بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 457


معتدلة ، والأيدى مترادفة ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة والعزائم واجدة ألم يكونوا أربابا فى أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه فى آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبّوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقى قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم .
واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبنى إسحاق وبنى إسرائيل - عليهم السّلام - فما أشدّ اعتدال الاحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال تأمّلوا أمرهم فى حال تشتّتهم وتفرّقهم ، ليالى كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، ومها فى الرّيح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذلّ الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ الفة يعتمدون على عزّها ، فالأحوال مضطربة ، والأيدى مختلفة ، والكثرة متفرّقة ، فى بلاء أزل ، وأطباق جهل من بنات موؤدة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملَّتهم طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفّت الملَّة بهم فى عوائد بركتها ، فأصبحوا فى نعمتها غرقين ، وفى خضرة عيشها فكهين قد تربّعت الأمور بهم فى ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، وتعطَّفت الأمور عليهم فى ذرى ملك ثابت ، فهم حكَّام على العالمين ، وملوك فى أطراف الأرضين : يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة ألا وإنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطَّاعة ، وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، وإنّ اللَّه - سبحانه - قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة : الَّتى ينتقلون فى ظلَّها ، ويأوون إلى كنفها - بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة : لإنّها أرجح من كلّ ثمن ، وأجلّ من كلّ خطر .
واعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، وبعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلَّقون


صفحه 458


من الإسلام إلَّا باسمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلَّا رسمه تقولون « النّار ولا العار » كأنّكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، ونقضا لميثاقه ، الَّذى وضعه اللَّه لكم حرما فى أرضه ، وأمنا بين خلقه ، وإنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم ، إلَّا المقارعة بالسّيف حتّى يحكم اللَّه بينكم . وإنّ عندكم الأمثال من بأس اللَّه وقوارعه ، وأيّامه ووقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من بأسه ، فإنّ اللَّه - سبحانه - لم يلعن القرن الماضى بين أيديكم إلَّا لتركهم الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، فلعن اللَّه السّفهاء لركوب المعاصى ، والحكماء لترك التّناهى ، ألا وقد قطعتم قيد الإسلام ، وعطَّلتم حدوده ، وأمتّم أحكامه .
اقول : المثلات : العقوبات . والمثوى : المقام . ولواقح الكبرياء ما يلحقه من الشبهات والتخيّلات الفاسدة . والمخمصة : المجاعة . والمجهدة : المشقة . والتمحيص : الاختبار . والاقتار : الفقر . والاساورة : جمع اسوار وهو السوار . والعقيان خالص الذهب . والانباء : اخبار السماء . والبلاء الَّذى كان يسقط بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من اولياء اللَّه اذ لا مستضعف اذن ، وكذلك يسقط بلاء الانبياء بالفقر والصبر على اذى المتكبّرين . وكذلك جزاء العبادات والطاعات بسقوط البلاء بها ، او لانّها اذن يكون عن رهبة فيسقط جزاؤها الاخروىّ ، وبحسب ذلك كان ينقطع خبر السماء من الوحي لانّ الدنيا والآخرة ضرّتان . والأنبياء عليهم السلام وان كانوا افضل الخلق الَّا انّهم محتاجون الى الرياضة بالزهد والاعراض عن الدنيا فى نزول الوحى عليهم ، كما هو المشهور من حالهم عليهم السلام .
والمنقول عن نبينا صلى اللَّه عليه وآله من فطام نفسه عن الدنيا وطيّباتها مشهور متواتر . وكذلك لا يكون لقائلى كلام الانبياء اجر المبتلين بهم فى حال ما هم بزىّ الفقر والمسكنة . وكان لا يستحق المؤمنون ثواب المحسنين الى انفسهم بمجاهدة الشيطان عنها ، لانّ ايمانهم يومئذ يكون عن رغبة او رهبة . او ثواب المحسنين الى الأنبياء بالايواء والنصر لهم حين البعثة . ولا لزمت الاسماء معانيها اى


صفحه 459


لا يكون حقائق فيها مثلا من كان يسمى مؤمنا لا يكون هذا اللفظ حقيقة فيه اذ هو حقيقة فى الايمان الخالص القلبى ، وهو غير موجود الَّا باللسان عن رهبة او رغبة . وكذلك من سمىّ مسلما او زاهدا اونبيا لارتفاع كل ذلك . والخصاصة : الجوع . وقوله لكان ذلك اهون على الخلق فى الاعتبار اى : انّ الانبياء اذا كانوا بزىّ الملوك كان اعتبار الناس بحالهم ورجوعهم اليه اسهل ، وكانوا ابعد من الاستكبار عليهم ممّا اذا كانوا بزىّ الفقر . والنيّات مشتركة اى : خالصة للَّه بل لرهبة او رغبة ، ولا كانت حسناتهم فى انفسهم وفى الانبياء خالصة بل منقسمة بحسب النيّات المختلفة . والوعر : الصعب . والنتائق : جمع نتيقة وهى البقاع المرتفعة ، واراد مكة . وكنّى بتتبعها عن شهرتها وعلوّها بالنسبة الى ما استسفل عنها من البلاد . وقياما اى : مقيما لأحوال الناس فى الآخرة . او بحال اهل مكة باجتماع الناس اليه ، والقطر : الجانب . والدمثة : اللينة . والوشلة : قليلة الماء . وثنى الاعطاف : كناية عن التوجّه والرجوع الى البيت . والمثابة المرجع . والمنتجع اسم المفعول من الانتجاع وهو طلب الماء والكلاء .
وتهوى اليه ثمار الافئدة اى : تسقط ثمار كل شيء كما قال : يجبى اليه ثمرات كل شيء . واضافها الى الافئدة باعتبار انّها مجلوبة اليها . والمفاوز : الفلوات . والسحيقة : البعيدة . والفجاج : الطرق الواسعة . ووصف تلك الطرق بالعمق باعتبار بعدها عن سائر البلاد العالية منحدرة . وهزمنا كبهم : حركاتهم فى السعى والطواف ونحوهما . والاهلال رفع الصوت بالتلبية . والرمل : الهرولة . والشعث : تفرّق الحال . والسرابيل : القمصان . والمشاعر : مواضع المناسك . والارياف : جمع ريف بالكسر ، وهى الارض ذات الزرع والخصب . والمحدقة : المحيطة . والمغدقة : كثيرة الماء والخصب . ومصارعة الشك فى الصدور : هو التشكَّك فى انّ التكليف بقصد هذه الأحجار حق او باطل . والمعتلج : اسم الفاعل او المفعول على الروايتين من الاعتلاج ، وهو مغالبة الشكّ لليقين ، والاعتلاج : المصارعة والغلبة . وفتحا : مفتوحة موسّعة . وذللا : سهلة . ووخامة الظلم : سؤ عاقبته . والمساورة : المواثبة . والضمير فى قوله فانّها : يعود الى الجملة من البغى والظلم والكبر . وقيل : الى الكبر فقط . وانّما انّثه باعتبار جعله ايّاه مصيدة . ومساورة السموم القاتلة اى : للطبيعة الحيوانية . واكدى الحافر : اذا عجز ولم يؤثر فى الارض . واكدت المطالب اعجزت . واشوت الضربة يشوى : اخطأت المقتل .


صفحه 460


فمنافاتها للتكبّر ظاهرة . وامّا الزكاة فلأنها شكر النعمة المالية وشكر النعم ينافي التكبّر عن طاعته . وامّا الصيام فلما فيه مصابرة الجوع والعطش فى الايام الصائفة طاعة للَّه . وتذلَّلا له وذلك ينافي التكبّر عن طاعته ايضا . وعتائق الوجوه : جمع عتيقة وهى كرائمها واحسانها .
ونواجم الفخر بما ظهر منه . والتمويه : التليين . ويليظ : يلتصق . والمجداء : جمع ماجد . والنجداء : اهل النجدة والشجاعة . ويعاسيب القبائل : رؤسائها وامراؤها . وقوله بالاخلاق : متعلَّق بتفاضلت . والرغبة الشيء : يرغب فيه . وقوله فتذكَّروا فى الخير والشّر احوالهم ، فحال الخير حين كانوا فى طاعة انبيائهم والالفة الجامعة بينهم . وحال الشرّ ما انقلبوا اليه عن تلك الحال حتى خالفوا صالح الأعمال وحالفوا ذميم الأفعال . وقوله : من الاجتناب الى قوله والتوصّى بها : تفصيل وتفسير للامر الَّذى لزمت العزّة به حالهم اى : عزّت حالهم به وزاحت عنهم اعداؤهم له ، ومدّت العافية بهم . والباء فى بهم : للظرفيّة[1]. والتحاض : التحاث . والفقرة الواحدة من خرزات الظهر . والتشاحن : التّعادى . والتدابر : التقاطع . والَّذين اتّخذتهم الفراعنة عبيدا كيوسف عليه السلام ، وكموسى ، وهارون ، ومن آمن معهما من بنى اسرائيل فى مبدأ امرهم ، وابدالهم العزّ بمكان الذّل هو ما امتن اللَّه تعالى عليهم به فى قوله * ( ( وإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ) * الآية[2]. * ( ( وإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ) ) * الآية[3]. وامّا كونهم ملوكا وحكَّاما وأئمه واعلاما : فانّ موسى وهارون عليهما السلام بعد هلاك فرعون ، ورثا ، واستقرّ لهما الملك والدين . وكطالوت ، وداود ، بعد مجاهدتهما بجالوت كما قال تعالى : * ( ( وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاه الله الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ ) *[4]) الآية . وكذلك لم يزل الملك والنبوّة فى سليمان عليه السلام ، وولده الى الأعرج منهم فانّه لم يكن نبيا وقتله ابنه ، وكان بخت نصر كاتبه فغضب لذلك واغتر الابن حتى قتله وملك بعده .
ونفوذ البصائر : خرقها حجب الشبهات عن الحق واصله اليه وغضارة النعمة :


[1]في نسخة ش بزيادة : او للاستصحاب
[2]سورة البقرة - 49
[3]سورة البقرة - 50
[4]سورة البقرة - 251 .


صفحه 461


والطمر : الثوب الخلق . وقوله : لا عالما الى قوله طمرة اى : انّ رذيلة الكبر يؤثر فى نفس العالم مع علمه والفقير مع فقره ، وان كانت حالتهما ينافي ذلك . امّا العالم فلعلمه بأنّه رذيلة ينبغي ان يتجنب ، وامّا الفقير فظاهر . وقوله : وغير ذلك الى قوله تذليلا : تنبيه على الأمور التي حرس اللَّه بها الصالحين من عباده عن هذه الرذيلة وهى الصلوات ، والزكوات ، ومجاهدة الصيام المفروض . امّا الصلاة طيبها . وولد اسماعيل : هم العرب من آل قحطان وآل معد ، ومن بنى اسحاق اولاد روم بن عيص بن اسحاق . وبنو اسرائيل اولاد يعقوب بن اسحاق . واستيلاء الاكاسرة والقياصرة على العرب قبل ظهور محمد صلى اللَّه عليه وآله ظاهر . وامّا حال بنى اسحاق واسرائيل فنحو ما جرى لاولاد روم بن عيص من اختلاف النسطورية ، واليعقوبية والملكاتية ، حتى كان ذلك سببا لضعفهم واستيلاء القياصرة عليهم فى الروم وعلى بنى اسرائيل فى الشام ، وازعاج بخت نصر ، لهم عن بيت المقدس فى المرّة الثانية كما اشار اليه تعالى بقوله : * ( ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وإِنْ ) ) * الآية[1]. وقد كان عزّاهم حين افسدوا المرّة الاولى ، كما حكى عنهم تعالى بقوله : * ( ( وقَضَيْنا إِلى بَنِي ) ) *[2]فلما تابوا ردّه عنهم ثم احدثوا الثانية ، فبعث اللَّه اليهم ارميا فقام فيهم بوحى اللَّه ، فضربوه وقيّدوه وسجنوه فغضب اللَّه لذلك وسلط عليهم بخت نصر ثانيا ، فقتل منهم وصلب واحرق وسبى ذراريهم ونسائهم ، والَّذين فرّوا منهم ارتحلوا الى حدود المدينة ، كيهود خيبر وبنى قريظة والنضير وبنى قينقاع . وقوله : فما اشدّ اعتدال الأحوال اى : تساوى احوالكم بأحوالهم فى لزوم الخير لهم بالالفة والاجتماع . ولزوم الشر بتفرّق الكلمة . ومها فى الريح مواضعها اى : حركتها اى هى البرارى والقفار . والنكد . شدّة العيش وقلته . والعالة : جمع عائل وهو الفقير والعيلة : الفقر . واستعار لفظ الجناح للدعوة الحاملة لهم . والازل : الشدّة . والموؤدة : البنت . وقد كانت العرب تقتل البنات حين يولدن لهم واليه الاشارة بقوله تعالى : * ( ( وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) ) *[3]. وشن الغارة فرقها . والرسول المبعوث اليهم محمد صلى اللَّه عليه وآله . وقوله : والتقت الى قوله : بركتها اى واشتملت عليهم فى بركتها .


[1]سورة الاسراء - 7 .
[2]سورة الاسراء - 4 .
[3]سورة التكوير - 9 .


صفحه 462


والفكاهة : طيب النفس والسرور . وترفّعت : تمكَّنت . والسلطان القاهر : سلطان الاسلام . وكنى بعدم غمز قناتهم عن قوّتهم ، وعدم انقهارهم للغير ، وكذلك بعدم قرع صفاتهم ونقض الأيدى من حبل الطاعة : كناية عن تركها . وحصن اللَّه : الاسلام . ووبّخهم بصيرورتهم اعرابا بعد الهجرة لنقصان الاعرابى عن رتبة الصحابة فضلا عن المهاجرين . والاحزاب الفرق تنقسم لمحاربة الانبياء واوصيائهم . ولما انقسم هؤلاء الى مارقين ، وناكثين ، وقاسطين ، وحاربوه كانوا اخوانا . وقولهم : النار ولا العار : كلمة تقرّ لها اهل الكبر والانفة من احتمال الاذى والضيم لأنفسهم ، او لقولهم فى الاستنهاض للفتنة . والنار والعار : منصوبان بفعلين مضمرين . وكفأت الأناء كبيته لوجهه . وقوله فانّكم الى قوله : بينكم تحذير من الاعتماد على عزّ الاسلام من حمية او شجاعة او كثرة قبيلة مع الخروج عن سلطان الدّين ، والتغرّر به لاستلزام ذلك خذلان الملائكة لهم ، والخروج عن الهجرة والنصرة . ونصب جبرئيل وميكائيل ، على انّهما اسمان ملاحظا فيهما التنكير ، والاستثناء منقطع . والأمثال التي عندهم : هو ما ضربه اللَّه لهم من الأمثال بالقرون الماضية عند خروجهم عن طاعة انبيائهم ، والتفرّق فى دينهم وباللَّه التوفيق . الثالث فى اقتصاصه عليه السلام بحاله فى تكليفه ، وشرح حاله مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله من اوّل عمره والتّنبيه على موضعه منه ، وذلك قوله : ألا وقد أمرنى اللَّه بقتال أهل البغي والنّكث ، والفساد فى الأرض : فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، وأمّا القاسطون فقد جاهدت ، وأمّا المارقة فقد دوّخت ، وأمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجّة صدره ، وبقيت بقيّة من أهل البغى ولئن أذن اللَّه فى الكرّة عليهم لأديلنّ منهم ، إلَّا ما يتشذّر فى أطراف البلاد تشذّرا .
أنا وضعت فى الصّغر بكلا كل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعى من رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعنى فى حجره وأنا وليد يضمّنى إلى صدره ، ويكنفني فى فراشه ، ويمسّنى جسده ، ويشمّنى عرفه ، وكان يمضغ الشّىء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لى كذبة فى قول ، ولا خطلة فى فعل ، ولقد قرن اللَّه به ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، من لدن أن كان فطيما


صفحه 463


أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لى فى كلّ يوم من أخلاقه علما ، ويأمرنى بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيرى ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الإسلام غير رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، وخديجة ، وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحى والرّسالة ، وأشمّ ريح النّبّوة . ولقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقلت : يا رسول اللَّه ، ما هذه الرّنة فقال : « هذا الشّيطان أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلَّا أنّك لست بنبىّ ، ولكنّك وزير ، وإنّك لعلى خير » . ولقد كنت معه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، لمّا أتاه الملأ من قريش ، فقالوا له : يا محمّد ، إنّك قد ادّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه ، وأريتناه علمنا أنّك نبىّ ورسول ، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : وما تسألون قالوا : تدعو لنا هذه الشّجرة حتّى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ اللَّه على كلّ شيء قدير ، فإن فعل اللَّه لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحقّ قالوا : نعم ، قال : فإنّى سأريكم ما تطلبون ، وإنّى لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ، وإنّ فيكم من يطرح فى القليب ، ومن يحزّب الاحزاب ، ثم قال صلَّى اللَّه عليه وآله : يا ايّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللَّه واليوم الآخر وتعلمين أنّى رسول اللَّه فانقلعى بعروقك حتّى تقفى بين يدىّ بإذن اللَّه . والَّذى بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوىّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطَّير ، حتّى وقفت بين يدي رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، مرفوفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وببعض أغصانها على منكبى وكنت عن يمينه صلَّى اللَّه وآله وسلَّم ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا واستكبارا : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقالوا كفرا وعتوّا : فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فرجع فقلت أنا : لا إله إلَّا اللَّه ، فإنّى أوّل مؤمن بك يا رسول اللَّه ، وأوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللَّه تصديقا بنبوّتك وإجلالا لكلمتك ، فقال القوم


صفحه 464


كلَّهم : بل ساحر كذّاب عجيب السّحر خفيف فيه ، وهل يصدّقك فى أمرك إلَّا مثل هذا ( يعنونني ) وإنّى لمن قوم لا تأخذهم فى اللَّه لومة لائم : سيماهم سيما الصّدّيقين ، وكلامهم كلام الأبرار ، عمّار اللَّيل ومنار النّهار ، متمسّكون بحبل القرآن ، يحيون سنن اللَّه وسنن رسوله ، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يغلَّون ، ولا يفسدون : قلوبهم فى الجنان ، وأجسادهم فى العمل .
اقول : اهل البغى : أهل الشام .
وأهل النكث : أصحاب الجمل ، واهل الفساد .
والمارقة : الخوارج وتسمية الاوّلين بغاة لقوله تعالى : * ( ( وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) ) *[1]وسمّى الناكثون بذلك : لنكثهم بيعته . وامّا المارقون : فلقوله صلى اللَّه عليه وآله : لذى الثدية من الخوارج ، يخرج من ضئضئ هذا ، اى : من اصله قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّمية . وامّا امر اللَّه تعالى ايّاه بقتال هذه الفرق ، فلما ثبت عن الرسول صلى اللَّه عليه وآله انّه قال : انّك ستقاتل بعدى الناكثين والقاسطين والمارقين ، وهو اخبار فى معنى الامر ، وامر الرسول صلى اللَّه عليه وآله من امر ربّه ويحتمل ان يكون ذلك الامر فى قوله تعالى : * ( ( وإِنْ طائِفَتانِ ) ) * وقوله : * ( ( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله ورَسُولَه ويَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَساداً ) ) *[2]الآية . ودوّخت : قهرت واذللت .
الردهة : النقرة تكون فى الجبل يجتمع فيه الماء . وامّا شيطان الردهة فقيل : اراد به ذا الثدية ، وكونه شيطانا باعتبار اغوائه لأصحابه . واضافته الى الردهة لانّه وجد قتيلا فى نقرة فيها ماء ، بعد قتل الخوارج ، وامّا الصعقة ، فقيل : انّ ذا الثدية اصابه من خوفه عليه السلام غشى ، وقيل : يحتمل ان يريد الشيطان المعهود ، وهو وان كان لا يرى بحسّ البصر الَّا انّ الانبياء والأولياء عليهم السلام قد يشاهدون الامور المجرّدة والمعاني المعقولة كالملائكة والجن ، والشيطان ، فى صورة محسوسة باستعانة من القوّة المتخيّلة والوهمية كما قرّر فى مظانه . فيحتمل ان يقال : انّه عليه السلام رأى الشيطان بصورة محسوسة ، ولما كان فى مقام العصمة وملكة النصر على الشيطان ، وقهره وابعاده سمع من جلباب العزّة صيحة العذاب ارسلت على الشيطان ، فسمع لها وجيب قلبه ورجّة صدره ، كما سمع رنّته


[1]سورة الحجرات - 9 .
[2]سورة المائدة - 33 .