بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 441


الأيام فى الشّهور ، وأسرع الشّهور فى السّنة ، وأسرع السّنين فى العمر أقول : استعار وصف الاعوار وهو : ابداء العورة لاظهارهم معاصى اللَّه ، ومكارهه التي ينبغي الاستحياء منها . وما فارقوا من احوال الدنيا وما اليه انتقلوا من الآخرة ، والمنازل التي امروا بعمارتها : منازل الأبرار التي عمارتها بطاعة اللَّه والفصل واضح وباللَّه التوفيق .
230 - ومن خطبة له عليه السّلام فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا فى القلوب ، ومنه ما يكون عوارى بين القلوب والصّدور إلى أجل معلوم ، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتّى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حدّ البراءة . والهجرة قائمة على حدّها الأوّل . ما كان للَّه فى أهل الأرض حاجة من مستسرّ الأمّة ومعلنها ، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلَّا بمعرفة الحجّة فى الأرض ، فمن عرفها وأقرّبها فهو مهاجر ، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه . إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلَّا عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان ، ولا يعى حديثنا إلَّا صدور أمينة ، وأحلام رزينة . أيّها النّاس ، سلونى قبل أن تفقدونى فلأنا بطرق السّماء أعلم منّى بطرق الأرض ، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ فى خطامها ، وتذهب بأحلام قومها .
اقول : قسم عليه السلام الإيمان الى قسمين ، ووجه الحصر فيهما انّ الايمان لما كان عبارة عن التصديق بوجود الصانع وصفاته ، وصدق رسوله فيما جاء به ، فتلك الاعتقادات ان بلغت حدّ الملكات فى النفوس فهى الايمان الثابت المستّقر فى القلب ، وان لم تبلغ ذلك بل كانت حالات فى معرض التغيّر والانتقال فهى العوارىّ . واستعار لفظها باعتبار كونها فى معرض الزوال كالعارية التي هى فى معرض الاسترجاع ، وكونها بين القلوب والصدور : كناية عن عدم استقرارها فى جواهر النفوس . وقيل : اراد بالمستّقر :


صفحه 442


الايمان باخلاص وتغيّره ما كان على وجه النّفاق ، اذ كان ذلك لعرض ثم يزول فاذا كانت لكم الى قوله براءة معناه : اذا اردتم التبرّى من احد من اهل الكتاب فقفوه الى حال الموت ولا تبادروا الى البراءة منه ، فانّ اعظم الكبائر الكفر وجائز من الكافر ان يسلم ، فاذا بلغ منتهى الحياة ولم يقلع جاز حينئذ البراءة منه .
وقيل : وهذه البراءة هى المطلقة إذ يجوز لنا ان نبرء من الفاسق فى حياته براءة مشروطة بالإصرار عليها .
وقوله : والهجرة قائمة على حدّها الاوّل ، اى : لما كانت حقيقة الهجرة لغة ترك منزل الى آخر لم يكن تخصيصها بهجرة الرسول صلى اللَّه عليه وآله من مكة الى المدينة ، ومن تبعه مخرجا لها عن اخذها اللغوّى ، واذا كان كذلك كان مراده من بقائها على حدّها الاوّل ، صدقها على من هاجر اليه والى الائمة من اهل بيته فى طلب دين اللَّه لصدقها على من هاجر الى الرسول عليه السلام . وفى معناها ترك الباطل الى الحق كقوله تعالى : * ( ( ومَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ الله ) ) * الآية[1]. وقوله صلى اللَّه عليه وآله : المهاجر من هاجر ما حرّم اللَّه عليه .
ولانّ المقصود من الهجرة ليس الَّا اقتباس الدين ، وتعرّف كيفية سبيل اللَّه وهذا المقصود حاصل من يقوم مقام الرسول صلَّى اللَّه عليه وآله ، بحيث لا فرق بين النبوّة والامامة ، ولا مدخل لاحد هذين الوصفين فى تخصيص مسمّى الهجرة بمن قصد الرسول ، دون من قصد الائمة عليهم السلام ، فان قلت : فقد قال صلى اللَّه عليه وآله : لا هجرة بعد الفتح[2]حتى شفع عمه العباس فى نعيم بن مسعود الأشجعى أن يستثنيه فاستثناه .
قلت : يحمل ذلك على انّه لا هجرة من مكة بعد فتحها الى المدينة توفيقا بين الدليلين ، وسلب الخاص لا يستلزم سلب العام . ومقصوده عليه السلام من هذه الكلمة ، الدعوة الى الدين واقتباسه منه ، ومن اهل بيته عليهم السلام .
وقوله : ما كان للَّه ، الى قوله : ومعانيها ، فما : بمعنى المدّة اى : والهجرة قائمة على حدّها الاوّل مهما كان للَّه فى اهل الأرض ممن أسرّدينه او أظهره حاجة . واستعار لفظ الحاجة : لطلبه تعالى العبادة بالأوامر والنّواهى . ويحتمل ان يكون ما : نافية والكلمة وما قبلها وما بعدها ، وهو قوله : ولا يقع اسم الهجرة ، الى قوله : قبله كلمات ملتقطة متقطَّعة .
والحجة فى الارض : هو امام الوقت ، ومقتضى الكلام انّ اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين مشروطة


[1]سورة النساء - 100 .
[2]صحيح مسلم 3 - 1487 . الجامع الصغير 2 - 752 .


صفحه 443


بمعرفة عين الامام وقصده . ويحتمل . ان يكون الشرط معرفته بالاخبار دون المشاهدة ، ويكون اطلاق اسم الهجرة على طالب الدين كأطلاقه على من ترك الحرام فى قوله عليه السلام : ( المهاجر من هاجر ما حرّم اللَّه عليه ) . وقوله : ولا يصدق الى قوله : قلبه بالحجّة : قول الامام وله مفهومان .
احدهما انّ من بلغته الأحكام من الامام فوعاها ، وفهمها ، وامكنه العمل بها لم يصدق عليه اسم المستضعف كما صدق على من ذكر اللَّه تعالى بقوله : * ( ( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ ) ) * الآية[1]. حتى يكون معذورا فى ترك التفهّم الاخبار والعمل بها ، بل يؤاخذ على ترك العمل ويعاقب وان لم يكلف النهوض والمهاجرة اليه فى طلب الدين كما قال تعالى : * ( ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً ) ) * الآية[2]. وقوله : انّ امرنا صعب مستصعب : فأمرهم شأنهم ومالهم من الكمال الخارج عن كمال غيرهم كالقدرة على ما يخرج عن وسع غيرهم ، والحديث من الأمور الغيبية كالوقائع المستقبلة لزمانه التي وقعت وفق اخباره فأن هذا الشأن صعب فى نفسه لا يقدر عليه الَّا الانبياء ، واوصياء الانبياء ، ومستصعب الفهم على الخلق معجوز عن حمل ما يلقى منه من الاشارات ، ولا يحتمله الَّا نفس عبد امتحن اللَّه قلبه للايمان فعرف كمالهم ، وكيفية صدور هذه الغرائب عنهم ولم يستنكر ذلك ويتعجّب منه ويتلقّاه بالتكذيب ، كما فعل ذلك جماعة من جهّال اصحابه بل يتلقّى ما يصدر عنهم بالإيمان به ، واولئك هم اصحاب الصدور الأمينة ، والاحلام الرّزينة . واجمع الناس على انّه لم يقل احد من الصحابة : سلونى غير على عليه السلام[3]. واراد بطرق السماء : وجوه الهداية الى معرفة منازل سكَّان السموات من الملأ الأعلى ، ومراتبهم من حضرة الربوبية وعلمه بما هناك اتمّ من علمه بطرق الأرض بمقدار اتصاله بالملأ الأعلى ، وانقطاعه عن الدنيا ، وهذا اعمّ من قول من قال اراد انّه اعلم بالدين وقوانينه منه بالدنيا وأحوالها . والفتنة : فتنة بنى اميّة . وكنى بشغر رجلها : عن خلو تلك الفتنة من مدبّر يديرها ، ويحفظ نظام الدين يومئذ . واستعار وصف الناقة المرسل خطامها فهى : تخبط فيه ، وكنى به عن وقوع تلك الفتنة على غير نظام بل يقتل


[1]سورة النساء - 98 .
[2]سورة النساء - 97
[3]الغدير 2 - 44 وج 6 - 148 ، 193 ، 194 وج 7 - 107 وج 10 - 351 .


صفحه 444


فيها المؤمن البرىء ، ويتمتع فيها المنافق الشقىّ . ويذهب بأحلام قومها اى : يستخف ذوى العقول فيخوضون فيها ، ويسرعون اليها لغفلتهم فيها عن وجه الحق . وباللَّه التوفيق .
231 - ومن خطبة له عليه السّلام أحمده شكرا لإنعامه ، وأستعينه على وظائف حقوقه . عزيز الجند ، عظيم المجد . وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله دعا إلى طاعته ، وقاهر أعداءه جهادا على دينه . لا يثنيه عن ذلك اجتماع على تكذيبه ، والتماس لإطفاء نوره . فاعتصموا بتقوى اللَّه فإنّ لها حبلا وثيقا عروته ، ومعقلا منيعا ذروته ، وبادروا الموت وغمراته . وامهدوا له قبل حلوله ، وأعدّوا له قبل نزوله : فإنّ الغاية القيامة وكفى بذلك واعظا لمن عقل ، ومعتبرا لمن جهل . وقبل بلوغ الغاية ما تعلمون من ضيق الأرماس ، وشدّة الإبلاس ، وهول المطَّلع ، وروعات الفزع ، واختلاف الأضلاع ، واستكاك الأسماع ، وظلمة اللَّحد ، وخيفة الوعد ، وغمّ الضّريح ، وردم الصّفيح . فاللَّه اللَّه عباد اللَّه فإنّ الدّنيا ماضية بكم على سنن ، وأنتم والسّاعة فى قرن ، وكأنّها قد جاءت بأشراطها ، وأزفت بأفراطها ، ووقفت بكم على صراطها . وكأنّها قد أشرفت بزلازلها ، وأناخت بكلا كلها ، وانصرمت الدّنيا بأهلها ، وأخرجتهم من حضنها ، فكانت كيوم مضى ، أو شهر انقضى ، وصار جديدها رثّا ، وسمينها غثّا ، فى موقف ضنك المقام ، وأمور مشتبهة عظام ، ونار شديد كلبها ، عال لجبها ، ساطع لهبها ، متغيّظ زفيرها ، متأجّج سعيرها ، بعيد خمودها ، ذاك وقودها ، مخيف وعيدها ، غم قرارها ، مظلمة أقطارها ، حامية قدورها ، فظيعة أمورها * ( ( وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ) ) *[1]قد أمن العذاب ، وانقطع العتاب ، وزحزحوا عن النّار ، واطمأنّت بهم الدّار ، ورضوا المثوى والقرار ، الَّذين كانت أعمالهم فى الدّنيا زاكية ، وأعينهم باكية ، وكان ليلهم فى دنياهم نهارا تخشّعا واستغفارا ، وكان نهارهم ليلا توحّشا وانقطاعا ، فجعل اللَّه لهم الجنّة مآبا ، والجزاء ثوابا ، وكانوا أحقّ بها وأهلها ، فى ملك دائم ، ونعيم قائم . فارعوا - عباد اللَّه - ما برعايته يفوز فائزكم ، وبإضاعته يخسر مبطلكم وبادروا آجالكم


[1]سورة الزمر - 71 .


صفحه 445


بأعمالكم فإنّكم مرتهنون بما أسلفتم ، ومدينون بما قدّمتم ، وكأن قد نزل بكم المخوف فلا رجعة تنالون ، ولا عثرة تقالون . استعملنا اللَّه وإيّاكم بطاعته وطاعة رسوله ، وعفا عنّا وعنكم بفضل رحمته ، الزموا الأرض ، واصبروا على البلاء ، ولا تحرّكوا بأيديكم وسيوفكم فى هوى ألسنتكم ، ولا تستعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم ، فإنّه من مات منكم على فراشه وهو على معرفة حقّ ربّه وحقّ رسوله وأهل بيته مات شهيدا ووقع أجره على اللَّه ، واستوجب ثواب ما نوى من صالح عمله ، وقامت النّيّة مقام إصلاته لسيفه ، وإنّ لكلّ شيء مدّة وأجلا .
اقول : استعار لفظ الحبل والعروة : لما يتمسك به من التقوى ، ويعتصم به من النار .
والمعقل : الملجأ كالجبل . وامهدوا له : اجعلوا له مهادا من التقوى . والارماس : القبور .
والإبلاس : الانكسار والحزن . والمطلع : موضع الاطَّلاع وهو منازل الآخرة . ومحفل القيامة واختلاف الاضلاع : كناية عن ضغطة القبر المستلزمة لذلك . والصفيح : حجارة يردم بها القبر ويسدّه . والسنن : القصد ، واراد على سنن واحد وهو طريق الآخرة . وفى قرن اى : مقترنين . والقرن : الحبل يقرن به البعيران . واشراط الساعة : علاماتها . وازفت : دنت . افراطها : مقدّماتها . واستعار لفظ الكلاكل وهى : الصدور لاثقالها ، ولفظ الحصن : لحصونهم فيها ، واشتمالها على منافعهم فهى : كالامّ الحاضنة لهم . والرثّ : الخلق . والغث : الهزيل . والضنك : الضيق . والكلب : الشّر . واللجب : الصوت . والساطع : المرتفع . وذاك : مشتعل ، والزمرة : الجماعة . ومبادرة الآجال بالأعمال : مسابقتها بها ، استعدادا لتسهيل الموت . ومدينون : مجزؤن .
وقوله : الزموا الأرض الى آخره قيل : هو خطاب خاصّ لمن يكون بعده من اصحابه ، ولزوم الارض : كناية عن الصبر على المكاره ، والثبات فى زمن الفتنة ، وعدم النهوض والجهاد ما لم يقم لهم قائم بحق . والباء فى بأيديكم : على المكاره . وهوى ألسنتكم : اراد بهم السّب والشتم . ولا تحرّكوا ايديكم وسيوفكم وألسنتكم بهواها ولا تعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم من الجهاد قبل ظهور امام عادل . وقوله : فانّه من مات الى قوله بسيفه : بيانا لحكمهم فى زمن عدم قيام الامام العادل بعده لطلب الأمر . وتنبيه على ثمرة الصبر . وهو :


صفحه 446


انّ من مات منهم على فراشه مع معرفته بحق اللَّه ، وحق رسوله ، واهل بيته ، والاعتراف بكونهم أئمه الحق ، والاقتداء بهم ، لحق بدرجة الشهداء ، ووقع اجره على اللَّه بذلك ، وقام صبره على المكاره ونيته انّه من انصار الحق واهله مقام جهاده بسيفه فى استحقاق الأجر . وقوله : فانّ لكل شيء مدّة وأجلا : تنبيه على انّ لجهادهم وقتا يجب فيه ، ولعدّوهم مدّة ودولة لا يجوز لهم القيام فيها مع غير امام حق . هذا هو المتبادر الى الفهم من الكلام واللَّه اعلم .
232 - ومن خطبة له عليه السّلام الحمد للَّه الفاشى حمده ، والغالب جنده ، والمتعالى جدّه ، أحمده على نعمه التّؤام ، وآلائه العظام ، الَّذى عظم حلمه فعفا ، وعدل فى كلّ ما قضى ، وعلم ما يمضى وما مضى ، مبتدع الخلائق بعلمه ، ومنشئهم بحكمه بلا اقتداء ولا تعليم ، ولا احتذاء لمثال صانع حكيم ، ولا إصابة خطا ، ولا حضرة ملا . وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ابتعثه والنّاس يضربون فى غمرة ، ويموجون فى حيرة . قد قادتهم أزمّة الحين ، واستغلقت على أفئدتهم أقفال الرّين . أوصيكم - عباد اللَّه - بتقوى اللَّه فإنّها حقّ اللَّه عليكم ، والموجبة على اللَّه حقّكم ، وأن تستعينوا عليها باللَّه وتستعينوا بها على اللَّه ، فإنّ التّقوى فى اليوم الحرز والجنّة ، وفى غد الطَّريق إلى الجنّة : مسلكها واضح ، وسالكها رابح ، ومستودعها حافظ ، لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين والغابرين لحاجتهم إليها غدا إذا أعاد اللَّه ما أبدى . وأخذ ما أعطى . وسأل عمّا أسدى . فما أقلّ من قبلها وحملها حقّ حملها : أولئك الأقلَّون عددا . وهم أهل صفة اللَّه - سبحانه - إذ يقول : * ( ( يَعْمَلُونَ لَه ما يَشاءُ مِنْ ) ) *[1]. فأهطعوا بأسماعكم إليها ، واكظوا بجدّكم عليها ، واعتاضوها من كلّ سلف خلفا ، ومن كلّ مخالف موافقا ، أيقظوا بها نومكم ، واقطعوا بها يومكم ، وأشعروها قلوبكم ، وارحضوا بها ذنوبكم . وداووا بها الأسقام ، وبادروا بها الحمام ، واعتبروا بمن أضاعها ، ولا يعتبرنّ بكم من أطاعها . ألا وصونوها وتصوّنوا بها . وكونوا عن الدّنيا نزّاها ، وإلى الآخرة ولَّاها ،


[1]سورة سبأ - 13 .


صفحه 447


ولا تضعوا من رفعته التّقوى ، ولا ترفعوا من رفعته الدّنيا ، ولا تشيموا بارقها ، ولا تستمعوا ناطقها ، ولا تجيبوا ناعقها ، ولا تستضيئوا بإشراقها ، ولا تفتنوا بأعلاقها ، فإنّ برقها خالب ، ونطقها كاذب ، وأموالها محروبة ، وأعلاقها مسلوبة ، ألا وهى المتصدّية العنون ، والجامحة الحرون ، والمائنة الخئون والجحود الكنود ، والعنود الصّدود ، والحيود الميود : حالها انتقال ، ووطأتها زلزال ، وعزّها ذلّ ، وجدّها هزل ، وعلوها سفل ، دار حرب وسلب ، ونهب وعطب ، أهلها على ساق وسياق ، ولحاق وفراق . قد تحيّرت مذاهبها ، وأعجزت مهاربها . وخابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ، ولفظتهم المنازل ، وأعيتهم المحاول ، فمن ناج معقور ، ولحم مجزور ، وشلو مذبوح ودم مسفوح ، وعاضّ على يديه ، وصافق بكفّيه ، ومرتفق بخدّيه ، وزار على رأيه ، وراجع عن عزمه ، وقد أدبرت الحيلة ، وأقبلت الغيلة ، ولات حين مناص ، وهيهات ، ثمّ هيهات قد فات ما فات ، وذهب ما ذهب ، ومضت الدّنيا لحال بالها * ( ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ ) ) *[1].
أقول : الفاشى : المنتشر .
والجدّ : العظمة . والغمرة : غلبة الجهل . والحين بالفتح : الهلاك . والرين : غطاء الجهل ، وغلبة الذنوب المغطَّية لأعين البصائر . واستعار لفظ الاقفال : للجهل والذنوب . وتستعينوا بها على اللَّه اى : على نيل ثوابه ، ودفع عقابه ، وكونها فى اليوم حرزا وجنة اى : فى الحياة الدنيا لقوله تعالى : * ( ( ومَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ) ) * الآية[2]وغداى : يوم القيامة . ومستودعها : بالفتح من أودعها ، وقبلها ، وحافظ اى : لها ولنفسه من التّورط فى الآثام وعذاب اللَّه وعرضها لنفسها : كونها للأخذ والاقتناء .
واسدى : ارسل معروفه . واهطعوا بأسماعكم : اسرعوا بها . واكظوا اى : داوموا وواظبوا عليها ، وروى باللام اى : الزموا . واشعروها قلوبكم اى : اجعلوها شعارا لازما لها .
وارحضوا اى : اغسلوا . والوله : التحيّر من شدّة الوجد . وشيم البرق : انتظار ان يمطر سحابه والطمّع فى ذلك . واستعار لفظ البارق : لما يلوح من اطماعها ، وكنى بناطقها : عن مادحها . وما كشف ريبتها من قول او فعل اوزينة او متاع . وبسماعه : عن الاصغاء اليه والميل نحوه . وناعقها : الداعى اليها . واستعار لفظ الاشراق : للآراء الهادية الى وجوه


[1]سورة الدخان - 29
[2]سورة الطلاق - 2 .


صفحه 448


تحصيلها ، ووصف الاستضاءة لاتّباع تلك الآراء . ويحتمل ان يريد بإشراقها : زينتها التي تبهج بها ، والاستضاءة بذلك : ابتهاج به . واعلاقها : ما يعدّ فيها نفيسا . والخلب : الَّذى لا مطر معه .
وقوله : فانّ برقها ، الى قوله : مسلوبة : فى قوّة صغرى ضمير ، يقربه عنها تعليلا لتلك المناهى ، وتقدير كبراه : وكلما كان كذلك فلا ينبغي ان يلتفت اليه . والمحروب : المأخوذ بأجمعه . والمتصدّية : المتعرّضة . والعنون : الدّابة المتقدّمة فى السير . والعنون : كثيرة العنن وهو الاعتراض . قال بعض الشارحين : استعار لها وصف المرأة الفاجرة التي من شأنها التعرّض للرجال لتخدعهم عن انفسهم . ويحتمل ان يكون استعار : لوصف الدّابة يمشى عرض الطريق ، والدنيا باعتبار كثرة تعثّراتها وتقلَّباتها ، وجريها على غير قانون يحفظ فيه . واستعار لفظ الجموح والحزون : لها ، باعتبار عدم انقيادها وعدم القدرة على تصريفها عند الحاجة اليها . والمائنة : الخائنة الكاذبة . والكنود : الكفور للنعمة .
والعنود : المائلة عن القصد ، وكذلك الحيود : كثيرة الحيد وهو الميل . والميود : المتمايلة .
والحرب بفتح الحاء : سلب المال . والسلب : ما يسلب الانسان من ثوب وغيره . وعلى ساق : كناية عن عدم استقرارهم فيها . وقيل : الساق : الشدّة . والسياق : نزع الروح ، والسياق : مصدر ساقه سياقا ، وهو ايضا : كناية عن الأمر الشديد . واللحاق اى : بالماضين .
وفراق اى : لها . وتحيّر مذاهبها : عدم الاهتداء الى طرق خيرها ، ودفع شرّها . واسد الحيرة الى المذاهب مجازا اى : تحيّر أهلها فى مذاهبها . وكذلك اعجزت مهاربها اى : اعجزت من طلبها فى مهاربها . والمحاول : جمع محالة وهى الحيلة . وقوله فمن ناح الى قوله عن عزمه : تقسيم لاهلها باعتبار ما يرميهم به من مصائبها . والشلو : العضو من اللحم بعد الذبح ، واشلاء الانسان : اعضاؤه المتفرّقة فى البلى . والغيلة : للاخذ على غرّة .
والعضّ على اليدين : كناية عن الندم فى الآخرة . والمرتفق بخديّه : جاعل مرفقيه تحت خدّيه ندما . وزاد على رأيه اى : فى تفريطه ، وراجع عن عزمه فى ذلك ، والمناص : مصدر قولك ناص نوصا اى : فروّ زاغ . ولات : حرف سلب ، شبه ليس ، واضمر فيها اسم الفاعل ولا يستعمل الَّا مع حين وقد تحذف حين . والبال : القلب . والضمير فى مضت : للدنيا .
وباللَّه التوفيق .