< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني < / فهرس الموضوعات > 43 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيبانى ، وهو عامله على أردشير خرّة بلغنى عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك ، وأغضبت إمامك : أنّك تقسم فيء المسلمين الَّذى حازته رماحهم وخيولهم ، وأريقت عليه دماؤهم ، فيمن اعتامك من أعراب قومك . فو الَّذى فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة ، لئن كان ذلك حقّا لتجدنّ بك علىّ هوانا ، ولتخفّنّ عندى ميزانا ، فلا تستهن بحقّ ربّك ، ولا تصلح دنياك بمحق دينك ، فتكون من الأخسرين أعمالا . ألا وإنّ حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين فى قسمة هذا الفىء سواء : يردون عندى عليه ، ويصدرون عنه . والسّلام .
اقول : اعتامك : اختارك للطلب . وخفّة ميزانه : صغر منزلته عنده . وميزانا : تمييز .
< فهرس الموضوعات > كتابه عليه السلام إلى زياد بن أبيه ، حين بلغه أن معاوية يخدعه باستلحاقه < / فهرس الموضوعات > 44 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى زياد بن ابيه ، وقد بلغه أن معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه وقد عرفت معاوية كتب إليك يستزلّ لبّك ، ويستفلّ غربك ، فاحذره ، فانّما هو الشّيطان : يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، ليقتحم غفلته ، ويستلب غرّته . وقد كان من أبى سفيان فى زمن عمر بن الخطَّاب فلتة من حديث النّفس ، ونزغة من نزغات الشّيطان : لا يثبت بها نسب ، ولا يستحقّ بها إرث ، والمتعلَّق بها كالواغل المدفّع ، والنّوط المذبذب . فلمّا قرأ زياد الكتاب قال : شهد بها ورب الكعبه ، ولم تزل فى نفسه حتى ادّعاه
معاويه .
قال السيد - رحمه اللَّه - : قوله - عليه السلام - « الواغل » : هو الذى يهجم على الشّرب يشرب معهم ، وليس منهم ، فلا يزال مدفّعا محاجزا . و « النوط المذبذب » : هو ما يناط برحل الراكب من قعب أو قدح أو ما أشبه ذلك ، فهو أبدا يتقلقل اذا حثّ ظهره واستعجل سيره .
اقول : زياد هذا هو دعىّ ابى سفيان ، وولَّاه على عليه السلام فارس ، فضبطها وحماها فكتب اليه معاوية يخدعه باستلحاقه اخا له فعلم عليه السلام بذلك فكتب اليه الكتاب .
وغرب السيف : حدّه . والاستفلال : طلب الفل ، ، وهو الثلم وهو كناية عن كسر قوته فى نصح على عليه السلام ، واتيانه من الجهات الأربع : كناية عن تمام حيلته فى الخدعة . قال سفيان الثورى رحمه اللَّه : ما من صباح إلا ويقعد الشيطان على أربعة مراصد ، من بين يدي ، فيقول : لا تخف فانّ اللَّه غفور رحيم . فاقرأ * ( وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) *[1]. ومن خلفى فيخوّفنى الضيعة على مخلَّفي فأقرء : * ( وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها ) *[2]. ومن قبل يميني فيأتينى من جهة الثناء فاقرأ : * ( والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) *[3]. ومن قبل شمالى فياتينى من قبل الشهوات فاقرأ : * ( وحِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ ) *[4].
واما الفلتة من ابى سفيان فى ادعائه اياه فهو : ما روى انّه تكلم يوما بحضرة عمر فأعجب الحاضرين كلامه ، فقال عمرو بن العاص : للَّه ابوه لو كان قرشيا لساق العرب بعصاه ، فقال ابو سفيان : واللَّه انّه لقرشىّ ولو عرفته لعرفت انّه من خير اهلك ، فقال : ومن ابوه فقال : انا واللَّه وضعته فى رحم امه ، فقال : هلا تستلحقه قال : اخاف هذا العبر الجالس ان يخرق علىّ اهابى يعنى عمر . وحديث النفس الوسوسة وكونها نزعة من نزعات الشيطان : باعتبار انّها على غير وجه شرعىّ وفيها اقرار بالزنا . وشبه المتوغَّل فى
[1]سورة طه - 82
[2]سورة هود - 6
[3]سورة القصص - 83
[4]سورة سبأ - 54 .
هذا النسب اى : الداخل فيه بامعان بالواغل ، ووجه الشبه كونه لا يزال مدفعا عنه ، كما يدفع الواغل عن الشراب وكذلك تشبيهه بالنوط المذبذب ، باعتبار انّه لا يستقرّ بنسبه .
والتذبذب التحرّك والتردد .
45 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف الأنصارى ، وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها أمّا بعد يا ابن حنيف : فقد بلغنى أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ ، وغنيّهم مدعو ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه . ألا وإنّ لكلّ مأموم اماما يقتدى به ويستضيء بنور علمه ، ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ، ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينونى بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد . فو اللَّه ما كنزت من دنياكم تبرا ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالى ثوبى طمرا . بلى كانت فى أيدينا فدك من كلّ ما أظلَّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين . ونعم الحكم اللَّه وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مظانّها فى غد جدث تنقطع فى ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ، وحفرة لو زيد فى فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التّراب المتراكم ، وإنّما هى نفسى أروضها بالتّقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق ، ولو شئت لاهتديت الطَّريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هو اى ، ويقودني جشعى إلى تخيّر الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص ، ولا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى ، وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل :
< شعر > وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ < / شعر > أأقنع من نفسى بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم فى مكاره الدّهر أو أكون أسوة لهم فى جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلنى أكل الطَّيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى وأهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضّلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة . وكأنّى بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبى طالب فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران ومنازلة الشّجعان » ألا وإنّ الشّجرة البريّة أصلب عودا ، والرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، والنّباتات البدوية أقوى وقودا وأبطأ خمودا وأنا من رسول اللَّه كالصّنو من الصّنو ، والذّراع من العضد . واللَّه لو تظاهرت العرب على قتالى لما ولَّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها . وسأجهد فى أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس ، والجسم المركوس حتّى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد . إليك عنّى يا دنيا فحبلك على غاربك ، قد انسللت من مخالبك ، وأفلتّ من حبائلك ، واجتنبت الذّهاب فى مداحضك . أين القوم الَّذين غررتهم بمداعبك أين الأمم الَّذين فتنتهم بز خارفك هاهم رهائن القبور ، ومضامين اللَّحود واللَّه لو كنت شخصا مرئيّا ، وقالبا حسّيّا ، لأقمت عليك حدود اللَّه فى عباد غررتهم بالأمانى ، وأمم ألقيتهم فى المهاوى ، وملوك أسلمتهم إلى التّلف وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر . هيهات من وطىء دحضك زلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازورّ عن حبالك وفّق ، والسّالم منك لا يبالى إن ضاق به مناخه ، والدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه . أعزبى عنّى ، فو اللَّه لا أذلّ لك فتستذلَّنى ، ولا أسلس لك فتقودينى ، وايم اللَّه - يمينا برّة أستثنى فيها بمشيئة اللَّه - لأروضنّ نفسى رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولأدعنّ مقلتى كعين ماء نضب معينها مستفرغة دموعها . أتمتلئ السّائمة من رعيها فتبرك وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض ويأكل علىّ من زاده فيهجع قرّت اذا عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة ، والسّائمة المرعيّة طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت فى اللَّيل
غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها ، وتوسّدت كفّها ، فى معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم * ( ( أُولئِكَ حِزْبُ الله ، أَلا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) *[1]. فاتّق اللَّه يا ابن حنيف ، ولتكفك أقراصك ، ليكون من النّار خلاصك .
اقول : المأدبة بالضم : الطعام يدعى اليه .
والعائل : الفقير . والقضم : الأكل . وعلمه اى : علم حله وحرامه . والطمر : الثوب الخلق وطمراه : كانا عمامة ومدرعة قد استحيا من راقعها . وقرصاه : كانا من شعير غير منخول . واراد بالورع هنا : الكف عن المحارم .
والوفر : المال الكثير . وفدك : قرية كانت لرسول اللَّه عليه وآله خاصة صالح اهلها على النصف بعد فتح خيبر ، واجماع الشيعة على انه اعطاها فاطمة عليها السلام فى حياته[2]فلما ولى ابو بكر الخلافة ، عزم على اخذها منها فارسلت اليه تطلب ميراثها من رسول صلى اللَّه عليه وآله ، ويقول : انّه اعطانى فدكا فى حياته ، واستشهدت على ذلك عليا وامّ ايمن ، فشهدا لها بها ، فأجابها عن الميراث بخبر رواه وهو ( نحن معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) وعن دعوى فدك انها لم تكن للنبى صلى اللَّه عليه وآله ، وانما كانت مالا للمسلمين فى يده يحمل به الرجال وينفقه فى سبيل اللَّه وانا اليه ، كما كان يليه فلما بلغها ذلك لاثت واقبلت فى لمّة من حفدتها ، ونساء قومها تطأ فى ذيولها حتى دخلت عليه ومعه ، جلّ المهاجرين والانصار ، فضربت بينها وبينهم قطيفة ، ثم انّت انّة اجهش لها القوم بالبكاء ، ثم امهلت طويلا حتى سكتوا من فورتهم ثم خطبت خطبة طويلة[3]ذكرنا مختصرا منها فى الأصل ، تشتمل على توبيخ الجماعة وتقصيرهم فى حقها ، ثم رجعت الى بيتها ، واقسمت ان لا تكلم ابا بكر ، ولتدعونّ اللَّه عليه[4]، ولم تزل كذلك حتى حضرتها الوفاة ، فاوصت ان لا يصلى عليها ، فصلَّى عليها العباس ودفنت ليلا[5]واشار
[1]سورة المجادلة - 22
[2]الغدير 7 - 194
[3]السقيفة وفدك - 98 . شرح ابن ابى الحديد 16 - 211 . كشف الغمة 1 - 481
[4]الامامة والسياسة 1 - 14 . اعلام النساء 3 - 1215
[5]الغدير 7 - 191 .
بالنفوس التي سخت عنها الى بنى هاشم . وقوله : وانّما هى ، اى : وانما همتى وحاجتى نفسى ، ورياضتها ورياضة النفس مأخوذة من رياضة البهيمة ، وهى منعها عن الاقدام على حركات غير صالحة لصاحبها .
فالقوة الحيوانية التي هى مبدأ الادراكات والافعال ، اذا لم تكن مطيعة للقوّة العاقلة كانت بمنزلة بهيمة لم ترض فهى تتّبع الشهوة تارة ، والغضب اخرى . وتستخدم القوّة العاقلة فى تحصيل مراداتها فتكون هى امّارة ، والعاقلة مؤتمرة . اما اذا راضتها القوة العاقلة حتى صارت مؤتمرة لها متمرّنة على ما يقتضيه العقل العملىّ ، تأتمر بأمره وتنتهى بنهيه كانت العاقلة مطمئنّة لا تفعل افعالا مختلفة المبادى ، وكانت باقى القوى مسالمة لها ، اذا عرفت ذلك فنقول : لما كان الغرض الاقصى من رياضة الانسان نفسه انما هو نيل الكمال الحقيقى ، ولا بدّ له من استعداد ، وكان ذلك الاستعداد موقوفا على زوال الموانع الخارجيّة والدّاخلية ، كانت للرياضة اغراض ثلاثة : احدها ، حذف كل محبوب ومرغوب عدا الحق سبحانه عن القصد ، وهو حذف الموانع الخارجية .
والثاني ، تطويع النفس الامّارة للنفس المطمئنّة فينجذب التخيّل ، والتّوهم عن الجانب السفلى الى العلوىّ ويتبعهما سائر القوى فتزول الدواعى الحيوانيّة ، وهو حذف الموانع الداخلية .
والثالث ، توجيه السّر الى الجنّة العالية لتلقى السوانح الالهية واقتناصها . ويعين على الاوّل الزهد الحقيقى ، وهو الاعراض عن متاع الدنيا ، وطيّباتها بالقلب . وعلى الثاني العبادة المشفوعة بالفكر فى ملكوت السماوات والارض ، وعظمة اللَّه سبحانه والأعمال الصالحة المنويّة لوجهه خالصا ، وعبّر عن هذه الأمور المعيّنة بالتقوى التي يروّض نفسه بها . ونبّه على بعض لوازم الغاية ، بقوله : لتأتى ، الى قوله المزلق : وهو الصراط المستقيم .
والقمح : الحنطة والجشع : اشدّ الحرص على الطعام . والمبطان عظيم البطن من كثرة الأكل . وغرثى : جائعة ، وكبد حرّى : عطشى . وجشوبة العيش : غلظه . التقمّم : تتبع القمامة وهى الكناسة . والاكراش : ملأ الكرش . وسدى اى : مهملا . والمتاهة : موضع التيه والحيرة . والروائع : الاشجار التي تروع بنضارتها . والغدية التي لا يسقيها الَّا المطر .
وشبّه نفسه من رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله بالصنو من الصنو ، وهما : النخلتان يجمعهما اصل واحد ، وهو وجه الشبه . وكذلك تشبيهه منه بالذراع من العضد ووجه الشبه كونه ذرعا[1]عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله فى المعاونة والمعاضدة كالذراع . وتظاهرت : تعاونت . وقوله : لسارعت اليها اى : حين القتال لكفرهم وعداوتهم للحق ، وقبح العفو عنهم حينئذ . واشار بالشخص المعكوس والجسم المنكوس : الى معاوية ، وجعله مجرّد جسم كأنه خال عن النفس الانسانية ، لا تباعه الكمالات الجسمانية دون العقليّة . وكونه منكوسا ومعكوسا : باعتبار التفاته عن الامور العالية وانتكاسه عن تلقى الكمالات الروحانية ، وانعكاس وجه عقله عن القبلة الحقيقية الى تحصيل الدنيا والعناية بها . واستعار لفظ المدرّة : له وحبّ الحصيد للمؤمنين ، ووجه المشابهة : أنه يخلص المؤمنين من وجوده بينهم ، لئلا يفسد عقائدهم ويستغويهم كما يفعله اهل البيادر من تصفية غلَّاتهم من المدر وغيره . واستعار لفظ المداحض وهى المزالق لطرق تحصيلها التي هى مظنّة الزلق ، والوقوع فى الرذائل المهلكة . ولفظ المضامين للموتى : ملاحظة لشبههم فى اللحود بالأجنة فى بطون امّهاتهم . وازورّ أخذ جانبا . واعزبى : ابعدى . وهش الى كذا : انطلق وجهه بشرا به . والهشاشة : طلاقة الوجه . وسلس بالفتح : يسلس بالكسر ، سهل قياده . والمعين : الماء الجارى . والربيضة : الجماعة الرابضة من الغنم . وقوله : وعركت بجنبها بؤسها : كناية عن الصبر على الشدائد ، يقال : عرك فلان بجنبه الاذى : اذا اغضى عمن يؤذيه وصبر عليه . واستعار وصف التقشّع : لزوال الذنوب عن لوح النفس ملاحظة لشبهه بالسحاب المنجاب عن وجه السماء . وباللَّه التوفيق .
46 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى بعض عماله أمّا بعد ، فإنّك ممّن أستظهر به على إقامة الدّين ، وأقمع به نخوة الأثيم وأسدّ به لهاة الثّغر المخوف . فاستعن باللَّه على ما أهمّك ، واخلط الشّدّة بضغث من اللَّين ، وارفق
[1]في ش : فرعا .
ما كان الرّفق أرفق ، واعتزم بالشّدّة حين لا يغنى عنك إلَّا الشّدّة ، واخفض للرّعيّة جناحك ، وابسط لهم وجهك ، وألن لهم جانبك ، وآس بينهم فى اللَّحظة والنّظرة ، والاشارة والتّحيّة ، حتّى لا يطمع العظماء فى حيفك ، ولا ييأس الضّعفاء من عدلك .
اقول : النخوة : الكبر . والأثيم : الآثم . ولفظ اللهاة : مستعار للثغر لحاجته الى من يسدّه ويمنعه كالحيوان المفترس وهو تجريد للاستعارة . والضغث : النصيب من الشيء . واعتزم الرجل الطريق مضى فيه لا ينثني ، واراد ان كلّ امر لا يغنيك فيه الا الشدّة فامض فيه بالشدة . وآس : اى سوّ .
47 - ومن وصيّة له عليه السّلام للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللَّه أوصيكما بتقوى اللَّه ، وأن لا تبغيا الدّنيا وإن بغتكما ، ولا تأسفا على شيء منها زوى عنكما ، وقولا بالحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظَّالم خصما وللمظلوم عونا . أوصيكما ، وجميع ولدى وأهلى ومن بلغه كتابى ، بتقوى اللَّه ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإنّى سمعت جدّكما ، صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، يقول : « صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام » اللَّه اللَّه فى الأيتام ، فلا تغبّوا أفواههم ، ولا يضيعوا بحضرتكم ، واللَّه اللَّه فى جيرانكم ، فإنّهم وصيّة نبيّكم ، ما زال يوصى بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم ، واللَّه اللَّه فى القرآن ، لا يسبقكم بالعمل به غيركم ، واللَّه اللَّه فى الصّلاة ، فإنّها عمود دينكم ، واللَّه اللَّه فى بيت ربّكم ، لا تخلوّه ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا ، واللَّه اللَّه فى الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم فى سبيل اللَّه ، وعليكم بالتّواصل والتّباذل ، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع ، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر فيولَّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم ثم قال : يا بنى عبد المطَّلب لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون : قتل أمير المؤمنين ، ألا لا تقتلنّ بى إلَّا قاتلى .