الشّيطان ، الَّتى خدع بها الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، حتّى أعنقوا فى حنادس جهالته ومهاوى ضلالته ، ذللا على سياقه سلسا فى قياده ، أمرا تشابهت القلوب فيه ، وتتابعت القرون عليه ، وكبرا تضايقت الصّدور به ألا فالحذر الحذر من طاعة ساداتكم وكبرائكم الَّذين تكبّروا عن حسبهم ، وترفّعوا فوق نسبهم ، وألقوا الهجينة على ربّهم ، وجاحدوا اللَّه على ما صنع بهم ، مكابرة لقضائه ، ومغالبة لآلائه فإنّهم قواعد أساس العصبيّة ، ودعائم أركان الفتنة ، وسيوف اعتزاء الجاهليّة ، فاتّقوا اللَّه ولا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا ، ولا لفضله عندكم حسّادا ولا تطيعوا الأدعياء الَّذين شربتم بصفوكم كدرهم ، وخلطتم بصحّتكم مرضهم ، وأدخلتم فى حقّكم باطلهم ، وهم أساس الفسوق ، وأحلاس العقوق ، اتّخذهم إبليس مطايا ضلال ، وجندا بهم يصول على النّاس ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم ، ودخولا فى عيونكم ، ونفثا فى أسماعكم ، فجعلكم مرمى نبله ، وموطىء قدمه ، ومأخذ يده .
اقول : القصع : ابتلاع الماء والجرّة . وقصعه قصعا : صغرّه وحقرّه . وقيل : فى معنى تسميتها بذلك : انّه عليه السلام خطب بها اهل الكوفة على ناقة وهى تقصع بجرّتها فسمّيت خطبة القاصعة . وقيل : بل لانّ فيها قصع إبليس وتحقيره .
واعلم انّ مدار هذه الخطبة على النّهى عن الكبر ، والفخر ، وما يلزمه من التفرقة والفتنة ووصف الابليس : مستعار لوصفه تعالى بالعزّ والكبرياء ، واختياره تعالى لهما يعود الى استحقاقه لهما بالذات اذ الممكن لا يليق به التغرّر والتكبّر من حيث هو ممكن محتاج ، وخلقه من نور خلقه شفافا او خلقه مجرّدا عن علائق المواد ، اى : لو اراد خلقه كذلك لكان مقدورا له : فلم يخلقه من طين ظلمانى كثيف . والخيلاء : الكبر ، وقد اشرنا في الخطبة الاولى الى قصة آدم وهي واضحة هنا . والاحباط : الابطال . وجهده : اجتهاده . وقد صرّح عليه السلام : انّ ابليس كان من الملائكة . وقد اشرنا فى الخطبة الاولى الى وجه الجمع بين ذلك وبين قوله تعالى : * ( ( وإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ) ) *[1]والهوادة : الصلح . وقوله فمن ذا الَّذى يسلم على اللَّه اى : يرجع اليه سالما . ومحل ان يعيدكم : نصب على البدل من عدوّ اللَّه . وخيله ورجله : كناية عن اعوانه الضّالين
[1]سورة الكهف - 50 .
المضلَّين . واستعار لفظ السهم : لما توعدّهم به من التزّين والوسوسة ، ومكانه القريب : ما اشار اليه الخبر النبوىّ : ( انّ الشيطان ليجرى من ابن آدم مجرى الدم )[1]. وقوله صلى اللَّه عليه وآله : ( لو لا انّ الشياطين يحومون على قلوب بنى آدم لنظروا الى ملكوت السماوات ) والغيب : ما غاب عنه فلم يعلمه فقذف بحكم بعيد عن علمه ، وهو : الاغواء والاعراف فى النزع استيفاء مدّ السهم ، فان قلت : فلم قال ، غير مصيب مع انّ ابليس صدق ظنه فى اغواء الناس كما قال تعالى : * ( ( ولَقَدْ صَدَّقَ ) * الى قوله * ( الْمُؤْمِنِينَ ) ) *[2]اجيب من وجهين : احدهما انّه ظن ان اغوائهم يكون منه وكان منهم اختيارا لانّهم احبّوا العمى على الهدى ، فغووا عن الطريق وكان ظنّه فى نسبة ذلك اليه غير مصيب ، وانّما صدّقوه فى وقوع الغواية منهم وفق ظنه .
الثاني : انّ حكمه بانّه يغوى الخلق أجمعين حكم فاسد عن ظن غير مصيب . وامّا استثناؤه للمخلصين : فكان تصديقا لقوله تعالى * ( ( إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ) *[3]) لا عن ظن منه لذلك ، والحميّة المذمومة والعصبية فى الباطل . واستعار لفظ الجامحة : للنفوس التي تقوى على ابليس ثم تلين له . وقوله فنجمت الى قوله الحال ، اى : فظهرت الحال التي كان يرومها منكم ويظنها فيكم وهى الغواية من القوّة الى الفعل . والطماعية : الطمع . وولف : مشى ودنا . واقحموكم : ادخلوكم . والولجات : جمع ولجة بالفتح ، موضع كالكهف ونحوه تستتر به المارّة من المطر وغيره . والورطة : الارض المطمئنة لا طريق فيها . وانتصب طعنا وما بعده على المصادر عن افعالها المقدّرة . والخزائم : جمع خزامة بالكسر وهى حلقة من شعر يكون فى انف البعير يشد بها الزمام . والمناصبة : المعاداة .
والتألَّب : الاجتماع . وحدّهم بأسهم وسطوتهم . والرفع فى النسب : كناية عن الوقوع فيه .
وحومة الشيء : معظمه وما استدار منه على كثرة . والمسلحة : قوم ذو سلاح يحفظون الثغر .
واراد بالمتكبر على ابن امّه ، قابيل حين قتل اخاه هابيل عن حسد وكبر .
قيل : وانّما قال ابن امّه دون ابيه لانّ الوالد الحق هو الام ، وامّا الأب فلم يصدر منه غير النطفة التي ليست بولد بل جزءا ماديا له . وقوله : والذّمة آثام القاتلين اشارة الى قوله تعالى : * ( ( مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ ) *[4]) الى قوله تعالى * ( ( جَمِيعاً ) ) * اى : يكونوا
[1]الجامع الصغير 1 - 311 . صحيح مسلم 4 - 1712 .
[2]سورة سبأ - 20
[3]سورة الحجر - 42 . سورة الاسراء - 65 .
[4]سورة المائدة - 32 .
اثمه وعقابه فى الشدّة كأثم قاتل الناس جميعا وعقابه . وقول الرسول عليه السلام : ( من سنّ سنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من يعمل بها الى يوم القيامة )[1]وقابيل اوّل من سنّ القتل ، فلا جرم لزمه آثام القاتلين الى يوم القيامة . والشنآن العداوة . والمصارحة : المكاشفة . والملاقح : جمع ملقح بفتح الميم وهو الفحل . والشنآن : البغضاء . واعنق البعير فى السير مدّعنقه وخطوه . والحنادس : جمع حندس بالكسر وهو الليل شديد الظلمة .
والهجينة : الفعل القبيح . والاعتزاء : الانتساب الى أب او قبيلة كقولهم بآل فلان . واستعار لفظ الاضداد لمن يكفر نعمة اللَّه باعتبار بعدها عنه ومفارقته ايّاها بذلك . ولفظ الحساد اذ كافر النعمة كأنّه يطردها عنه بكفرانه لها حاسد . ويحتمل ان يكون نهيا عن حسد الغير . وقوله وشربتم بصفوكم كدرهم اى : فرّجتم اكدار فتنتهم ورذائلهم بما صفى من دينكم ، وخلص فشربتموه ووصف الشرب مستعار . وكذلك قوله : وخلطتم بصحتكم مرضهم اى : بخالص ايمانكم ودينكم نفاقهم ورذائلهم . والحلس : كساء رقيق تحت بردعته[2]واستعار لفظه لهم باعتبار ملازمتهم للعقوق كملازمة الحلس لظهر البعير ونصب استراقا على المفعول له او على المصدر . واراد ينطق على ألسنتهم : بما يخدعكم به من جهة عقولكم ، بالوهميات الكاذبة التي تشبه البديهيات . والعاديات : التي يخدع بها العقل ومن جهة ابصاركم كالوسوسة بالمبصرات وتزيّنها ومن جهة اسماعكم كتزيّن الجواذب السمعيّة الى الدنيا .
الثاني ، فى الأمر بالاعتبار بحال الماضين : وما اصاب الامم المتكبّرين ، وبحال الانبياء وفضلهم فى التواضع وحال اختبار اللَّه المتواضعين من خلقه نصبها بيتا لعبادته وذلك قوله : فاعتبروا بما أصاب الأمم المستكبرين من قبلكم من بأس اللَّه وصولاته ، ووقائعه ومثلاته ، واتّعظوا بمثاوى خدودهم ، ومصارع جنوبهم .
واستعيذوا باللَّه من لواقح الكبر ، كما تستعيذونه من طوارق الدّهر ، فلو رخّص اللَّه فى الكبر لأحد من عباده لرخّص فيه لخاصّة أنبيائه وملائكته ، ولكنّ اللَّه كرّه إليهم التّكابر ، ورضى لهم التّواضع ، فألصقوا بالأرض خدودهم وعفّروا فى التّراب وجوههم ،
[1]صحيح مسلم 2 - 705 وج 4 - 2059 .
[2]في نسخة ش : تحت القتب .
وخفضوا أجنحتهم للمؤمنين وكانوا أقواما مستضعفين ، وقد اختبرهم اللَّه بالمخمصة ، وابتلاهم بالمجهدة ، وامتحنهم بالمخاوف ، ومحصّهم بالمكاره ، فلا تعتبروا الرّضا والسّخط بالمال والولد جهلا بمواقع الفتنة ، والاختبار فى مواضع الغنى والاقتدار ، وقد قال سبحانه وتعالى * ( ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِه مِنْ مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ، بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) ) *[1]فإنّ اللَّه - سبحانه - يختبر عباده المستكبرين فى أنفسهم ، بأوليائه المستضعفين فى أعينهم .
ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هارون ، عليهما السّلام على فرعون وعليهما مدارع الصّوف وبأيديهما العصىّ فشرطا له إن أسلم بقاء ملكه ودوام عزّه فقال : « ألا تعجبون من هذين يشرطان لى دوام العزّ وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذّلّ ، فهلَّا القى عليهما أساورة من ذهب » إعظاما للذّهب وجمعه ، واحتقارا للصّوف ولبسه . ولو أراد اللَّه سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذّهبان ، ومعادن العقيان ، ومغارس الجنان ، وأن يحشر معهم طير السّماء ووحوش الأرض لفعل ، ولو فعل لسقط البلاء ، وبطل الجزاء ، واضمحلَّت الأنباء ، ولما وجب للقابلين أجور المبتلين ، ولا استحقّ المؤمنون ثواب المحسنين ، ولا لزمت الأسماء معانيها ، ولكنّ اللَّه سبحانه جعل رسله أولى قوّة فى عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم ، مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى ، وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى .
ولو كانت الأنبياء أهل قوّة لا ترام ، وعزّة لا تضام ، وملك تمتدّ نحوه أعناق الرّجال ، وتشدّ إليه عقد الرّحال ، لكان ذلك أهون على الخلق فى الاعتبار ، وأبعد لهم فى الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة بهم ، فكانت النّيّات مشتركة ، والحسنات مقتسمة ، ولكنّ اللَّه - سبحانه - أراد أن يكون الاتّباع لرسله ، والتّصديق بكتبه ، والخشوع لوجهه ، والاستكانة لأمره ، والاستسلام لطاعته ، أمورا له خاصّة لا يشوبها من غيرها شائبة وكلَّما كانت البلوى والاختبار أعظم ، كانت المثوبة والجزاء أجزل .
ألا ترون أنّ اللَّه سبحانه اختبر الأوّلين من لدن آدم ، صلوات اللَّه عليه ، إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تسمع ولا تبصر فجعلها بيته الحرام الَّذي جعله
[1]سورة المؤمنون - 55 .
للنّاس قياما ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا ، وأقلّ نتائق الأرض مدرا . وأضيق بطون الأودية قطرا : بين جبال خشنة ، ورمال دمثة ، وعيون وشلة ، وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ، ولا حافر ولا ظلف ، ثمّ أمر آدم وولده ، أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم . تهوى إليه ثمار الأفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوى فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا منا كبهم ذللا يهلَّلون للَّه حوله ، ويرملون على أقدامهم شعثا غبرا له ، قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشّعور محاسن خلقهم ، ابتلاء عظيما ، وامتحانا شديدا ، واختبارا مبينا ، وتمحيصا بليغا ، جعله اللَّه سببا لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد - سبحانه - أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار ، جمّ الأشجار ، دانى الثّمار ، ملتفّ البنى ، متّصل القوى ، بين برّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء ، ولو كان الإساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها بين زمرّدة خضراء ، وياقوته حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مسارعة الشّكّ فى الصّدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الرّيب من النّاس ولكنّ اللَّه يختبر عباده بأنواع الشّدائد ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجا للتّكبّر من قلوبهم ، وإسكانا للتّذلَّل فى نفوسهم ، وليجعل ذلك أبوابا فتحا إلى فضله ، وأسبابا ذللا لعفوه .
فاللَّه اللَّه فى عاجل البغى ، وآجل وخامة الظَّلم ، وسوء عاقبة الكبر ، فإنّها مصيدة إبليس العظمى ، ومكيدته الكبرى ، الَّتى تساور قلوب الرّجال مساورة السّموم القاتلة ، فما تكدى أبدا ، ولا تشوى أحدا : لا عالما لعلمه ، ولا مقلَّا فى طمره ، وعن ذلك ما حرس اللَّه عباده المؤمنين بالصّلوات والزّكوات ، ومجاهدة الصّيام فى الأيّام المفروضات ، تسكينا لأطرافهم ، وتخشيعا لأبصارهم ، وتذليلا لنفوسهم ، وتخفيضا لقلوبهم ، وإذهابا للخيلاء عنهم ، لما فى ذلك من تعفير عتاق الوجوه بالتّراب تواضعا ، والتصاق كرائم الجوارح بالأرض تصاغرا ، ولحوق البطون من الصّيام تذلَّلا ، مع ما فى الزّكاة من صرف ثمرات الأرض ، وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر . انظروا إلى ما فى هذه الأفعال من قمع نواجم الفخر وقدع طوالع الكبر .
ولقد نظرت فما وجدت أحدا من العالمين يتعصّب لشيء من الأشياء إلَّا عن علَّة تحتمل تمويه الجهلاء ، أو حجّة تليط بعقول السّفهاء ، غيركم ، فإنّكم تتعصّبون لأمر لا يعرف له سبب ولا علَّة : أمّا إبليس فتعصّب على آدم لأصله ، وطعن عليه فى خلقته .
فقال : ( أنا نارىّ وأنت طينىّ ) وأمّا الأغنياء من مترفة الأمم ، فتعصّبوا لآثار مواقع النّعم ، فقالوا : * ( ( نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً ، وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) ) * .
فإن كان لا بدّ من العصبيّة فليكن تعصّبكم لمكارم الأخلاق ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الأمور الَّتى تفاضلت فيها المجداء والنّجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل ، بالأخلاق الرّغيبة ، والأحلام العظيمة ، والأخطار الجليلة ، والآثار المحمودة . فتعصّبوا لخلال الحمد : من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذّمام ، والطَّاعة للبرّ ، والمعصية للكبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغى ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد فى الأرض .
واحذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات ، بسوء الأفعال ، وذميم الأعمال ، فتذكَّروا فى الخير والشّرّ أحوالهم ، واحذروا أن تكونوا أمثالهم فإذا تفكَّرتم فى تفاوت حاليهم ، فالزموا كلّ أمر لزمت العزّة به شأنهم ، وزاحت الأعداء له عنهم ، ومدّت العافية فيه بهم ، وانقادت النّعمة له معهم ، ووصلت الكرامة عليه حبلهم من الاجتناب للفرقة ، واللَّزوم للألفة والتّحاضّ عليها ، والتّواصى بها ، واجتنبوا كلّ أمر كسر فقرتهم وأوهن منّتهم : من تضاغن القلوب ، وتشاحن الصّدور ، وتدابر النّفوس ، وتخاذل الأيدى ، وتدبّروا أحوال الماضين المؤمنين قبلكم : كيف كانوا فى حال التّمحيص والبلاء ألم يكونوا أثقل الخلائق أعباء ، وأجهد العباد بلاء ، وأضيق أهل الدّنيا حالا اتّخذتهم الفراعنة عبيدا ، فساموهم سوء العذاب ، وجرّعوهم المرار ، فلم تبرح الحال بهم فى ذلّ الهلكة ، وقهر الغلبة : لا يجدون حيلة فى امتناع ، ولا سبيلا إلى دفاع ، حتّى إذا رأى اللَّه جدّ الصّبر منهم على الأذى فى محبّته ، والاحتمال للمكروه من خوفه ، جعل لهم من مضايق البلاء فرجا : فأبدلهم العزّ مكان الذّلّ ، والأمن مكان الخوف ، فصاروا ملوكا حكَّاما ، وأئمّة أعلاما ، وبلغت الكرامة من اللَّه لهم ما لم تبلغ الآمال إليه بهم .
فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء متّفقة ، والقلوب
معتدلة ، والأيدى مترادفة ، والسّيوف متناصرة ، والبصائر نافذة والعزائم واجدة ألم يكونوا أربابا فى أقطار الأرضين ، وملوكا على رقاب العالمين فانظروا إلى ما صاروا إليه فى آخر أمورهم ، حين وقعت الفرقة ، وتشتّت الألفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعبّوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع اللَّه عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غضارة نعمته ، وبقى قصص أخبارهم فيكم عبرة للمعتبرين منكم .
واعتبروا بحال ولد إسماعيل وبنى إسحاق وبنى إسرائيل - عليهم السّلام - فما أشدّ اعتدال الاحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال تأمّلوا أمرهم فى حال تشتّتهم وتفرّقهم ، ليالى كانت الأكاسرة والقياصرة أربابا لهم يحتازونهم عن ريف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدّنيا ، إلى منابت الشّيح ، ومها فى الرّيح ، ونكد المعاش ، فتركوهم عالة مساكين إخوان دبر ووبر ، أذلّ الأمم دارا ، وأجدبهم قرارا ، لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ الفة يعتمدون على عزّها ، فالأحوال مضطربة ، والأيدى مختلفة ، والكثرة متفرّقة ، فى بلاء أزل ، وأطباق جهل من بنات موؤدة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة .
فانظروا إلى مواقع نعم اللَّه عليهم ، حين بعث إليهم رسولا ، فعقد بملَّتهم طاعتهم ، وجمع على دعوته ألفتهم ، كيف نشرت النّعمة عليهم جناح كرامتها ، وأسالت لهم جداول نعيمها ، والتفّت الملَّة بهم فى عوائد بركتها ، فأصبحوا فى نعمتها غرقين ، وفى خضرة عيشها فكهين قد تربّعت الأمور بهم فى ظلّ سلطان قاهر ، وآوتهم الحال إلى كنف عزّ غالب ، وتعطَّفت الأمور عليهم فى ذرى ملك ثابت ، فهم حكَّام على العالمين ، وملوك فى أطراف الأرضين : يملكون الأمور على من كان يملكها عليهم ، ويمضون الأحكام فيمن كان يمضيها فيهم ، لا تغمز لهم قناة ، ولا تقرع لهم صفاة ألا وإنّكم قد نفضتم أيديكم من حبل الطَّاعة ، وثلمتم حصن اللَّه المضروب عليكم بأحكام الجاهليّة ، وإنّ اللَّه - سبحانه - قد امتنّ على جماعة هذه الأمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الألفة : الَّتى ينتقلون فى ظلَّها ، ويأوون إلى كنفها - بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة : لإنّها أرجح من كلّ ثمن ، وأجلّ من كلّ خطر .
واعلموا أنّكم صرتم بعد الهجرة أعرابا ، وبعد الموالاة أحزابا ، ما تتعلَّقون
من الإسلام إلَّا باسمه ، ولا تعرفون من الإيمان إلَّا رسمه تقولون « النّار ولا العار » كأنّكم تريدون أن تكفئوا الإسلام على وجهه انتهاكا لحريمه ، ونقضا لميثاقه ، الَّذى وضعه اللَّه لكم حرما فى أرضه ، وأمنا بين خلقه ، وإنّكم إن لجأتم إلى غيره حاربكم أهل الكفر ، ثمّ لا جبرائيل ولا ميكائيل ولا مهاجرون ولا أنصار ينصرونكم ، إلَّا المقارعة بالسّيف حتّى يحكم اللَّه بينكم . وإنّ عندكم الأمثال من بأس اللَّه وقوارعه ، وأيّامه ووقائعه ، فلا تستبطئوا وعيده جهلا بأخذه ، وتهاونا ببطشه ، ويأسا من بأسه ، فإنّ اللَّه - سبحانه - لم يلعن القرن الماضى بين أيديكم إلَّا لتركهم الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، فلعن اللَّه السّفهاء لركوب المعاصى ، والحكماء لترك التّناهى ، ألا وقد قطعتم قيد الإسلام ، وعطَّلتم حدوده ، وأمتّم أحكامه .
اقول : المثلات : العقوبات . والمثوى : المقام . ولواقح الكبرياء ما يلحقه من الشبهات والتخيّلات الفاسدة . والمخمصة : المجاعة . والمجهدة : المشقة . والتمحيص : الاختبار . والاقتار : الفقر . والاساورة : جمع اسوار وهو السوار . والعقيان خالص الذهب . والانباء : اخبار السماء . والبلاء الَّذى كان يسقط بلاء المتكبّرين بالمستضعفين من اولياء اللَّه اذ لا مستضعف اذن ، وكذلك يسقط بلاء الانبياء بالفقر والصبر على اذى المتكبّرين . وكذلك جزاء العبادات والطاعات بسقوط البلاء بها ، او لانّها اذن يكون عن رهبة فيسقط جزاؤها الاخروىّ ، وبحسب ذلك كان ينقطع خبر السماء من الوحي لانّ الدنيا والآخرة ضرّتان . والأنبياء عليهم السلام وان كانوا افضل الخلق الَّا انّهم محتاجون الى الرياضة بالزهد والاعراض عن الدنيا فى نزول الوحى عليهم ، كما هو المشهور من حالهم عليهم السلام .
والمنقول عن نبينا صلى اللَّه عليه وآله من فطام نفسه عن الدنيا وطيّباتها مشهور متواتر . وكذلك لا يكون لقائلى كلام الانبياء اجر المبتلين بهم فى حال ما هم بزىّ الفقر والمسكنة . وكان لا يستحق المؤمنون ثواب المحسنين الى انفسهم بمجاهدة الشيطان عنها ، لانّ ايمانهم يومئذ يكون عن رغبة او رهبة . او ثواب المحسنين الى الأنبياء بالايواء والنصر لهم حين البعثة . ولا لزمت الاسماء معانيها اى