233 - ومن خطبة له عليه السّلام تسمى القاصعة وهي تتضمّن ذمّ ابليس على استكباره وتركه السجود لآدم - عليه السلام - وانّه اوّل من أظهر العصبيّة وتبع الحميّة وتحذير الناس من سلوك طريقته ومن الناس من يسمّي هذه الخطبه « القاصعة » الحمد للَّه الَّذى لبس العزّ والكبرياء ، واختارهما لنفسه دون خلقه ، وجعلهما حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللَّعنة على من نازعه فيهما من عباده . ثمّ اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ، ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب . * ( ( إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي ، خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ ، رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ ) ) *[1]اعترضته الحميّة فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصّب عليه لأصله ، فعدوّ اللَّه إمام المتعصّبين ، وسلف المستكبرين ، الَّذى وضع أساس العصبيّة ، ونازع اللَّه رداء الجبريّة ، وادّرع لباس التّعزّز ، وخلع قناع التّذللّ . ألا ترون كيف صغّره اللَّه بتكبّره ووضعه اللَّه بترفّعه فجعله فى الدّنيا مدحورا ، وأعدّ له فى الآخرة سعيرا . ولو أراد اللَّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه ، ويبهر العقول رواؤه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ، ولو فعل لظلَّت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكنّ اللَّه - سبحانه - ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم . فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطَّويل ، وجهده الجهيد ، وكان قد عبد اللَّه ستّة آلاف سنة لا يدرى أمن سنى الدّنيا أم سنى الآخرة - عن كبر ساعة واحدة ، فمن بعد إبليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته كلَّا ما كان اللَّه سبحانه ليدخل
[1]سورة ص - 71 - 72 - 73 .
الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إنّ حكمه فى أهل السّماء وأهل الأرض لواحد ، وما بين اللَّه وبين أحد من خلقه هوادة فى إباحة حمى حرّمه على العالمين . فاحذروا عدوّ اللَّه ، أن يعديكم بدائه ، وأن يستفزّكم بندائه ، وأن يجلب عليكم بخيله ورجله ، فلعمرى لقد فوّق لكم سهم الوعيد ، وأغرق لكم بالنّزع الشّديد ، ورماكم من مكان قريب ، وقال : * ( ( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ ) ) *[1]، قذفا بغيب بعيد ، ورجما بظنّ مصيب ، صدّقه به أبناء الحميّة ، وإخوان العصبيّة ، وفرسان الكبر والجاهليّة ، حتّى إذا انقادت له الجامحة منكم ، واستحكمت الطَّماعية منه فيكم ، فنجمت الحال من السّرّ الخفىّ إلى الأمر الجلىّ ، استفحل سلطانه عليكم ، ودلف بجنوده نحوكم ، فأقحموكم ولجأت الذّلّ ، وأحلوّكم ورطات القتل ، وأوطاؤكم إثخان الجراحة : طعنا فى عيونكم وحزّا فى حلوقكم ، ودقّا لمناخركم ، وقصدا لمقاتلكم ، وسوقا بخزائم القهر إلى النّار المعدّة لكم ، فأصبح أعظم فى دينكم جرحا ، وأورى فى دنياكم قدحا ، من الَّذين أصبحتم لهم مناصبين ، وعليهم متألَّبين ، فاجعلوا عليه حدّكم وله جدّكم فلعمر اللَّه لقد فخر على أصلكم ، ووقع فى حسبكم ، ودفع فى نسبكم ، وأجلب بخيله عليكم ، وقصد برجله سبيلكم : يقتنصونكم بكلّ مكان ، ويضربون منكم كلّ بنان ، لا تمتنعون بحيلة ، ولا تدفعون بعزيمة فى حومة ذلّ ، وحلقة ضيق ، وعرصة موت ، وجولة بلاء . فأطفئوا ما كمن فى قلوبكم من نيران العصبيّة ، وأحقاد الجاهليّة ، فإنّما تلك الحميّة تكون فى المسلم من خطرات الشّيطان ونخواته ، ونزغاته ونفثاته ، واعتمدوا وضع التّذلَّل على رؤسكم ، وإلقاء التّعزّز تحت أقدامكم ، وخلع التّكبّر من أعناقكم ، واتّخذوا التّواضع مسلحة ، بينكم وبين عدوّكم : إبليس وجنوده فإنّ له من كلّ أمّة جنودا وأعوانا ، ورجلا وفرسانا . ولا تكونوا كالمتكبّر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللَّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد ، وقدحت الحميّة فى قلبه من نار الغضب ، ونفخ الشّيطان فى أنفه من ريح الكبر الَّذى أعقبه اللَّه به النّدامة ، وألزمه آثام القاتلين إلى يوم القيامة . ألا وقد أمعنتم فى البغى ، وأفسدتم فى الأرض ، مصارحة للَّه بالمناصبة ، ومبارزة للمؤمنين بالمحاربة فاللَّه اللَّه فى كبر الحميّة ، وفخر الجاهليّة ، فانّه ملاقح الشّنآن ، ومنافخ
[1]سورة الحجر - 39 .
الشّيطان ، الَّتى خدع بها الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، حتّى أعنقوا فى حنادس جهالته ومهاوى ضلالته ، ذللا على سياقه سلسا فى قياده ، أمرا تشابهت القلوب فيه ، وتتابعت القرون عليه ، وكبرا تضايقت الصّدور به ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الَّذين تكبّروا عن حسبهم ، وترفّعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربّهم ، وجاحدوا اللَّه على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء الجاهليّة ، فاتّقوا اللَّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسّادا ولا تطيعوا الأدعياء الَّذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحّتكم مرضهم ، وأدخلتم فى حقّكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق ، وأحلاس العقوق ، اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، وجندا بهم يصول على النّاس ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، ودخولا فى عيونكم ، ونفثا فى أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، وموطىء قدمه ، ومأخذ يده .
اقول : القصع : ابتلاع الماء والجرّة . وقصعه قصعا : صغرّه وحقرّه . وقيل : فى معنى تسميتها بذلك : انّه عليه السلام خطب بها اهل الكوفة على ناقة وهى تقصع بجرّتها فسمّيت خطبة القاصعة . وقيل : بل لانّ فيها قصع إبليس وتحقيره .
واعلم انّ مدار هذه الخطبة على النّهى عن الكبر ، والفخر ، وما يلزمه من التفرقة والفتنة ووصف الابليس : مستعار لوصفه تعالى بالعزّ والكبرياء ، واختياره تعالى لهما يعود الى استحقاقه لهما بالذات اذ الممكن لا يليق به التغرّر والتكبّر من حيث هو ممكن محتاج ، وخلقه من نور خلقه شفافا او خلقه مجرّدا عن علائق المواد ، اى : لو اراد خلقه كذلك لكان مقدورا له : فلم يخلقه من طين ظلمانى كثيف . والخيلاء : الكبر ، وقد اشرنا في الخطبة الاولى الى قصة آدم وهي واضحة هنا . والاحباط : الابطال . وجهده : اجتهاده . وقد صرّح عليه السلام : انّ ابليس كان من الملائكة . وقد اشرنا فى الخطبة الاولى الى وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى : * ( ( وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ) *[1]والهوادة : الصلح . وقوله فمن ذا الَّذى يسلم على اللَّه اى : يرجع اليه سالما . ومحل ان يعيدكم : نصب على البدل من عدوّ اللَّه . وخيله ورجله : كناية عن اعوانه الضّالين
[1]سورة الكهف - 50 .
المضلَّين . واستعار لفظ السهم : لما توعدّهم به من التزّين والوسوسة ، ومكانه القريب : ما اشار اليه الخبر النبوىّ : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم )[1]. وقوله صلى اللَّه عليه وآله : ( لو لا انّ الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا الى ملكوت السماوات ) والغيب : ما غاب عنه فلم يعلمه فقذف بحكم بعيد عن علمه ، وهو : الاغواء والاعراف فى النزع استيفاء مدّ السهم ، فان قلت : فلم قال ، غير مصيب مع انّ ابليس صدق ظنه فى اغواء الناس كما قال تعالى : * ( ( ولَقَدْ صَدَّقَ ) * الى قوله * ( الْمُؤْمِنِينَ ) ) *[2]اجيب من وجهين : احدهما انّه ظن ان اغوائهم يكون منه وكان منهم اختيارا لانّهم احبّوا العمى على الهدى ، فغووا عن الطريق وكان ظنّه فى نسبة ذلك اليه غير مصيب ، وانّما صدّقوه فى وقوع الغواية منهم وفق ظنه .
الثاني : انّ حكمه بانّه يغوى الخلق أجمعين حكم فاسد عن ظن غير مصيب . وامّا استثناؤه للمخلصين : فكان تصديقا لقوله تعالى * ( ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) *[3]) لا عن ظن منه لذلك ، والحميّة المذمومة والعصبية فى الباطل . واستعار لفظ الجامحة : للنفوس التي تقوى على ابليس ثم تلين له . وقوله فنجمت الى قوله الحال ، اى : فظهرت الحال التي كان يرومها منكم ويظنها فيكم وهى الغواية من القوّة الى الفعل . والطماعية : الطمع . وولف : مشى ودنا . واقحموكم : ادخلوكم . والولجات : جمع ولجة بالفتح ، موضع كالكهف ونحوه تستتر به المارّة من المطر وغيره . والورطة : الارض المطمئنة لا طريق فيها . وانتصب طعنا وما بعده على المصادر عن افعالها المقدّرة . والخزائم : جمع خزامة بالكسر وهى حلقة من شعر يكون فى انف البعير يشد بها الزمام . والمناصبة : المعاداة .
والتألَّب : الاجتماع . وحدّهم بأسهم وسطوتهم . والرفع فى النسب : كناية عن الوقوع فيه .
وحومة الشيء : معظمه وما استدار منه على كثرة . والمسلحة : قوم ذو سلاح يحفظون الثغر .
واراد بالمتكبر على ابن امّه ، قابيل حين قتل اخاه هابيل عن حسد وكبر .
قيل : وانّما قال ابن امّه دون ابيه لانّ الوالد الحق هو الام ، وامّا الأب فلم يصدر منه غير النطفة التي ليست بولد بل جزءا ماديا له . وقوله : والذّمة آثام القاتلين اشارة الى قوله تعالى : * ( ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) *[4]) الى قوله تعالى * ( ( جَمِيعاً ) ) * اى : يكونوا
[1]الجامع الصغير 1 - 311 . صحيح مسلم 4 - 1712 .
[2]سورة سبأ - 20
[3]سورة الحجر - 42 . سورة الاسراء - 65 .
[4]سورة المائدة - 32 .
اثمه وعقابه فى الشدّة كأثم قاتل الناس جميعا وعقابه . وقول الرسول عليه السلام : ( من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها الى يوم القيامة )[1]وقابيل اوّل من سنّ القتل ، فلا جرم لزمه آثام القاتلين الى يوم القيامة . والشنآن العداوة . والمصارحة : المكاشفة . والملاقح : جمع ملقح بفتح الميم وهو الفحل . والشنآن : البغضاء . واعنق البعير فى السير مدّعنقه وخطوه . والحنادس : جمع حندس بالكسر وهو الليل شديد الظلمة .
والهجينة : الفعل القبيح . والاعتزاء : الانتساب الى أب او قبيلة كقولهم بآل فلان . واستعار لفظ الاضداد لمن يكفر نعمة اللَّه باعتبار بعدها عنه ومفارقته ايّاها بذلك . ولفظ الحساد اذ كافر النعمة كأنّه يطردها عنه بكفرانه لها حاسد . ويحتمل ان يكون نهيا عن حسد الغير . وقوله وشربتم بصفوكم كدرهم اى : فرّجتم اكدار فتنتهم ورذائلهم بما صفى من دينكم ، وخلص فشربتموه ووصف الشرب مستعار . وكذلك قوله : وخلطتم بصحتكم مرضهم اى : بخالص ايمانكم ودينكم نفاقهم ورذائلهم . والحلس : كساء رقيق تحت بردعته[2]واستعار لفظه لهم باعتبار ملازمتهم للعقوق كملازمة الحلس لظهر البعير ونصب استراقا على المفعول له او على المصدر . واراد ينطق على ألسنتهم : بما يخدعكم به من جهة عقولكم ، بالوهميات الكاذبة التي تشبه البديهيات . والعاديات : التي يخدع بها العقل ومن جهة ابصاركم كالوسوسة بالمبصرات وتزيّنها ومن جهة اسماعكم كتزيّن الجواذب السمعيّة الى الدنيا .
الثاني ، فى الأمر بالاعتبار بحال الماضين : وما اصاب الامم المتكبّرين ، وبحال الانبياء وفضلهم فى التواضع وحال اختبار اللَّه المتواضعين من خلقه نصبها بيتا لعبادته وذلك قوله : فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، واتّعظوا بمثاوى خدودهم ، ومصارع جنوبهم .
واستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر ، كما تستعيذونه من طوارق الدّهر ، فلو رخّص اللَّه فى الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وملائكته ، ولكنّ اللَّه كرّه إليهم التّكابر ، ورضى لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم وعفّروا فى التّراب وجوههم ،
[1]صحيح مسلم 2 - 705 وج 4 - 2059 .
[2]في نسخة ش : تحت القتب .
وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين وكانوا أقواما مستضعفين ، وقد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومحصّهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرّضا والسّخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة ، والاختبار فى مواضع الغنى والاقتدار ، وقد قال سبحانه وتعالى * ( ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِه مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) ) *[1]فإنّ اللَّه - سبحانه - يختبر عباده المستكبرين فى أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين فى أعينهم .
ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون ، عليهما السّلام على فرعون وعليهما مدارع الصّوف وبأيديهما العصىّ فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزّه فقال : « ألا تعجبون من هذين يشرطان لى دوام العزّ وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذّلّ ، فهلَّا القى عليهما أساورة من ذهب » إعظاما للذّهب وجمعه ، واحتقارا للصّوف ولبسه . ولو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طير السّماء ووحوش الأرض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلَّت الأنباء ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها ، ولكنّ اللَّه سبحانه جعل رسله أولى قوّة فى عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى .
ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، وعزّة لا تضام ، وملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، وتشدّ إليه عقد الرّحال ، لكان ذلك أهون على الخلق فى الاعتبار ، وأبعد لهم فى الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّيّات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكنّ اللَّه - سبحانه - أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، والتّصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل .
ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ، صلوات اللَّه عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تسمع ولا تبصر فجعلها بيته الحرام الَّذي جعله
[1]سورة المؤمنون - 55 .
للنّاس قياما ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقلّ نتائق الأرض مدرا . وأضيق بطون الأودية قطرا : بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، ولا حافر ولا ظلف ، ثمّ أمر آدم وولده ، أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم . تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوى فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا منا كبهم ذللا يهلَّلون للَّه حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ، قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد - سبحانه - أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، دانى الثّمار ، ملتفّ البنى ، متّصل القوى ، بين برّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، ولو كان الإساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء ، وياقوته حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ فى الصّدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الرّيب من النّاس ولكنّ اللَّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر من قلوبهم ، وإسكانا للتّذلَّل فى نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه .
فاللَّه اللَّه فى عاجل البغى ، وآجل وخامة الظَّلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنّها مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى ، الَّتى تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ، فما تكدى أبدا ، ولا تشوى أحدا : لا عالما لعلمه ، ولا مقلَّا فى طمره ، وعن ذلك ما حرس اللَّه عباده المؤمنين بالصّلوات والزّكوات ، ومجاهدة الصّيام فى الأيّام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم ، وتخشيعا لأبصارهم ، وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم ، لما فى ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا ، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، ولحوق البطون من الصّيام تذلَّلا ، مع ما فى الزّكاة من صرف ثمرات الأرض ، وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر . انظروا إلى ما فى هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر وقدع طوالع الكبر .
ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلَّا عن علَّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء ، غيركم ، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علَّة : أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، وطعن عليه فى خلقته .
فقال : ( أنا نارىّ وأنت طينىّ ) وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم ، فقالوا : * ( ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً ، وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ) * .
فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الأخلاق ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الأمور الَّتى تفاضلت فيها المجداء والنّجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل ، بالأخلاق الرّغيبة ، والأحلام العظيمة ، والأخطار الجليلة ، والآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد : من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذّمام ، والطَّاعة للبرّ ، والمعصية للكبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغى ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد فى الأرض .
واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ، بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال ، فتذكَّروا فى الخير والشّرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكَّرتم فى تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدّت العافية فيه بهم ، وانقادت النّعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللَّزوم للألفة والتّحاضّ عليها ، والتّواصى بها ، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم وأوهن منّتهم : من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصّدور ، وتدابر النّفوس ، وتخاذل الأيدى ، وتدبّروا أحوال الماضين المؤمنين قبلكم : كيف كانوا فى حال التّمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ، فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم فى ذلّ الهلكة ، وقهر الغلبة : لا يجدون حيلة فى امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى اللَّه جدّ الصّبر منهم على الأذى فى محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا : فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكَّاما ، وأئمّة أعلاما ، وبلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم .
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء متّفقة ، والقلوب