيها زينة وخيرا من متاعها انّما هو بسبب الغفلة عن عاقبة ذلك وثمرته فى الآخرة .
وحبرتها : سرورها . والحائلة : الزائلة . وبائدة : هالكة . والغوّالة : التي تأخذ على غرّة .


[1]الانبياء - 104 .
[2]فى ش : هذا الفصل .