بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 377


الباغية لا انا لها اللَّه شفاعتي[1]. وابن التيهان : هو ابو الهيثم مالك بن مالك ، وقيل : مالك ابن عمرو بن الحرث التيهان . ذو الشهادتين : هو ابو عمارة خزيمة بن ثابت الانصارى الأوسى ، جعل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله شهادته بشهادة رجلين لقصة مشهورة . وابرد : أرسل . والفجرة : امراء الشام . والقائد : يعنى نفسه . وقيس : هو ابن سعد بن عبادة الانصارى . وابو ايّوب : هو خالد بن سعد بن كعب من بنى النجار ، وعليه نزل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله حين هاجر الى المدينة حتى بنى مسجده ومساكنه .
184 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه المعروف من غير رؤية ، الخالق من غير منصبة ، خلق الخلائق بقدرته ، واستعبد الأرباب بعزّته ، وساد العظماء بجوده . وهو الَّذى أسكن الدّنيا خلقه ، وبعث إلى الجنّ والإنس رسله ، ليكشفوا لهم عن غطائها ، وليحذّروهم من ضرّائها ، وليضربوا لهم أمثالها ، وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها وأسقامها ، وليبصروهم عيوبها وحلالها وحرامها ، وما أعدّ اللَّه للمطيعين منهم والعصاة من جنّة ونار وكرامة وهوان . أحمده إلى نفسه كما استحمد إلى خلقه ، وجعل لكلّ شيء قدرا ، ولكلّ قدر أجلا ، ولكلّ أجل كتابا .
أقول : نزّهه فى معرفته عن الرؤية ، وفى خالقيته عن التعب ، لاستلزامهما الجسميّة . وقوله : ليكشفوا لهم اى : اغطية الهيئات البدنيّة ، واغشية الجهل وكشفها بالتذكير ، والموعظة عن اعين بصائرهم ، ليروا ما تغطَّى من احوال الآخرة التي خلقوا لها . وضرّائها : ما يلزم الغفلة فيها من الضرر الاخروىّ . وباللَّه التوفيق . منها : فى ذكر القرآن : فالقرآن آمر زاجر ، وصامت ناطق ، حجّة اللَّه على خلقه : أخذ عليهم ميثاقه ، وارتهن عليه أنفسهم ، أتمّ نوره ، وأكمل به دينه ، وقبض نبيّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، وقد فرغ إلى الخلق من أحكام الهدى به ، فعظَّموا منه سبحانه ما عظَّم من نفسه ، فإنّه لم


[1]الغدير 9 - 21 . باسانيد وطرق مختلفة .


صفحه 378


يخف عنكم شيئا من دينه ، ولم يترك شيئا رضيه أو كرهه ، إلَّا وجعل له علما باديا ، وآية محكمة تزجر عنه أو تدعو إليه ، فرضاه فيما بقى واحد ، وسخطه فيما بقى واحد . واعلموا أنّه لن يرضى عنكم بشىء سخطه على من كان قبلكم ، ولن يبسخط عليكم بشىء رضيه ممّن كان قبلكم ، وإنّما تسيرون فى أثر بيّن ، وتتكلَّمون برجع قول قد قاله الرّجال من قبلكم ، قد كفاكم مئونة دنياكم ، وحثّكم على الشّكر ، وافترض من ألسنتكم الذّكر ، وأوصاكم بالتّقوى وجعلها منتهى رضاه وحاجته من خلقه ، فاتّقوا اللَّه الَّذى أنتم بعينه ونواصيكم بيده ، وتقلَّبكم فى قبضته : إن أسررتم علمه ، وإن أعلنتم كتبه ، قد وكَّل بكم حفظة كراما ، لا يسقطون حقّا ، ولا يثبتون باطلا ، واعلموا أنّ من يتّق اللَّه يجعل له مخرجا من الفتن ، ونورا من الظَّلم ، ويخلده فيما اشتهت نفسه ، وينزله منزلة الكرامة عنده ، فى دار اصطنعها لنفسه : ظلَّها عرشه ، ونورها بهجته ، وزوّارها ملائكته ، ورفقاؤها رسله . فبادروا المعاد ، وسابقوا الآجال ، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ، ويرهقهم الأجل ، ويسدّ عنهم باب التّوبة ، فقد أصبحتم فى مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم ، وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم ، وقد أوذنتم منها بالارتحال ، وأمرتم فيها بالزّاد ، واعلموا أنّه ليس لهذا الجلد الرّقيق صبر على النّار ، فارحموا نفوسكم فإنّكم قد جرّبتموها فى مصائب الدّنيا . أفرأيتم جزع أحدكم من الشّوكة تصيبه والعثرة تدميه ، والرّمضاء تحرقه فكيف إذا كان بين طابقين من نار ، ضجيع حجر ، وقرين شيطان أعلمتم أنّ مالكا إذا غضب على النّار حطم بعضها بعضا لغضبه ، وإذا زجرها توثّبت بين أبوابها جزعا من زجرته أيّها اليفن الكبير ، الَّذى قد لهزه القتير كيف أنت إذا التحمت أطواق النّار بعظام الأعناق ، ونشبت الجوامع ، حتّى أكلت لحوم السّواعد فاللَّه اللَّه ، معشر العباد ، وأنتم سالمون فى الصّحّة قبل السّقم وفى الفسحة قبل الضّيق ، فاسعوا فى فكاك رقابكم من قبل أن تغلق رهائنها : أسهروا عيونكم . وأضمروا بطونكم ، واستعملوا أقدامكم ، وأنفقوا أموالكم ، وخذوا من أجسادكم فجدّدوا بها على أنفسكم ولا تبخلوا بها عنها ، فقد قال اللَّه سبحانه : * ( ( إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) ) *[1]وقال تعالى : * ( ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله ) *


[1]سورة محمد ( ص ) 7 .


صفحه 379


* ( قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَه لَه ولَه أَجْرٌ كَرِيمٌ ) ) *[1]، فلم يستنصركم من ذلّ ، ولم يستقرضكم من قلّ ، استنصركم وله جنود السّموات والأرض وهو العزيز الحكيم ، واستقرضكم وله خزائن السّموات والأرض وهو الغنىّ الحميد ، وإنّما أراد أن يبلوكم أيكم أحسن عملا ، فبادروا بأعمالكم تكونوا مع جيران اللَّه فى داره رافق بهم رسله ، وأزارهم ملائكته ، وأكرم أسماعهم أن تسمع حسيس نار أبدا ، وصان أجسادهم أن تلقى لغوبا ونصبا * ( ( ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيه مَنْ يَشاءُ ، والله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) ) *[2]. أقول ما تسمعون ، واللَّه المستعان على نفسى وأنفسكم . وهو حسبى ونعم الوكيل .
أقول : استعار للقرآن الأوصاف المتضادّة باعتبارات مختلفة .
وأخذ عليه اى : على العمل بما فيه ، وما : مصدريّة اى : فعظَّموه تعظيما يناسب تعظيمه لنفسه . وقوله : فرضاه ، الى قوله : واحد ، اى : انّ الرضى له من الاحكام والمسخوط فيما مضى هو المرضىّ ، والمسخوط فيما بقى واستقبل من الزمان ، وحكمه فى كونه مرضيا او مسخوطا واحد فى جميع الاوقات ، وفيه ايماء الى انّ رفع شيء من الاحكام بالرأى والقياس المتعارف لا يجوز . وكذلك قوله : واعلموا ، الى قوله : قبلكم : تأكيد له . وقوله : وانّما تسيرون ، الى قوله : قبلكم اى : انّ الادلَّة لكم واضحة قد تداولها الاوّلون قبلكم وأنتم تتكلَّمون بما تردّد منها فى الألسنة السابقة . ورجع القول : المردّد منه ، وكونهم بعينه اى : بحيث يبصرهم ويعلم ما يفعلون . ولفظ العين : مجاز فى العلم وخصّ النواصي بالأخذ : لانّها أشرف والقدرة على الاشرف أتمّ واقوى ، ولأنه تعالى فى اعتبار الاوهام فى جهة فوق فاخذه اوّلا يكون بالنواصى . والدار التي اصطنعها لنفسه : الجنّة . وكون ظلها عرشه : يقتضى انّها فى السماوات . وبهجته : يعود الى بهائه وجماله المعقول المشرق على نفوس أهل الجنة . ورفقاؤها : الرفقاء فيها : وحسن اولئك رفيقا . ويوشك : يقرب . ويرهقهم : يدركهم . وقوله : فقد اصبحتم . الى قوله : قبلكم ، اى : فى حال الحياة من الصحة ، والتمكَّن من العمل ، وهو ما يتمنّاه من مضى قبلكم ، لقولهم : « يا ليتنا نردّ فنعمل غير الَّذى كنّا نعمل »[3]. وكونهم بنى سبيل : باعتبار انّهم فى هذه الدار غرباء


[1]سورة البقرة - 245 .
[2]سورة الحديد - 21 .
[3]سورة فاطر - 37 .


صفحه 380


تسوقهم العناية الالهية الى غاية اخرى . وضجيع حجر : كقوله : * ( ( وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ ) ) *[1]. وقرين شيطان : كقوله تعالى : * ( ( فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ والْغاوُونَ وجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ) ) *[2]. واليفن : الشيخ الكبير . ولهزه : خالطه . والقتير : الشيب . والجامعة : الغلّ لجمعها الأيدى الى الاعناق . واللغوب : التعب . والفصل واضح وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام للبرج بن مسهر وقد قال : لا حكم إلا لله < / فهرس الموضوعات > 185 - ومن كلام له عليه السّلام قاله للبرج بن مسهر الطائى ، وقد قال له بحيث يسمعه : « لا حكم إلا للَّه » ، وكان من الخوارج اسكت قبّحك اللَّه يا أثرم ، فو اللَّه لقد ظهر الحق فكنت فيه ضسئيلا شخصك ، خفيّا صوتك ، حتّى إذا نعر الباطل نجمت نجوم قرن الماعز .
أقول : البرج ، بالباء المضمومة والجيم . وقبّحه اللَّه : نحّاه عن الخير . والأثرم : ساقط الثنية . والضئيل : الصغير ، الحقير : النحيف . وضؤولة شخصه عند ظهور الحق : كناية عن حقارته فى زمن العدل وقوّة الاسلام ، وخمول ذكره فى الصحابة . وخفاء صوته : كناية عن قلة الالتفات اليه . ونعر : صاح ، ونعور الباطل : كناية عن قوّته وكثرته ، ووجه التشبيه بنجوم قرن الماعز سرعة ظهوره .
< فهرس الموضوعات > من خطبة له عليه السلام في ذكر المتقين قالها : إجابة لطلب همام < / فهرس الموضوعات > 186 - ومن خطبة له عليه السّلام روى أن صاحبا لأمير المؤمنين عليه السلام - يقال له : همام - كان رجلا عابدا ، فقال له : يا امير المؤمنين ، صف لى المتقين حتى كأنى أنظر إليهم فتثاقل عليه السلام عن جوابه ، ثم قال : يا همّام اتّق اللَّه وأحسن * ( ( إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) ) *[3]فلم يقنع همام


[1]سورة البقرة - 24 . وسورة التحريم - 6 .
[2]سورة الشعراء - 94 - 95
[3]سورة النحل - 128 .


صفحه 381


بهذا القول حتى عزم عليه ، فحمد اللَّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللَّه عليه وآله ، ثم قال : أمّا بعد ، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق الخلق - حين خلقهم - غنيّا عن طاعتهم ، آمنا من معصيتهم ، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدّنيا مواضعهم ، فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصّواب ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التّواضع ، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللَّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النّافع لهم ، نزّلت أنفسهم منهم فى البلاء كالَّتى نزّلت فى الرّخاء ، ولو لا الاجل الَّذى كتب عليهم لم تستقرّ أرواحهم فى أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثّواب ، وخوفا من العقاب ، عظم الخالق فى أنفسهم فصغر ما دونه فى أعينهم ، فهم والجنّة كمن قد رآها ، فهم فيها منعّمون ، وهم والنّار كمن قد رآها ، فهم فيها معذّبون : قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، صبروا أيّاما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة . تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم ، أرادتهم الدّنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أمّا اللَّيل فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن : يرتّلونه ترتيلا ، يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون دواء دائهم ، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا ، وتطلَّعت نفوسهم إليها شوقا ، وظنّوا أنّها نصب أعينهم ، وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها فى أصول آذانهم ، فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم ، يطَّلبون إلى اللَّه تعالى فى فكاك رقابهم وأمّا النّهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف برى القداح ينظر إليهم النّاظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول قد خولطوا : ولقد خالطهم أمر عظيم : لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إذا زكَّى أحدهم ، خاف ممّا يقال له فيقول : أنا أعلم بنفسى من غيرى ، وربّى أعلم بى منّى بنفسى .
اللَّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلنى أفضل ممّا يظنّون ، واغفر لى ما لا يعلمون . فمن علامة أحدهم : أنّك ترى له قوّة فى دين ، وحزما فى لين ، وإيمانا فى يقين ، وحرصا فى علم ، وعلما فى حلم ، وقصدا فى غنى ، وخشوعا فى عبادة ، وتجمّلا فى فاقة ،


صفحه 382


وصبرا فى شدّة ، وطلبا فى حلال ، ونشاطا فى هدى ، وتحرّجا عن طمع ، يعمل الأعمال الصّالحة وهو على وجل ، يمسى وهمّه الشّكر ، ويصبح وهمّه الذّكر ، يبيت حذرا ، ويصبح فرحا ، حذرا لما حذّر من الغفلة ، وفرحا بما أصاب من الفضل والرّحمة . إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ ، قرّة عينه فيما لا يزول ، وزهادته فيما لا يبقى ، يمزج الحلم بالعلم ، والقول بالعمل ، تراه قريبا أمله ، قليلا زلله ، خاشعا قلبه ، قانعة نفسه ، منزورا أكله ، سهلا أمره ، حريزا دينه ، ميتة شهوته ، مكظوما غيظه ، الخير منه مأمول . والشّرّ منه مأمون ، إن كان فى الغافلين كتب فى الذّاكرين ، وإن كان فى الذّاكرين لم يكتب من الغافلين ، يعفو عمّن ظلمه ، ويعطى من حرمه ، ويصل من قطعه ، بعيدا فحشه ، لينّا قوله ، غائبا منكره ، حاضرا معروفه ، مقبلا خيره ، مدبرا شرّه ، فى الزّلازل وقور ، وفى المكاره صبور ، وفى الرّخاء شكور ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحبّ يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ، ولا ينسى ما ذكَّر ، ولا ينابز بالألقاب ، ولا يضارّ بالجار ، ولا يشمت بالمصائب ، ولا يدخل فى الباطل ، ولا يخرج من الحقّ . إن صمت لم يغمّه صمته ، وإن ضحك لم يعل صوته ، وإن بغى عليه صبر حتّى يكون اللَّه هو الَّذى ينتقم له . نفسه منه فى عناء ، والنّاس منه فى راحة . أتعب نفسه لآخرته ، وأراح النّاس من نفسه . بعده عمّن تباعد عنه زهد ونزاهة ، ودنوّه ممّن دنا منه لين ورحمة . ليس تباعده بكبر وعظمة ، ولا دنوّه بمكر وخدعة .
قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها ، فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما واللَّه لقد كنت أخافها عليه ثمّ قال : أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين فقال : ويحك إنّ لكلّ أجل وقتا لا يعدوه ، وسببا لا يتجاوزه ، فمهلا لا تعد لمثلها ، فإنّما نفث الشّيطان على لسانك أقول : هو همّام بن شريح كان من شيعة علَّي عليه السلام .
والمتقوّن : هم الَّذين استجمعوا الفضائل النفسانية المتعلقة بصلاح قوّتى العلم ، والعمل ، وقد اشار عليه السلام فيها الى نيف وسبعين ، فضيلة عدّدناها فى الأصل[1]. والصواب فى القول : هو فضيلة


[1]الشرح الكبير 3 - 414 - 425 .


صفحه 383


اللسان ، وهو : قول ما ينبغي دون مالا ينبغي . واستعار لفظ الملبس : للاقتصاد فى الأمور باعتبار ملازمتهم له . وقوله : نزلت ، الى قوله : الرخاء : كمالا يبطر برخاء يصيبها كذلك لا يقنط من بلاء ينزل بها ، والتقدير كالنزول الَّذى نزلته فى الرخاء ، ويحتمل ان يريد بالَّذى الذين . وتشبيههم بمن قدر أى الجنة أى : فى قوّة يقينهم بما وعد المتّقون . وبمن قد رأى النار : فى قوّة يقينهم بوعيد أهلها ، وذلك عن مشاهدتهم بأعين أبصارهم حقائق الوعد والوعيد ، وبحسب ذلك يكون غلبة الخوف والرجاء عليهم ، وتنعمهم باللذّة وعذابهم بألم ما يتصوّرونه ويخافه أجسادهم : لهجرهم الترف والملاذ الدّنيوية ، ونصبهم فى العبادة . وتجارة : مصدر . ودائهم : هو الجهل . ودوائهم : ما اشتمل عليه القرآن من الأسرار والفضائل . وحنّوهم على اوساطهم : كيفية ركوعهم . والقدح : السهم لا ريش له ، ووجه الشبه به شدّة النحافة وقد يعرض لبعض العارفين اختلاط فى القول ، عند اتصال نفسه بالملأ الأعلى ، واشتغال سرّه بالأنوار الالهية فربّما يكلَّم بما يخرج عن المتعارف .
والحزم فى اللين : ان يكون لينه حزما وفى موضعه لا عن مهانة وذلَّة . والقصد فى الغنى : فضيلة العدل فيه دون الاسراف والبخل ، او دون تجاوز الحدّ فى طلب الدنيا والوقوف فى حدّ الحاجة ، والمسلة والوجل فى العمل الصالح من ان يكون على غير الوجه المرضىّ للَّه ، كما روى عن زين العابدين عليه السلام ، انّه كان فى التلبية وهو على راحلته اذ خرّ مغشيّا عليه فلما أفاق قيل : له فى ذلك ، فقال : خشيت ان تقول : لا لبّيك ولا سعديك .
وسهولة امره : فى كونه لا يتكلَّف ولا يكلف . وحرز دينه : حفظه من التساهل فيه .
وقوله : ان كان من الغافلين : أى فى نظر الناس كتب فى الذاكرين عند اللَّه لاشتغال سرّه به . والفحش : قول مالا ينبغي . والزلازل : الفتن الكبار والامور العظام . وعدم اثمه فيمن يحب : ان لا يتّبع الهوى فى رضاه . والمنابزة : المراماة بالألقاب التي ينادى بها . ولا يغمّه صمته : لكونه حكمة . ولا يعلو ضحكه : لغلبة ذكر الموت عليه . ونفسه منه فى عناء اى : الامّارة لمقاومته ايّاها وكسره لها . وباقى الفصل واضح .


صفحه 384


187 - ومن خطبة له عليه السّلام يصف فيها المنافقين نحمده على ما وفّق له من الطَّاعة ، وذاد عنه من المعصية ، ونسأله لمّنّته تماما ، وبحبله اعتصاما ، ونشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله : خاض إلى رضوان اللَّه كلّ غمرة ، وتجرّع فيه كلّ غصّة ، وقد تلوّن له الأدنون ، وتألَّب عليه الأقصون ، وخلعت إليه العرب أعنّتها وضربت لمحاربته بطون رواحلها حتّى أنزلت بساحته عدوانها : من أبعد الدّار ، وأسحق المزار . أوصيكم ، عباد اللَّه بتقوى اللَّه ، وأحذّركم أهل النّفاق ، فإنّهم الضّالَّون المضلَّون ، والزّالَّون المزلَّون : يتلوّنون ألوانا ، ويفتنون افتنانا ، ويعمدونكم بكلّ عماد ، ويرصدونكم بكلّ مرصاد ، قلوبهم دويّه ، وصفاحهم نقيّة ، ويمشون الخفاء ، ويدبّون الضّرّاء . وصفهم دواء ، وقولهم شفاء ، وفعلهم الدّاء العياء ، حسدة الرّخاء ، ومؤكَّدو البلاء ، ومقنطو الرّجاء ، لهم بكلّ طريق صريع ، وإلى كلّ قلب شفيع ، ولكلّ شجو دموع ، يتقارضون الثّناء ، ويتراقبون الجزاء : إن سألوا ألحفوا ، وإن عذلوا كشفوا ، وإن حكموا أسرفوا . قد أعدّوا لكلّ حقّ باطلا ، ولكلّ قائم مائلا ، ولكلّ حىّ قاتلا ، ولكلّ باب مفتاحا ، ولكلّ ليل مصباحا : يتوصّلون إلى الطَّمع باليأس ليقيموا به أسواقهم ، وينفقوا به أعلاقهم : يقولون فيشبّهون ، ويصفون فيوهّمون ، قد هوّنوا الطَّريق ، وأضلعوا المضيق ، فهمّ لمّة الشّيطان ، وحمة النّيران * ( ( أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ ) ) *[1].
اقول : ذاد : طرد . وذوده تعالى عن المعصية : بالنواهى . واستعار لفظ حبله لدينه العاصم : لمن تمسّك به . وغمرة الشيء : معظمه ، واراد كل عظيم من الشدائد . وتلوّن الادنين : تغيّر قلوبهم ونفاقهم . والتألَّب : التجمّع . وخلع العرب اعنّتها اليه : كناية عن تجرّدهم مسرعين الى حربه . وكذلك : ضربها الى محاربته بطون رواحلها . والسحيق : البعيد . ويعمدونكم : يقصدونكم بالأمور الفادحة . ودويّة : ذات داء كالغلّ والحسد


[1]سورة المجادلة - 19 .