بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 456


ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلَّا عن علَّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء ، غيركم ، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علَّة : أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، وطعن عليه فى خلقته .
فقال : ( أنا نارىّ وأنت طينىّ ) وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم ، فقالوا : * ( ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً ، وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ) * .
فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الأخلاق ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الأمور الَّتى تفاضلت فيها المجداء والنّجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل ، بالأخلاق الرّغيبة ، والأحلام العظيمة ، والأخطار الجليلة ، والآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد : من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذّمام ، والطَّاعة للبرّ ، والمعصية للكبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغى ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد فى الأرض .
واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ، بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال ، فتذكَّروا فى الخير والشّرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكَّرتم فى تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدّت العافية فيه بهم ، وانقادت النّعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللَّزوم للألفة والتّحاضّ عليها ، والتّواصى بها ، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم وأوهن منّتهم : من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصّدور ، وتدابر النّفوس ، وتخاذل الأيدى ، وتدبّروا أحوال الماضين المؤمنين قبلكم : كيف كانوا فى حال التّمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ، فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم فى ذلّ الهلكة ، وقهر الغلبة : لا يجدون حيلة فى امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى اللَّه جدّ الصّبر منهم على الأذى فى محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا : فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكَّاما ، وأئمّة أعلاما ، وبلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم .
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء متّفقة ، والقلوب


صفحه 457


معتدلة ، والأيدى مترادفة ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة والعزائم واجدة ألم يكونوا أربابا فى أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه فى آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبّوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقى قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم .
واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبنى إسحاق وبنى إسرائيل - عليهم السّلام - فما أشدّ اعتدال الاحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال تأمّلوا أمرهم فى حال تشتّتهم وتفرّقهم ، ليالى كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، ومها فى الرّيح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذلّ الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ الفة يعتمدون على عزّها ، فالأحوال مضطربة ، والأيدى مختلفة ، والكثرة متفرّقة ، فى بلاء أزل ، وأطباق جهل من بنات موؤدة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملَّتهم طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفّت الملَّة بهم فى عوائد بركتها ، فأصبحوا فى نعمتها غرقين ، وفى خضرة عيشها فكهين قد تربّعت الأمور بهم فى ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، وتعطَّفت الأمور عليهم فى ذرى ملك ثابت ، فهم حكَّام على العالمين ، وملوك فى أطراف الأرضين : يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة ألا وإنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطَّاعة ، وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، وإنّ اللَّه - سبحانه - قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة : الَّتى ينتقلون فى ظلَّها ، ويأوون إلى كنفها - بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة : لإنّها أرجح من كلّ ثمن ، وأجلّ من كلّ خطر .
واعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، وبعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلَّقون


صفحه 458


من الإسلام إلَّا باسمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلَّا رسمه تقولون « النّار ولا العار » كأنّكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، ونقضا لميثاقه ، الَّذى وضعه اللَّه لكم حرما فى أرضه ، وأمنا بين خلقه ، وإنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم ، إلَّا المقارعة بالسّيف حتّى يحكم اللَّه بينكم . وإنّ عندكم الأمثال من بأس اللَّه وقوارعه ، وأيّامه ووقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من بأسه ، فإنّ اللَّه - سبحانه - لم يلعن القرن الماضى بين أيديكم إلَّا لتركهم الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، فلعن اللَّه السّفهاء لركوب المعاصى ، والحكماء لترك التّناهى ، ألا وقد قطعتم قيد الإسلام ، وعطَّلتم حدوده ، وأمتّم أحكامه .
اقول : المثلات : العقوبات . والمثوى : المقام . ولواقح الكبرياء ما يلحقه من الشبهات والتخيّلات الفاسدة . والمخمصة : المجاعة . والمجهدة : المشقة . والتمحيص : الاختبار . والاقتار : الفقر . والاساورة : جمع اسوار وهو السوار . والعقيان خالص الذهب . والانباء : اخبار السماء . والبلاء الَّذى كان يسقط بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من اولياء اللَّه اذ لا مستضعف اذن ، وكذلك يسقط بلاء الانبياء بالفقر والصبر على اذى المتكبّرين . وكذلك جزاء العبادات والطاعات بسقوط البلاء بها ، او لانّها اذن يكون عن رهبة فيسقط جزاؤها الاخروىّ ، وبحسب ذلك كان ينقطع خبر السماء من الوحي لانّ الدنيا والآخرة ضرّتان . والأنبياء عليهم السلام وان كانوا افضل الخلق الَّا انّهم محتاجون الى الرياضة بالزهد والاعراض عن الدنيا فى نزول الوحى عليهم ، كما هو المشهور من حالهم عليهم السلام .
والمنقول عن نبينا صلى اللَّه عليه وآله من فطام نفسه عن الدنيا وطيّباتها مشهور متواتر . وكذلك لا يكون لقائلى كلام الانبياء اجر المبتلين بهم فى حال ما هم بزىّ الفقر والمسكنة . وكان لا يستحق المؤمنون ثواب المحسنين الى انفسهم بمجاهدة الشيطان عنها ، لانّ ايمانهم يومئذ يكون عن رغبة او رهبة . او ثواب المحسنين الى الأنبياء بالايواء والنصر لهم حين البعثة . ولا لزمت الاسماء معانيها اى


صفحه 459


لا يكون حقائق فيها مثلا من كان يسمى مؤمنا لا يكون هذا اللفظ حقيقة فيه اذ هو حقيقة فى الايمان الخالص القلبى ، وهو غير موجود الَّا باللسان عن رهبة او رغبة . وكذلك من سمىّ مسلما او زاهدا اونبيا لارتفاع كل ذلك . والخصاصة : الجوع . وقوله لكان ذلك اهون على الخلق فى الاعتبار اى : انّ الانبياء اذا كانوا بزىّ الملوك كان اعتبار الناس بحالهم ورجوعهم اليه اسهل ، وكانوا ابعد من الاستكبار عليهم ممّا اذا كانوا بزىّ الفقر . والنيّات مشتركة اى : خالصة للَّه بل لرهبة او رغبة ، ولا كانت حسناتهم فى انفسهم وفى الانبياء خالصة بل منقسمة بحسب النيّات المختلفة . والوعر : الصعب . والنتائق : جمع نتيقة وهى البقاع المرتفعة ، واراد مكة . وكنّى بتتبعها عن شهرتها وعلوّها بالنسبة الى ما استسفل عنها من البلاد . وقياما اى : مقيما لأحوال الناس فى الآخرة . او بحال اهل مكة باجتماع الناس اليه ، والقطر : الجانب . والدمثة : اللينة . والوشلة : قليلة الماء . وثنى الاعطاف : كناية عن التوجّه والرجوع الى البيت . والمثابة المرجع . والمنتجع اسم المفعول من الانتجاع وهو طلب الماء والكلاء .
وتهوى اليه ثمار الافئدة اى : تسقط ثمار كل شيء كما قال : يجبى اليه ثمرات كل شيء . واضافها الى الافئدة باعتبار انّها مجلوبة اليها . والمفاوز : الفلوات . والسحيقة : البعيدة . والفجاج : الطرق الواسعة . ووصف تلك الطرق بالعمق باعتبار بعدها عن سائر البلاد العالية منحدرة . وهزمنا كبهم : حركاتهم فى السعى والطواف ونحوهما . والاهلال رفع الصوت بالتلبية . والرمل : الهرولة . والشعث : تفرّق الحال . والسرابيل : القمصان . والمشاعر : مواضع المناسك . والارياف : جمع ريف بالكسر ، وهى الارض ذات الزرع والخصب . والمحدقة : المحيطة . والمغدقة : كثيرة الماء والخصب . ومصارعة الشك فى الصدور : هو التشكَّك فى انّ التكليف بقصد هذه الأحجار حق او باطل . والمعتلج : اسم الفاعل او المفعول على الروايتين من الاعتلاج ، وهو مغالبة الشكّ لليقين ، والاعتلاج : المصارعة والغلبة . وفتحا : مفتوحة موسّعة . وذللا : سهلة . ووخامة الظلم : سؤ عاقبته . والمساورة : المواثبة . والضمير فى قوله فانّها : يعود الى الجملة من البغى والظلم والكبر . وقيل : الى الكبر فقط . وانّما انّثه باعتبار جعله ايّاه مصيدة . ومساورة السموم القاتلة اى : للطبيعة الحيوانية . واكدى الحافر : اذا عجز ولم يؤثر فى الارض . واكدت المطالب اعجزت . واشوت الضربة يشوى : اخطأت المقتل .


صفحه 460


فمنافاتها للتكبّر ظاهرة . وامّا الزكاة فلأنها شكر النعمة المالية وشكر النعم ينافي التكبّر عن طاعته . وامّا الصيام فلما فيه مصابرة الجوع والعطش فى الايام الصائفة طاعة للَّه . وتذلَّلا له وذلك ينافي التكبّر عن طاعته ايضا . وعتائق الوجوه : جمع عتيقة وهى كرائمها واحسانها .
ونواجم الفخر بما ظهر منه . والتمويه : التليين . ويليظ : يلتصق . والمجداء : جمع ماجد . والنجداء : اهل النجدة والشجاعة . ويعاسيب القبائل : رؤسائها وامراؤها . وقوله بالاخلاق : متعلَّق بتفاضلت . والرغبة الشيء : يرغب فيه . وقوله فتذكَّروا فى الخير والشّر احوالهم ، فحال الخير حين كانوا فى طاعة انبيائهم والالفة الجامعة بينهم . وحال الشرّ ما انقلبوا اليه عن تلك الحال حتى خالفوا صالح الأعمال وحالفوا ذميم الأفعال . وقوله : من الاجتناب الى قوله والتوصّى بها : تفصيل وتفسير للامر الَّذى لزمت العزّة به حالهم اى : عزّت حالهم به وزاحت عنهم اعداؤهم له ، ومدّت العافية بهم . والباء فى بهم : للظرفيّة[1]. والتحاض : التحاث . والفقرة الواحدة من خرزات الظهر . والتشاحن : التّعادى . والتدابر : التقاطع . والَّذين اتّخذتهم الفراعنة عبيدا كيوسف عليه السلام ، وكموسى ، وهارون ، ومن آمن معهما من بنى اسرائيل فى مبدأ امرهم ، وابدالهم العزّ بمكان الذّل هو ما امتن اللَّه تعالى عليهم به فى قوله * ( ( وإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ) ) * الآية[2]. * ( ( وإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ) ) * الآية[3]. وامّا كونهم ملوكا وحكَّاما وأئمه واعلاما : فانّ موسى وهارون عليهما السلام بعد هلاك فرعون ، ورثا ، واستقرّ لهما الملك والدين . وكطالوت ، وداود ، بعد مجاهدتهما بجالوت كما قال تعالى : * ( ( وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاه الله الْمُلْكَ والْحِكْمَةَ ) *[4]) الآية . وكذلك لم يزل الملك والنبوّة فى سليمان عليه السلام ، وولده الى الأعرج منهم فانّه لم يكن نبيا وقتله ابنه ، وكان بخت نصر كاتبه فغضب لذلك واغتر الابن حتى قتله وملك بعده .
ونفوذ البصائر : خرقها حجب الشبهات عن الحق واصله اليه وغضارة النعمة :


[1]في نسخة ش بزيادة : او للاستصحاب
[2]سورة البقرة - 49
[3]سورة البقرة - 50
[4]سورة البقرة - 251 .


صفحه 461


والطمر : الثوب الخلق . وقوله : لا عالما الى قوله طمرة اى : انّ رذيلة الكبر يؤثر فى نفس العالم مع علمه والفقير مع فقره ، وان كانت حالتهما ينافي ذلك . امّا العالم فلعلمه بأنّه رذيلة ينبغي ان يتجنب ، وامّا الفقير فظاهر . وقوله : وغير ذلك الى قوله تذليلا : تنبيه على الأمور التي حرس اللَّه بها الصالحين من عباده عن هذه الرذيلة وهى الصلوات ، والزكوات ، ومجاهدة الصيام المفروض . امّا الصلاة طيبها . وولد اسماعيل : هم العرب من آل قحطان وآل معد ، ومن بنى اسحاق اولاد روم بن عيص بن اسحاق . وبنو اسرائيل اولاد يعقوب بن اسحاق . واستيلاء الاكاسرة والقياصرة على العرب قبل ظهور محمد صلى اللَّه عليه وآله ظاهر . وامّا حال بنى اسحاق واسرائيل فنحو ما جرى لاولاد روم بن عيص من اختلاف النسطورية ، واليعقوبية والملكاتية ، حتى كان ذلك سببا لضعفهم واستيلاء القياصرة عليهم فى الروم وعلى بنى اسرائيل فى الشام ، وازعاج بخت نصر ، لهم عن بيت المقدس فى المرّة الثانية كما اشار اليه تعالى بقوله : * ( ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وإِنْ ) ) * الآية[1]. وقد كان عزّاهم حين افسدوا المرّة الاولى ، كما حكى عنهم تعالى بقوله : * ( ( وقَضَيْنا إِلى بَنِي ) ) *[2]فلما تابوا ردّه عنهم ثم احدثوا الثانية ، فبعث اللَّه اليهم ارميا فقام فيهم بوحى اللَّه ، فضربوه وقيّدوه وسجنوه فغضب اللَّه لذلك وسلط عليهم بخت نصر ثانيا ، فقتل منهم وصلب واحرق وسبى ذراريهم ونسائهم ، والَّذين فرّوا منهم ارتحلوا الى حدود المدينة ، كيهود خيبر وبنى قريظة والنضير وبنى قينقاع . وقوله : فما اشدّ اعتدال الأحوال اى : تساوى احوالكم بأحوالهم فى لزوم الخير لهم بالالفة والاجتماع . ولزوم الشر بتفرّق الكلمة . ومها فى الريح مواضعها اى : حركتها اى هى البرارى والقفار . والنكد . شدّة العيش وقلته . والعالة : جمع عائل وهو الفقير والعيلة : الفقر . واستعار لفظ الجناح للدعوة الحاملة لهم . والازل : الشدّة . والموؤدة : البنت . وقد كانت العرب تقتل البنات حين يولدن لهم واليه الاشارة بقوله تعالى : * ( ( وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) ) *[3]. وشن الغارة فرقها . والرسول المبعوث اليهم محمد صلى اللَّه عليه وآله . وقوله : والتقت الى قوله : بركتها اى واشتملت عليهم فى بركتها .


[1]سورة الاسراء - 7 .
[2]سورة الاسراء - 4 .
[3]سورة التكوير - 9 .


صفحه 462


والفكاهة : طيب النفس والسرور . وترفّعت : تمكَّنت . والسلطان القاهر : سلطان الاسلام . وكنى بعدم غمز قناتهم عن قوّتهم ، وعدم انقهارهم للغير ، وكذلك بعدم قرع صفاتهم ونقض الأيدى من حبل الطاعة : كناية عن تركها . وحصن اللَّه : الاسلام . ووبّخهم بصيرورتهم اعرابا بعد الهجرة لنقصان الاعرابى عن رتبة الصحابة فضلا عن المهاجرين . والاحزاب الفرق تنقسم لمحاربة الانبياء واوصيائهم . ولما انقسم هؤلاء الى مارقين ، وناكثين ، وقاسطين ، وحاربوه كانوا اخوانا . وقولهم : النار ولا العار : كلمة تقرّ لها اهل الكبر والانفة من احتمال الاذى والضيم لأنفسهم ، او لقولهم فى الاستنهاض للفتنة . والنار والعار : منصوبان بفعلين مضمرين . وكفأت الأناء كبيته لوجهه . وقوله فانّكم الى قوله : بينكم تحذير من الاعتماد على عزّ الاسلام من حمية او شجاعة او كثرة قبيلة مع الخروج عن سلطان الدّين ، والتغرّر به لاستلزام ذلك خذلان الملائكة لهم ، والخروج عن الهجرة والنصرة . ونصب جبرئيل وميكائيل ، على انّهما اسمان ملاحظا فيهما التنكير ، والاستثناء منقطع . والأمثال التي عندهم : هو ما ضربه اللَّه لهم من الأمثال بالقرون الماضية عند خروجهم عن طاعة انبيائهم ، والتفرّق فى دينهم وباللَّه التوفيق . الثالث فى اقتصاصه عليه السلام بحاله فى تكليفه ، وشرح حاله مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله من اوّل عمره والتّنبيه على موضعه منه ، وذلك قوله : ألا وقد أمرنى اللَّه بقتال أهل البغي والنّكث ، والفساد فى الأرض : فأمّا النّاكثون فقد قاتلت ، وأمّا القاسطون فقد جاهدت ، وأمّا المارقة فقد دوّخت ، وأمّا شيطان الرّدهة فقد كفيته بصعقة سمعت لها وجبة قلبه ورجّة صدره ، وبقيت بقيّة من أهل البغى ولئن أذن اللَّه فى الكرّة عليهم لأديلنّ منهم ، إلَّا ما يتشذّر فى أطراف البلاد تشذّرا .
أنا وضعت فى الصّغر بكلا كل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر ، وقد علمتم موضعى من رسول اللَّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعنى فى حجره وأنا وليد يضمّنى إلى صدره ، ويكنفني فى فراشه ، ويمسّنى جسده ، ويشمّنى عرفه ، وكان يمضغ الشّىء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لى كذبة فى قول ، ولا خطلة فى فعل ، ولقد قرن اللَّه به ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، من لدن أن كان فطيما


صفحه 463


أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه ، يرفع لى فى كلّ يوم من أخلاقه علما ، ويأمرنى بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور فى كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيرى ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ فى الإسلام غير رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، وخديجة ، وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحى والرّسالة ، وأشمّ ريح النّبّوة . ولقد سمعت رنّة الشّيطان حين نزل الوحى عليه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقلت : يا رسول اللَّه ، ما هذه الرّنة فقال : « هذا الشّيطان أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلَّا أنّك لست بنبىّ ، ولكنّك وزير ، وإنّك لعلى خير » . ولقد كنت معه ، صلَّى اللَّه عليه وآله ، لمّا أتاه الملأ من قريش ، فقالوا له : يا محمّد ، إنّك قد ادّعيت عظيما لم يدّعه آباؤك ولا أحد من بيتك ، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه ، وأريتناه علمنا أنّك نبىّ ورسول ، وإن لم تفعل علمنا أنّك ساحر كذّاب . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله : وما تسألون قالوا : تدعو لنا هذه الشّجرة حتّى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك . فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ اللَّه على كلّ شيء قدير ، فإن فعل اللَّه لكم ذلك أتؤمنون وتشهدون بالحقّ قالوا : نعم ، قال : فإنّى سأريكم ما تطلبون ، وإنّى لأعلم أنّكم لا تفيئون إلى خير ، وإنّ فيكم من يطرح فى القليب ، ومن يحزّب الاحزاب ، ثم قال صلَّى اللَّه عليه وآله : يا ايّتها الشجرة إن كنت تؤمنين باللَّه واليوم الآخر وتعلمين أنّى رسول اللَّه فانقلعى بعروقك حتّى تقفى بين يدىّ بإذن اللَّه . والَّذى بعثه بالحقّ لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوىّ شديد ، وقصف كقصف أجنحة الطَّير ، حتّى وقفت بين يدي رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، مرفوفة ، وألقت بغصنها الأعلى على رسول اللَّه ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، وببعض أغصانها على منكبى وكنت عن يمينه صلَّى اللَّه وآله وسلَّم ، فلمّا نظر القوم إلى ذلك قالوا علوّا واستكبارا : فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها ، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشدّه دويّا ، فكادت تلتفّ برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فقالوا كفرا وعتوّا : فمر هذا النّصف فليرجع إلى نصفه كما كان ، فأمره ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فرجع فقلت أنا : لا إله إلَّا اللَّه ، فإنّى أوّل مؤمن بك يا رسول اللَّه ، وأوّل من أقرّ بأنّ الشّجرة فعلت ما فعلت بأمر اللَّه تصديقا بنبوّتك وإجلالا لكلمتك ، فقال القوم