والهدى الحاصل لسالكى سبيل اللَّه الواضحة . والتيه : تيه الجهل وعمى البصيرة . وقصة خسفهم مشهورة نبّهنا عليها فى الاصل . وباللَّه التوفيق .
192 - ومن كلام له عليه السّلام روى عنه أنه قاله عند دفن سيدة النساء فاطمة عليها السلام كالمناجى به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم عند قبره . السّلام عليك يا رسول اللَّه عنّى وعن ابنتك النّازلة فى جوارك ، والسّريعة اللَّحاق بك ، قلّ ، يا رسول اللَّه عن صفيّتك صبرى ، ورقّ عنها تجلَّدى ، إلَّا أنّ لى فى التّأسّى بعظيم فرقتك ، وفادح مصيبتك ، موضع تعزّ ، فلقد وسّدتك فى ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحرى وصدرى نفسك ، إنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ، فلقد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرّهينة ، أمّا حزنى فسرمد ، وأمّا ليلى فمسهّد ، إلى أن يختار اللَّه لى دارك الَّتى أنت بها مقيم ، وستنبّئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها ، فأحفها السّؤال ، واستخبرها الحال ، هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذّكر ، والسّلام عليكما سلام مودّع لا قال ولا سئم ، فان أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللَّه الصّابرين . اقول المروىّ : انّها بقيت بعد وفاة الرسول صلى اللَّه عليه وعليها ، أربعة اشهر[1]وذلك معنى سرعة لحاقها به . وصفيته : باعتبار انّه كان يكثر اكرامها . والفادح : الثقيل . ونفسه التي فاضت : دم قاءه - صلى اللَّه عليه - حين وفاته . واستعار لفظ الوديعة والرهينة : لها باعتبار انّ النساء ودائع الكرام ، او لنفسها الشريفة باعتبار انّ النفوس فى هذه الأبدان كالودائع فى استرجاعها ، وكالمرهونة على الوفاء بعهد اللَّه وميثاقه . والمسهد : المؤرّق . والاحفاء : الاستقصاء فى السؤال وهو : كالمشتكى ممّن يعتقد انّه ظلمها . والذكر : ذكر الرسول صلى اللَّه عليه وآله .
[1]ذكر العلامة المجلسي في كتابه ( بحار الانوار ) 43 - 213 روايات مختلفة في مدة مكوثها سلام اللَّه عليها بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال : اختلفت الروايات في وقت وفاتها ففى رواية انّها بقيت بعد رسول اللَّه ( ص ) شهرين . وفي رواية ثلاثة اشهر . وفي رواية مائة يوم . وفى رواية ثمانية اشهر .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام في التنفير عن الدنيا ، والترغيب في الآخرة < / فهرس الموضوعات > 193 - ومن كلام له عليه السّلام ايّها النّاس ، إنّما الدّنيا دار مجاز ، والآخرة دار قرار ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، وأخرجوا من الدّنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففيها اختبرتم ، ولغيرها خلقتم ، إنّ المرء إذا هلك قال النّاس : ما ترك وقالت الملائكة : ما قدّم للَّه آباؤكم فقدّموا بعضا يكن لكم ، ولا تخلَّفوا . كلَّا فيكون عليكم .
أقول : هتك أستارهم عند اللَّه : بمجاهرتهم المعصية . واخراجهم قلوبهم من الدنيا : اعراضهم بقلوبهم عنها ، والزهد الحقيقى فيها . وفى قوله : ما ترك وما قدّم : لطف تنبيه على انّ متاع الدنيا مفارق متروك ليقلّ الرغبة فيه ، وانّ الاعمال الصالحة مقدّمة للمرء فى قدومه على اللَّه ، باقية نافعة له فى معاده . قيل : انّما امر بتقديم البعض دون الكل لانّ حرمان الورثة لا يجوز ، وانّما نهى عن ترك الكلّ ، لانّ اهمال الزكاة والصدقة لا يجوز .
وروى : يكن لكم قرضا ، ويكون عليكم كلا ، اى : لا منفعة فيه مع وجود مضرّته . وباللَّه التوفيق .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام وكان كثيرا ما ينادي به أصحابه < / فهرس الموضوعات > 194 - ومن كلام له عليه السّلام كان كثيرا ما ينادى به اصحابه تجهّزوا ، رحمكم اللَّه ، فقد نودى فيكم بالرّحيل ، وأقلَّوا العرجة على الدّنيا ، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزّاد ، فإنّ أمامكم عقبة كؤودا ، ومنازل مخوفة مهولة ، لا بدّ من الورود عليها ، والوقوف عندها . واعلموا أنّ ملاحظ المنيّة نحوكم دانية ، وكأنّكم بمخالبها وقد نشبت فيكم ، وقد دهمتكم فيها مفظعات الأمور ، ومعضلات المحذور ، فقطَّعوا علائق الدّنيا ، واستظهروا بزاد التّقوى . وقد مضى شيء من هذا الكلام فيما تقدم ، بخلاف هذه الروايه .
اقول : اراد بالتجهز : الاستعداد للآخرة بالأعمال الصالحة . والمنادى : لسان حال الانسان . والعرجة والتعريج : الاقامة بالمكان . وصالح الزاد : التقوى . واستعار لفظ العقبة : للموت . والكؤود : شاقة المصعد . والمنازل المخوفة : منازل البرزخ والقيامة .
والملاحظ : مصدر او محل اللحظ ، وهو : النظر بمؤخر العين ، واستعار لفظه : لكونها لهم بالرصد ، فكأنها دائمة النظر اليهم . ودائبة : مجدّة . ودهمه كذا : وقع عليه بغتة .
ومفظعات الأمور : شدائدها : ومعضلات المحذور : ما ثقل منه فأمال .
195 - ومن كلام له عليه السّلام كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا [ عليه ] من ترك مشورتهما ، والاستعانة فى الأمور بهما لقد نقمتما يسيرا ، وأرجأتما كثيرا ، ألا تخبرانى أىّ شيء لكما فيه حقّ دفعتكما عنه وأىّ قسم استأثرت عليكما به أم أىّ حقّ رفعه إلىّ أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته أم أخطأت بابه واللَّه ما كانت لى فى الخلافة رغبة ، ولا فى الولاية إربة ، ولكنّكم دعوتمونى إليها ، وحملتمونى عليها ، فلمّا أفضت إلىّ نظرت إلى كتاب اللَّه وما وضع لنا ، وأمرنا بالحكم به ، فاتّبعته ، وما استسنّ النّبىّ ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فاقتديته . فلم أحتج فى ذلك إلى رأيكما ، ولا رأى غيركما ، ولا وقع حكم جهلته ، فأستشير كما وإخوانى المسلمين ، ولو كان ذلك لم أرغب عنكما ، ولا عن غيركما . وأمّا ما ذكرتما من أمر الأسوة ، فإنّ ذلك أمر لم أحكم أنا فيه برأيى ، ولا ولَّيّته هوى منّى ، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، قد فرغ منه فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ اللَّه من قسمه وأمضى فيه حكمه ، فليس لكما ، واللَّه ، عندى ولا لغيركما فى هذا عتبى . أخذ اللَّه بقلوبنا وقلوبكم إلى الحقّ ، وألهمنا وإيّاكم الصّبر . ثم قال عليه السلام : رحم اللَّه امرأ رأى حقّا فأعان عليه ، أو رأى جورا فردّه ، وكان عونا بالحقّ على صاحبه .
اقول : اليسير الَّذى نقماه : هو ترك استشارتهما فى الأمور وتسويتهما بغيرهما فى العطاء ، وذلك وان كان صعبا عندهما فهو عنده يسير سهل لكونه حقا ، والكثير الَّذى ارجاه اى : اخّراه هو : ما يعود الى مصالح الدين . ويحتمل ان يريد : انّ الَّذى ابدياه ونقماه يسير من كثير ممّا فى نفسهما عليه اخّراه . والأربة والارب : الحاجة . وافضت : وصلت .
والاسوة : التسوية فى العطاء . وقوله : ولاوليّته هوى منى ، اى : ولا جعلت الحاكم فيه هواى : وروى : وليته بالتخفيف والكسر على ان يكون هوى مفعولا له . والعتبى : الاسم من العتاب .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام في تأديب قومه وأن يدعوا السباب جانبا < / فهرس الموضوعات > 196 - ومن كلام له عليه السّلام وقد سمع قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين إنّى أكره لكم أن تكونوا سبّابين ، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم ، وذكرتم حالهم ، كان أصوب فى القول ، وأبلغ فى العذر ، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم : اللَّهمّ احقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتّى يعرف الحقّ من جهله ، ويرعوى عن الغىّ والعدوان من لهج به .
اقول : وصف أعمالهم تذكيرهم بكونهم ضالَّين وظالمين على وجه النصيحة ، والارشاد الى الدّين . ويرعوى : يرجع . ولهج بكذا : اولع به وحرص عليه .
< فهرس الموضوعات > من كلام له عليه السلام وقد رأى الإمام الحسن ( ع ) يتسرع للحرب < / فهرس الموضوعات > 197 - ومن كلام له عليه السّلام فى بعض أيام صفين وقد رأى الحسن عليه السلام يتسرع إلى الحرب املكوا عنّى هذا الغلام لا يهدّنى ، فإنّنى أنفس بهذين ( يعنى الحسن والحسين عليهما السلام ) على الموت ، لئلَّا ينقطع بهما نسل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم . قال الرضى أبو الحسن : قوله عليه السلام « املكوا عنى هذا الغلام » من أعلى الكلام وأفصحه .
أقول : املكوا : اضبطوا . ويهدّنى : يكسّرني . وانفس : ابخل بالفتح .
< فهرس الموضوعات > وقال عليه السلام وقد لا اضطرب عليه أصحابه في أمر الحكومة < / فهرس الموضوعات > 198 - وقال عليه السّلام لما اضطرب عليه أصحابه فى أمر الحكومة أيّها النّاس ، إنّه لم يزل أمرى معكم على ما أحبّ حتّى نهكتكم الحرب ، وقد ، واللَّه ، أخذت منكم وتركت ، وهى لعدوّكم أنهك . لقد كنت أمس أميرا فأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت أمس ناهيا فأصبحت اليوم منهيا ، وقد أحببتم البقاء ، وليس لى أن أحملكم على ما تكرهون .
اقول : نهكتكم اخلقتكم ، وهو مستعار فى اضعافهم ، واخذت وتركت كناية عن تصرّفها فيهم بالاختيار .
< فهرس الموضوعات > كلامه عليه السلام وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثي < / فهرس الموضوعات > 199 - ومن كلام له عليه السّلام بالبصرة ، وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثى - وهو من أصحابه - يعوده ، فلما رأى سعة داره قال : ما كنت تصنع بسعة هذه الدّار فى الدّنيا أما أنت إليها فى الآخرة كنت أحوج وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تقرى فيها الضّيف ، وتصل فيها الرّحم ، وتطلع منها الحقوق مطالعها ، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة . فقال له العلاء . يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخى عاصم بن زياد . قال : وما له قال : لبس العباءة وتخلى عن الدنيا . قال : علىّ به ، فلما جاء قال : يا عدىّ نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك ، أترى اللَّه أحلّ لك الطَّيّبات وهو يكره أن تأخذها أنت أهون على اللَّه من ذلك قال : يا أمير المؤمنين ، هذا أنت فى خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك قال :
ويحك ، إنّى لست كأنت ، إنّ اللَّه فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة النّاس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره .
اقول : استفهامة للعلاء فى معرض التوبيخ لما انّ ذلك ينافي الزهد فى الدنيا . وقوله : ويلى ، الى آخره هداية له الى وجوب استعمالها فى مرضاة اللَّه بعد التفريط فى بنائها . ومطالع الحقوق مصارفها الشرعيّة . وقوله : على به ينوب مناب فعل الأمر اى : ائتونى به . وعدىّ[1]تصغير عدو ونهيه له عما فعل لانّه لم يكن على وجهه ، بل فهم منه انّه عن جهل وهوى ، واستلزام ترك حقوق تلزمه شرعا لأهله وولده . والهيام : الذهاب فى التيه .
واستهام بك الخبيث اى : طلب منك الشيطان الهنام وزيّنه لك . وقوله : فكيف بك اى : فكيف بك هذه الحال ، وانت القدوة : جوابه عليه السلام بالفرق بينهما .
200 - ومن كلام له عليه السّلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع ، وعما فى أيدى الناس من اختلاف الخبر فقال عليه السلام : إنّ فى أيدى النّاس حقّا وباطلا ، وصدقا وكذبا ، وناسخا ومنسوخا ، وعامّا وخاصّا ، ومحكما ومتشابها ، وحفظا ووهما . ولقد كذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، على عهده حتّى قام خطيبا ، فقال : « من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار »[2]. وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس : رجل منافق مظهر للإيمان ، متصنّع بالإسلام ، لا يتأثّم ولا يتحرّج يكذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، متعمّدا ، فلو علم النّاس أنّه منافق كاذب لم يقبلوا منه ، ولم يصدّقوا قوله ، ولكنّهم قالوا صاحب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : رآه ، وسمع منه ، ولقف عنه فيأخذون بقوله ، وقد أخبرك اللَّه عن المنافقين بما أخبرك ، ووصفهم بما وصفهم به لك ، ثمّ بقوا بعده - عليه وآله السّلام - فتقرّبوا إلى أئمّة الضّلالة ،
[1]في نسخة ش : وعدى نفسه تصغير .
[2]صحيح مسلم 1 - 10 . الغدير 5 - 378 .
والدّعاة إلى النّار بالزّور والبهتان ، فولَّوهم الأعمال ، وجعلوهم حكَّاما على رقاب النّاس ، وأكلوا بهم الدّنيا ، وإنّما النّاس مع الملوك والدّنيا إلَّا من عصم اللَّه ، فهذا أحد الأربعة . ورجل سمع من رسول اللَّه شيئا لم يحفظه على وجهه ، فوهم فيه ولم يتعمّد كذبا ، فهو فى يديه ويرويه ويعمل به ، ويقول : أنا سمعته من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فلو علم المسلمون أنّه وهم فيه لم يقبلوا منه ، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه ورجل ثالث : سمع من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله شيئا يأمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ، ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ، ولم يحفظ النّاسخ ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه . وآخر رابع : لم يكذب على اللَّه ، ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللَّه ، وتعظيما لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ولم يهم ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به على ما سمعه : لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ النّاسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنّب عنه ، وعرف الخاصّ والعامّ ، فوضع كلّ شيء موضعه ، وعرف المتشابه ومحكمه . وقد كان يكون من رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، الكلام له وجهان : فكلام خاصّ ، وكلام عامّ ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللَّه سبحانه به ، ولا ما عنى به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فيحمله السّامع ، ويوجّهه على غير معرفة بمعناه ، وما قصد به ، وما خرج من أجله ، وليس كلّ أصحاب رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، من كان يسأله ويستفهمه ، حتّى إن كانوا ليحبّون أن يجيء الأعرابىّ والطَّارىء فيسأله عليه السّلام حتّى يسمعوا وكان لا يمرّبى من ذلك شيء إلَّا سألت عنه وحفظته ، فهذه وجوه ما عليه النّاس فى اختلافهم ، وعللهم فى رواياتهم .
اقول : احاديث البدع : الأحاديث المسرعة بعد الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، والمكذوبة عليه . والَّذى ترتكب منها البدع وهى : محدثات الامور فى الدين بما لا حجة شرعيّة فيه . والحفظ : ما حفظ عنه عليه السلام . والوهم : ما غلط فيه فتوّهم مثلا انّه عام والمراد به الخصوص : او انّه ثابت وهو منسوخ ، ووجه الحصر فى قسمة رجال الحديث ،
انّ الناقل له المنتسب الى الاسلام ، امّا منافق ، او لا والثاني : امّا ان يكون قد وهم فيه او لا والثالث امّا ان يكون قد عرف ما يتعلق به من شرائط الرواية او لا يكون . ودّل على الحصر بقوله : ليس لهم خامس واشار الى الاوّل بقوله : رجل منافق ، الى قوله : فهذا احد الاربعة . ويتصنّع بالاسلام يتزيّن به ويتحلَّى به فى عيون أهله . ولا يتأثّم : لا يعترف بالاثم اولا يحجم عنه . ووجه الشبهة فى قبول قوله : ظاهر الاسلام وصحبة الرسول عليه السلام . وخبّر اللَّه تعالى عن المنافقين كقوله : * ( ( إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) ) * الآية[1]ونحوها . ووصفهم بالكذب فى قوله تعالى : * ( ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ ) ) *[2]وأئمه الضلال : بنو اميّة . واشار الى الثاني بقوله : ورجل سمع منى ، الى قوله : لرفضه والى الثالث بقوله : ورجل ثالث ، الى قوله : لرفضوه . والى الرابع بقوله : وآخر رابع الى قوله : ومحكمه وهو ظاهر .
201 - ومن خطبة له عليه السّلام وكان من اقتدار جبروته ، وبديع لطائف صنعته ، أن جعل من ماء البحر الزّاخر المتراكم المتعاصف يبسا جامدا ، ثمّ فطر منه أطباقا ، ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها ، فاستمسكت بأمره ، وقامت على حدّه ، وأرسى أرضا يحملها الأخضر المثعنجر ، والقمقام المسخّر ، قد ذلّ لأمره ، وأذعن لهيبته ، ووقف الجارى منه لخشيته ، وجبل جلاميدها ، ونشوز متونها وأطوادها ، فأرساها فى مراسيها ، وألزمها قرارتها . فمضت رؤسها فى الهواء ، ورست أصولها فى الماء ، فأنهد جبالها عن سهولها ، وأساخ قواعدها فى متون أقطارها ومواضع أنصابها ، فأشهق قلالها ، وأطال أنشازها ، وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا ، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها . فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، وأجمدها بعد رطوبة أكنافها ، فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجّىّ راكد لا يجرى ، وقائم لا يسرى ، تكركره الرّياح
[1]سورة النساء - 145
[2]سورة المنافقون - 1 .