والخدعة ونحوها . وذلك مع نقاء صفاحهم اى : وجوههم ، وسلامتها من شرّ ظاهر : كناية عن النفاق . ووصفهم دواء اى : يقولون اقوال الزاهدين فى وصف سبيل اللَّه ويفعلون أفعال المنافقين الفاسقين . ويقنطوا الرجاء اى : من رجا أمرا قنطوه منه . والطريق : كناية عن الحيلة او المقصد ، اى : كيف توجّهوا حصل منهم أذى . والى كل قلب شفيع اى : من الأقوال والافعال المشبهة للحق . ودموعهم لكل شجو : كناية عن توجّعهم لكلّ ذى شجو وان كان عدوا نفاقا . وتقارضهم للثناء ، ثناء كلّ منهم على صاحبه مع توقّعه أن يثنى عليه بمثله . والالحاف : اللحاح فى السؤال . وان عذلوا كشفوا عيوب من يعذلونه وهم فى زيّ الناصحين . واستعار لفظ المفتاح : للحيلة ولفظ الليل : لما اظلم من الأمور ، ولفظ المصباح : للرأى الذى يدخلون به فى كل مشكل . وتوصلهم الى الطمع باليأس اى : عما فى أيدى الناس بإظهار الزهد فيه . والعلق : النفيس من كلّ شيء ، وهو مستعار : لما يلتمسون ترويجه على الناس من امورهم . والتمويه : التشبيه . وهوّنوا الطريق اى : مسلك مقاصدهم من الآراء والحيل . واضلعوا المضيق اى : اعوجوا مضائق طرقهم ، ومضايقها : دقائق المداخل فى الأمور . واراد بتعويجها : انّهم اذا ارادوا مثلا امرا اظهروا غيره نعمته على الغير خلافه . ولمة الشيطان : جماعته . وحمة النيران : مستعار لعظيم شرورهم .
188 - ومن خطبة له عليه السّلام يعلم عجيج الوحوش فى الفلوات ، ومعاصى العباد فى الخلوات ، واختلاف النّينان فى البحار الغامرات ، وتلاطم الماء بالرّياح العاصفات ، وأشهد أنّ محمّدا نجيب اللَّه ، وسفير وحيه ، ورسول رحمته . أمّا بعد ، فأوصيكم بتقوى اللَّه الَّذى ابتدأ خلقكم ، وإليه يكون معادكم ، وبه نجاح طلبتكم ، وإليه منتهى رغبتكم ، ونحوه قصد سبيلكم ، وإليه مرامى مفزعكم ، فانّ تقوى اللَّه دواء داء قلوبكم ، وبصر عمى أفئدتكم ، وشفاء مرض أجسادكم ، وصلاح فساد صدوركم ، وطهور دنس أنفسكم ، وجلاء غشاء أبصاركم ، وأمن فزع جأشكم ، وضياء سواد ظلمتكم ، فاجعلوا طاعة اللَّه شعارا دون دثاركم ، ودخيلا دون شعاركم ، ولطيفا بين
أضلاعكم ، وأميرا فوق أموركم ، ومنهلا لحين ورودكم ، وشفيعا لدرك طلبتكم ، وجنّة ليوم فزعكم ، ومصابيح لبطون قبوركم ، وسكنا لطول وحشتكم ، ونفسا لكرب مواطنكم ، فانّ طاعة اللَّه حرز من متالف مكتنفة ، ومخاوف متوقّعة ، وأوار نيران موقدة . فمن أخذ بالتّقوى عزبت عنه الشّدائد بعد دنوّها ، واحلولت له الأمور بعد مرارتها ، وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ، وأسهلت له الصّعاب بعد إنصابها ، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ، وتحدّبت عليه الرّحمة بعد نفورها ، وتفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها ، ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها . فاتّقوا اللَّه الَّذى نفعكم بموعظته ، ووعظكم برسالته ، وامتنّ عليكم بنعمته ، فعبّدوا أنفسكم لعبادته ، واخرجوا إليه من حقّ طاعته . ثمّ إنّ هذا الإسلام دين اللَّه الَّذى اصطفاه لنفسه ، واصطنعه على عينه ، وأصفاه خيرة خلقه ، وأقام دعائمه على محبّته ، أذلّ الأديان بعزّته ، ووضع الملل برفعه ، وأهان أعداءه بكرامته ، وخذل محادّيه بنصره ، وهدم أركان الضّلالة بركنه ، وسقى من عطش من حياضه ، وأتاق الحياض لمواتحه ، ثمّ جعله لا انفصام لعروته ، ولا فكّ لحلقته ، ولا انهدام لأساسه ، ولا زوال لدعائمه ، ولا انقلاع لشجرته ، ولا انقطاع لمدّته ، ولا عفاء لشرائعه ، ولا جذّ لفروعه ، ولا ضنك لطرقه ، ولا وعوثة لسهولته ، ولا سواد لوضحه ، ولا عوج لانتصابه ، ولا عصل فى عوده ، ولا وعث لفجّه ، ولا انطفاء لمصابيحه ، ولا مرارة لحلاوته .
فهو دعائم أساخ فى الحقّ أسناخها ، وثبّت لها أسسها ، وينابيع غزرت عيونها ، ومصابيح شبّت نيرانها ، ومنار اقتدى بها سفّارها ، وأعلام قصد بها فجاجها ، ومناهل روى بها ورّادها : جعل اللَّه فيه منتهى رضوانه ، وذروة دعائمه ، وسنام طاعته ، فهو عند اللَّه وثيق الأركان ، رفيع البنيان ، منير البرهان ، مضيء النّيران ، عزيز السّلطان ، مشرف المنار ، معوز المثار ، فشرّفوه ، واتّبعوه ، وأدّوا إليه حقّه ، وضعوه مواضيعه . ثمّ إنّ اللَّه بعث محمّدا ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، بالحقّ حين دنا من الدّنيا الانقطاع ، وأقبل من الآخرة الاطَّلاع : وأظلمت بهجتها بعد إشراق ، وقامت بأهلها على ساق ، وخشن منها مهاد ، وأزف منها قياد ، فى انقطاع من مدّتها ، واقتراب من أشراطها ، وتصرّم من أهلها ، وانفصام من حلقتها ، وانتشار من سببها ، وعفاء من أعلامها ، وتكشّف من عوراتها ، وقصر من طولها . جعله اللَّه بلاغا لرسالته ، وكرامة لأمّته ، وربيعا لأهل زمانه ،
ورفعة لأعوانه ، وشرفا لأنصاره . ثمّ أنزل عليه الكتاب نورا لا تطفأ مصابيحه ، وسراجا لا يخبو توقّده ، وبحرا لا يدرك قعره ، ومنهاجا لا يضلّ نهجه ، وشعاعا لا يظلم ضوءه ، وفرقانا لا يخمد برهانه ، وتبيانا لا تهدم أركانه ، وشفاء لا تخشى أسقامه ، وعزّا لا تهزم أنصاره ، وحقّا لا تخذل أعوانه . فهو معدن الايمان وبحبوحته ، وينابيع العلم وبحوره ، ورياض العدل وغدرانه ، وأثافىّ الإسلام وبنيانه ، وأودية الحقّ وغيطانه . وبحر لا ينزفه المنتزفون ، وعيون لا ينضبها الماتحون ، ومناهل لا يغيضها الواردون ، ومنازل لا يضلّ نهجها المسافرون ، وأعلام لا يعمى عنها السّائرون ، وآكام لا يجوز عنها القاصدون ، جعله اللَّه ريّا لعطش العلماء ، وربيعا لقلوب الفقهاء ، ومحاجّ لطرق الصّلحاء ، ودواء ليس بعده داء ، ونورا ليس معه ظلمة ، وحبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وعزّا لمن تولَّاه ، وسلما لمن دخله ، وهدى لمن ائتمّ به ، وعذرا لمن انتحله ، وبرهانا لمن تكلَّم به ، وشاهدا لمن خاصهم به ، وفلجا لمن حاجّ به ، وحاملا لمن حمله ، ومطيّة لمن أعمله ، وآية لمن توسّم ، وجنّة لمن استلأم ، وعلما لمن وعى ، وحديثا لمن روى ، وحكما لمن قضى .
أقول : العجيج : رفع الصوت ، وافاد : انّه يعلم أصواتها حين يجأر اليه فى جدب الارض وقلة العشب[1]. والنينان : جمع نون وهو : الحوت . والمفزع : مصدر ويقال : فلان مرمى قصدى اى : اليه مفزعى فى المهمّات . وداء قلوبهم وعمى افئدتهم : هو الجهل والرذائل النفسانية . وشفاء مرضى أجسادهم ، امّا دينا : فلقوّة نفس المتقى على استنزال الشفاء بصالح الدعاء ، وامّا طبّا : فلانّ التقوى تستلزم قلة المأكل والمشارب ، واستعمالهما بقدر الحاجة ، وقد علمت ما فى الاستكثار منها من المضار البدنيّة كما قال صلى اللَّه عليه وآله : ( المعدة بيت الادواء )[2]. وصلاح فساد صدورهم : من الرذائل النفسانية . ودنس النفوس : بنجاسات الهيئات الرّديّة . واستعار لفظ العشا : لما يعرض من ظلمة الجهل الحاجبة عن ادراك الحقائق . والجأش : القلب ، وكذلك استعار لفظ سواد الظلمة :
[1]جملة : وقلة العشب . غير موجودة فى ش
[2]فى بعض الروايات ( المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء ) نهج الفصاحة - 625 . سفينة البحار 1 - 345 .
للجهل ، ولفظ الشعار : وهو مايلى الجسد من الثياب : للتقوى وهو امر بلزومها ، ومباشرة القلوب بها ، اذ الشعار ادخل من الدثار . ثم اكَّد امرهم بلزومها باتخاذّها دخيلا تحت الشعار وهو : الأمر بالاخلاص فيها ، وجعلها ملكة ، وفسرّ ذلك بقوله : ولطيفا بين اضلاعكم ، وكنى بلفظها : عن تصوّرها واعتقادها . وبكونها بين اضلاعهم : عن ايداعها القلوب . واستعار لفظ الأمر : لها باعتبار وجوب الزامها والائتمار لها . ولفظ المنهل وهو : المورد باعتبار انّها : مظنّة التروّى من شراب الأبرار . ولفظ المصباح : لإضاءتها القلوب .
والمتالف المكتنفة : وهى الرذائل ، تكتنف النفس فتوبقها . والمخاوف المتوقّعة : اهوال الآخرة . واوار النيران : حرّها . وعزبت : غابت ، ومرارة الأذى ، اللازم عنها كما يلزم عن الفقر ونحوه . ولما كان ذلك شعار المتّقين ، كان أحلى فى نفوسهم من كلّ شعار ، وان كان مرّا فى اذواقهم فى اوّل الامر . واستعار لفظ الأمواج : لأهوال الدنيا وغمومها .
ولما كانت التقوى تستلزم سهولة تلك الشدائد كان ذلك تفريجا لها ، ويحتمل ان يريد بالأمواج : الهيئات البدنية الرديّة ، اذ بالتقوى تزول وتنفرج . وسهولة صعاب امور الدنيا على المتّقين اشرف ما هم بصدده من المطالب الجليّة . وانصابها : اتعابها ، والكرامات : تعود الى الافاضات العالية الهاطلة على نفوسهم ، ويحتمل ان يريد : الغيث عند القحط ، فانّ نفوس المتقين تستنزله بدعائها . والتحدّب : التعطَّب . وعبّدوا : ذلَّلوا . واصطنعه على عينه اى : على علم منه وعناية به . واصفاه خيرة خلقه : اخلصه له . ودعائم الدين : قواعده الثابتة فى قلوب المؤمنين . واقامتها على محبّته : فى قوله تعالى : * ( ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله ) ) *[1]فكان اتّباعه عليه السلام واقامته لتلك الدّعائم به مبنيّا على محبّة اللَّه . ويحتمل عود الضمير الى النبي صلى اللَّه عليه وآله اذ لو لا محبته ، ولزوم اتّباعه لم يقم الدين . ومحادّوه : معادّوه ، واستعار لفظ اركان الضلالة : لأهلها . ووصف السقى : لافاضة علوم الدين ، ولفظ الحياض : لعلماء الاسلام الَّذين هم اوعية العلوم والحكمة : ولفظ المواتح : وهم المستقون لائمة الدين ايضا من الصحابة . ولفظ الحياض : للمستفيدين . واتأق : املأ . ولفظ العروة : لما يتمسّك به الانسان منه كالعقائد الحقّة ومكارم الاخلاق . ولفظ الحلقة : لجماعته وأهله . ولفظ الأساس : للكتاب والسنة . و
[1]سورة آل عمران - 31 .
لفظ الدعائم : لاهله ولقوانينه . ولفظ الشجرة : لأصله . ووصف الجدّ لانقطاع المسائل والابحاث المتفرّعة عليه وتناهيها . والضنك : الضيق . والوعوثة : الصعوبة . ولفظ الوضح : وهو الضوء لأنواره القائدة الى اللَّه . ولفظ السواد : لما يكدّرها من الشبه . ولفظ المصابيح : لعلمائه . ولفظ الدعائم : لقواعده وهى : العبادات لقوله صلى اللَّه عليه وآله : ( بنى الاسلام على خمس ) . والاسناخ : الاصول . واساخها : اثبتها وادخلها فى الحق ، وهو اشارة الى كون العبادات مبنيّة على اسرار من الحق عميقة . ولفظ الينابيع : لأصوله وهى الكتاب والسنة ، باعتبار تفجّر العلوم عنهما : ولفظ العيون : لمبادئ تلك الينا بيع حيث صدرت . وشبّت النار : الهبت . ولفظ المنار والأعلام : لأمارات احكام اللَّه وادلَّته . ولفظ المسافرين : لسالكى سبيل اللَّه . والضمير فى دعائمه : للَّه . ودعائمه : دعائم دينه وقواعده التي جعلها عمدة لخلقه فى صلاح أحوالهم . ولفظ الذروة : للاسلام باعتبار شرفه على سائر الاديان فهو كالذروة لها . ولفظ البنيان : لما ارتقى اليه اهله من الشرف والفضيلة .
ولفظ البرهان : للقرآن . ولفظ النيران : لعلومه . واشراف مناره : علوّ قدر ائمته .
ومعوذ المنار اى : يعجز الخلق عن اثارة دفائنه . وروى المنال والمثال . وازف : دنا . والقياد : حبل يقاد به الدابّة اى : دنا منها قيادها للرحيل . واستعار لفظ السبب وهو الحبل : لما احكم من امورها . والضمير فى جعله : للنبى عليه السلام ، ونورا والمنصوبات بعده : احوال[1]للكتاب . وبحبوحته : وسطه . والغيطان : الامكنة المطمئنة من الأرض جمع غائط . واستعار لفظ المنزل : لمقاصد الكتاب باعتبار وقوف الأذهان عندها بعد قصدها .
ولفظ الاعلام : لادلَّته . والمعقل : الحبل يعتصم به . وعذرا لمن انتحله اى : لمن نسب نفسه الى حمله وانّه من أهله معتذرا من تكليف شاقّ . والفلج : الفوز والظفر . وحملة لمن حمله : قيامه بصلاح حاله فى الدارين . واستعار له لفظ المطيّة : لادائه بصاحبه فى سبيل اللَّه الى الجنّة . والمتوسّم : المتدبّر لآياته وعبره كقوله تعالى : * ( ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) ) *[2]والمستلئم : الذى يتّخذه لامة . واللَّامة : الدرع . وحديثا لمن روى : باعتبار ما فيه من قصص الاوّلين او قولا وكلاما لمن نقله كما قال اللَّه تعالى : * ( ( إِنَّ وَلِيِّيَ الله ) *
[1]في ش : بعده الكتاب
[2]سورة الحجر - 75 .
* ( الله نَزَّلَ ) ) *[1]. وفائدة وصفه بذلك انّ فيه غنية لمن اراد ان يتحدّث بحديث غيره مما لا يفيد فائدته . وحكما اى : فيه الحكم لمن قضى ، وروى : حكما اى حاكما .
189 - ومن خطبة له عليه السّلام كان يوصى به أصحابه تعاهدوا أمر الصّلاة ، وحافظوا عليها ، واستكثروا منها ، وتقرّبوا بها ، فإنّها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ، ألا تسمعون إلى جواب أهل النّار حين سئلوا : * ( ( ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا : لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . ) ) *[2]وإنّها لتحتّ الذّنوب حتّ الورق ، وتطلقها إطلاق الرّبق ، وشبّهها رسول اللَّه ، صلى اللَّه عليه وآله وسلم ، بالحمّة تكون على باب الرّجل فهو يغتسل منها فى اليوم واللَّيلة خمس مرّات ، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن وقد عرف حقّها رجال من المؤمنين الَّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع ، ولا قرّة عين من ولد ولا مال . يقول اللَّه سبحانه : * ( ( رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله وإِقامِ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ ) ) *[3]. وكان رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم نصبا بالصّلاة بعد التّبشير له بالجنّة ، لقول اللَّه سبحانه : * ( ( وأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها ) ) * فكان يأمر أهله ، ويصبر عليها نفسه . ثمّ إنّ الزّكاة جعلت مع الصّلاة قربانا لأهل الإسلام ، فمن أعطاها ، طيّب النّفس بها ، فإنّها تجعل له كفّارة ، ومن النّار حجازا ووقاية . فلا يتبعنّها أحد نفسه ، ولا يكثرنّ عليها لهفه ، فإنّ من أعطاها غير طيّب النّفس بها يرجو بها ما هو أفضل منها فهو جاهل بالسّنّة ، مغبون الأجر ، ضالّ العمل ، طويل النّدم . ثمّ أداء الأمانة ، فقد خاب من ليس من أهلها ، إنّها عرضت على السّموات المبنيّة ، والأرضين المدحوّة ، والجبال ذات الطَّول المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها ، ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن ، ولكن أشفقن من العقوبة ، وعقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ وهو الإنسان * ( ( إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) ) * إنّ اللَّه - سبحانه وتعالى - لا يخفى عليه ما العباد مقترفون فى ليلهم ، ونهارهم ، لطف
[1]سورة الزمر - 23 .
[2]سورة المدثر - 42 .
[3]سورة النور - 37 .
به خبرا ، وأحاط به علما ، أعضاؤكم شهوده ، وجوارحكم جنوده ، وضمائر كم عيونه ، وخلواتكم عيانه .
اقول : حاصل الفصل الوصيّة بالمحافظة على امور ثلاثة : وهى : الصلاة والزكاة والامانة ، والتنبيه على فضائلها ، ووجوب ادائها . وموقوتا : مفروضا وقيل : منجما فى كلّ وقت وهى : الصلوات الخمس . وقوله : الا تسمعون ، الى قوله : نفسه : دلائل وجوبها وهى ضمائر ذكره صغرياتها . والربق : جمع ربقة وهى : الحلقة فى الحبل . والحمة : مجمع الماء وذلك التشبيه فى قوله صلى اللَّه عليه وآله لأصحابه ( أيسر أحدكم أن يكون على بابه حمّة يغتسل منها كلّ يوم وليلة خمس مرّات فلا يبقى من درنه شيء . فقالوا : نعم ، قال : فانّها الصلوات الخمس )[1]. ونصبا : اى تعبا ، وانّما كان معطى الزكاة غير طيب النفس بها ضالّ العمل اذ لم يقصد بها وجهها . ولا اهتدى الى غاية وضعها فى السّنة .
والاقتراف : الاكتساب . وقد نبّهنا على اسرار العبادات فيما سبق . وباقى الفصل ظاهر .
190 - ومن كلام له عليه السّلام واللَّه ما معاوية بأدهى منّى ، ولكنّه يغدر ويفجر ، ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس ، ولكن كلّ غدرة فجرة ، ولكلّ فجرة كفرة ، ولكلّ غادر لواء يعرف به يوم القيامة ، واللَّه ما استغفل بالمكيدة ، ولا استغمز بالشّديدة .
اقول : الدهاء : استعمال العقل فيما لا ينبغي شرعا مع اظهار ارادة ما ينبغي ، وصاحبه داه وخبيث ومكَّار وحيول . وهو : رذيلة تحت الجربزة . ولما كان الوفاء فضيلة تحت العفة ، كان الغدر رذيلة تحت الفجور ، الذى هو رذيلة العفّة ومستلزما له ، فكل غدر فجور ، وامّا ان يكون كل فجور كفر ، فيحمل ان يريد كفرا لنعمة اللَّه ، ويحتمل ان يريد : انّ الفجور على وجه استحلاله كفر كما فهم من فجور عمرو بن العاص . وقوله : ولكل
[1]منهاج البراعة 2 - 305 . شرح ابن ابى الحديد 10 - 202 .
غادر ، الى قوله : القيامة : لفظ الخبر النبوىّ . ولا استغمز ، بالزاء المعجمة اى : لا يطلب غمزى ، اى اضعافى وتعجيزى . وروى : بالراء اى : لا استجهل بشدائد المكائد .
191 - ومن كلام له عليه السّلام أيّها النّاس ، لا تستوحشوا فى طريق الهدى لقلَّة أهله ، فإنّ النّاس قد اجتمعوا على مائدة ، شبعها قصير ، وجوعها طويل أيّها النّاس ، إنّما يجمع النّاس الرّضا والسّخط ، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللَّه بالعذاب لمّا عمّوه بالرّضا ، فقال سبحانه : * ( ( فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ ) ) *[1]فما كان إلَّا أن خارت أرضهم بالخسفة ، خوار السّكَّة المحماة فى الأرض الخوّارة . أيّها النّاس ، من سلك الطَّريق الواضح ورد الماء ، ومن خالف وقع فى التّيه .
اقول : حاصل الفصل ترغيب اصحابه فى البقاء على سلوك طريق الهدى ، وعدم التوحّش فيه لقلة سالكيه ، اذ من العادة ان يستوحش الوحيد فى الطريق ، لعدم الأنيس او لقلَّته . واستعار لفظ المائدة : للدنيا وكنى عن قصر مدّتها : بقصر شبعها . وعن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل فى الآخرة : بطول جوعها ، ولفظ الجوع : مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت الى المطاعم الحقيقية من الكمالات النفسية ، ويحتمل ان يريد بالجوع : فقد الملذّات البدنيّة بالموت . وقوله : ايّها الناس ، الى قوله : السخط ، اى : انّما يجمع الناس فى عذاب اللَّه رضاهم بالمنكرات ، ومعاصى اللَّه وسخطهم لمحابّه من الاعمال ، وان لم يباشر اكثرهم ذلك ، او انّ سخطهم للمنكرات يكون جامعا لهم فى رحمة اللَّه . ومصداق العذاب للرضا بالمنكر قصّة ثمود فى عموم العذاب لهم بفعل عاقر الناقة فانّ العقوبة عمّتهم لعموم الرضا لهم بفعله . والضمير فى عمّوه : يعود الى الرجل او الى العقر الذى دلّ عليه قوله : عقر . وقوله : فما كان ، الى آخره : تفسير للعذاب النازل .
وخارت : صوتت . والسكة : حديدة الفدّان . والخوارة : الضعيفة . واستعار لفظ الماء : للعلم
[1]سورة الشعراء - 157 .