لا تمسّنّ مال أحد من النّاس مصلّ ولا معاهد إلَّا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام ، فإنّه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك فى أيدى أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه ، ولا تدّخر وأنفسكم نصيحة ، ولا الجند حسن سيرة ولا الرّعيّة معونة ، ولا دين اللَّه قوّة ، وأبلوا فى سبيل اللَّه ما استوجب عليكم ، فانّ اللَّه ، سبحانه ، قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا ، وأن ننصره بما بلغت قوّتنا ، ولا قوّة إلَّا باللَّه .
اقول : السفراء : الرسل . وتحشّموا اى : تغضبوا وتخجّلوا . والمصلَّى : المسلم .
والمعاهد : الذمّى . والشوكة : القوّة . والضمير فى عليهم : لأهل الاسلام . وأبلوا أىّ : اعطوا ، يقال : ابليته معروفا اى : اعطيته . وقوله : اصطنع ، الى قوله : ان نشكره اى : جعل شكرنا له صنيعة عندنا ، ووفقنا لذلك . وقيل : اراد لأن نشكره .
52 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاة أمّا بعد ، فصلَّوا بالنّاس الظَّهر حين تفىء الشّمس مثل مربض العنز ، وصلَّوا بهم العصر والشّمس بيضاء حيّة فى عضو من النّهار حين يسار فيها فرسخان ، وصلَّوا بهم المغرب حين يفطر الصّائم ويدفع الحاجّ ، وصلَّوا بهم العشاء حين يتوارى الشّفق إلى ثلث اللَّيل ، وصلَّوا بهم الغداة والرّجل يعرف وجه صاحبه ، وصلَّوا بهم صلاة أضعفهم ولا تكونوا فتّانين .
أقول : فيء الشمس : رجوعها عن القيام وزوالها . وبيضاء : لم تصفر للمغيب . والعضو هاهنا : القطعة . والضمير فى قوله فيها : اما للشمس او للعضو باعتبار كونه قطعة .
ويدفع الحاج اى : يفيض من عرفات ، ولشهرة هاتين العلامتين عرف الوقت بهما . ويتوارى الشفق اى : من المغرب . وصلاة اضعفهم : كناية عن الصلاة الخفيفة التي يقدر على القيام بها الشيخ الهم والضعيف . وفتانين أى : بإطالة الصلاة والقراءة فانها تشبه الابتلاء بالأمر الشّاق المعجز للضعفاء عن صلاة الجماعة ولزومها .
53 - ومن عهد له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعي رحمه اللَّه ، لما ولاه على مصر واعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن[1]الفصل الأول في بيان بعض وظائف الولاة والأمراء بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم هذا ما أمر به عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر فى عهده إليه ، حين ولَّاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوّها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها .
أمره بتقوى اللَّه ، وإيثار طاعته ، واتّباع ما أمر به فى كتابه : من فرائضه ، وسننه ، الَّتى لا يسعد أحد إلَّا باتّباعها ، ولا يشقى إلَّا مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر اللَّه سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنّه ، جلّ اسمه ، قد تكفّل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزّه .
وأمره أن يكسر نفسه من الشّهوات ويزعها عند الجمحات ، فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، إلَّا ما رحم اللَّه .
ثمّ اعلم ، يا مالك أنّى قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأنّ النّاس ينظرون من أمورك فى مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يستدلّ على الصّالحين بما يجرى اللَّه لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصّالح ، فاملك هواك وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك فإنّ الشّحّ بالنّفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت . وأشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة ، والمحبّة لهم ، واللَّطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك فى الدّين ، أو نظير لك فى الخلق ، يفرط منهم الزّلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم فى العمد والخطإ . فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الَّذى تحبّ أن يعطيك اللَّه من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ووالى الأمر عليك فوقك ،
[1]تصدى الى شرحه ونقله الى سائر اللغات نفر من اعلام العلم والادب . الذريعة 4 - 118 وج 13 - 373 .
واللَّه فوق من ولَّاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ، ولا تنصبنّ نفسك لحرب اللَّه .
فإنّه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ، ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ بعقوبة ، ولا تسر عنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا تقولنّ إنّى مؤمّر آمر فأطاع فإنّ ذلك إدغال فى القلب ، ومنهكة للدّين ، وتقرّب من الغير . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك اللَّه فوقك وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطا من إليك من طماحك ، ويكفّ عنك من غربك ، ويفىء إليك بما عزب عنك من عقلك .
إيّاك ومساماة اللَّه فى عظمته والتّشبّه به فى جبروته ، فإنّ اللَّه يذلّ كلّ جبّار ، ويهين كلّ مختال .
أنصف اللَّه وأنصف النّاس من نفسك ومن خاصّة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيّتك ، فانّك إلَّا تفعل تظلم ومن ظلم عباد اللَّه كان اللَّه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللَّه أدحض حجّته وكان للَّه حربا حتّى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللَّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فانّ اللَّه سميع دعوة المضطهدين وهو للظَّالمين بالمرصاد .
وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها فى الحقّ ، وأعمّها فى العدل وأجمعها لرضا الرّعيّة ، فانّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة .
وليس أحد من الرّعيّة أثقل على الوالى مئونة فى الرّخاء وأقلّ معونة له فى البلاء ، وأكره للانصاف ، وأسأل بالالحاف ، وأقلّ شكرا عند الاعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة وإنّما عماد الدّين وجماع المسلمين .
والعدّة للأعداء العامّة من الأمّة ، فليكن صغوك لهم ، وميلك معهم .
وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب النّاس ، فإنّ فى النّاس عيوبا الوالى أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، واللَّه يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللَّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك . أطلق عن النّاس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وتر ، وتغاب عن كلّ مالا يصحّ لك ، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ، فإنّ السّاعى غاشّ وإن تشبّه بالنّاصحين .
ولا تدخلنّ فى مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جبانا يضعفك عن الأمور ، ولا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور ، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظَّنّ باللَّه إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ، ومن شركهم فى الآثام فلا يكوننّ لك بطانة ، فإنّهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظَّلمة ، وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه : أولئك أخفّ عليك مئونة ، وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفا ، وأقلّ لغيرك إلفا ، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك ، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك وأقلَّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللَّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع . والصق بأهل الورع والصدق ، ثمّ رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الاطراء تحدث الزّهو وتدنى من العزّة .
ولا يكوننّ المحسن والمسىء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ فى ذلك تزهيدا لأهل الاحسان فى الاحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الاساءة وألزم كلَّا منهم ما ألزم نفسه . واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم وتخفيفه المئونات عليهم ، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن منك فى ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظَّنّ برعيّتك ، فانّ حسن الظَّنّ يقطع عنك نصبا طويلا وإنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وإنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده .
ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة ، واجتمعت بها الألفة ، وصلحت عليها الرّعيّة ، ولا تحدثنّ سنّة تضرّ بشىء من ماضى تلك السّنن فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها .
وأكثر مدارسة العلماء ، ومنافثة الحكماء فى تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به النّاس قبلك .
أقول : النخع : قبيلة من مذحج . وجبوة : بدل من مصر . ويزعها : يكفها اى ، يروّض نفسه الامارة بتطويعها للعقل . واستعار لها وصف الجماح : باعتبار خروجها عن طاعة
العقل ، فلا يملكها كالفرس الجموح . ورسم الشح بالنفس : بانّه الانصاف منها ، وهو تعريف له ببعض لوازمه اذ كان الانصاف منها ملازما للضنّة بها عن عذاب اللَّه . ويفرط : يسبق . واراد بالعلل التي تعرض لهم الامور المشغلة الصارفة لهم عمّا ينبغي من اجراء اوامر الوالى على وجوهها . وقوله : ويؤتى على أيديهم : كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممّن يخطى ، وتؤتى الناس أو انفسهم على أيديهم فى خطائهم وعمدهم ، فيدخل عليهم الزلَّات . واستكفاك امرهم : طلب منك كفاية امورهم والقيام بها . وابتلاك : اختبرك بهم . واستعار لفظ الحرب لمقابلة اللَّه بالمعصية . ولا يدي لك أي : لا قوّة لك .
والتبجح : اظهار السرور والبجح بسكون الجيم ، السرور والفرح . والبادرة : حدة الغضب .
والمندوحة : السّعة . والادغال : الافساد ، وكنى به عن رذيلة الكبر والعجب ونحوهما .
والنهك : وهو الضعف . والغير جمع غيرة وهى : الاسم من التغيّر والاشارة الى قوله : تعالى : * ( ( لَه مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ومِنْ خَلْفِه يَحْفَظُونَه مِنْ ) *[1]) والأبّهة : العظم . والخيلاء : الكبر . والطماح : العلو ، واصله ارتفاع البصر . وغربه : حدّته . وعزب غاب . والمساماة : مفاعلة من السّمو . والجبروت : اشد الكبر . والمختال : ذو الخيلاء . وحجّة داحضة : باطلة .
ويجحف برضا العامة اى : يذهب بأصله . والالحاف : شدة الميل والسؤال . وابطأ عذرا اى : اعذارا ومسامحة . وجماع المسلمين : جماعتهم . والصغو : الميل . واشنأهم : ابغضهم . والعورة : القبيحة تبدو من الرجل . والوتر : الحقد . والتغابىّ : التّجاهل . ويزيّن لك الشرة بالجور اذ الحريص فى تحصيل المال وجمعه انّما يشير بما يلائم خلقه فيخرج بالمشار عليه الى رذيلة الشره والجور ، والباء : للاستصحاب . والغريزة الخلق والطبيعة ، وبيان كون الثلاثة عن مبدأ هو : سوء الظن باللَّه ، انّ سوء الظنّ ينشأ عن عدم معرفته تعالى بما هو اهله . فالجاهل به لا يعرفه من جهة ما هو جواد فيّاض بالخيرات لمن استعدّ لذلك ، فيسوء ظنه به ولا يثق به ، بأنه مخلوق عليه عوض ما يبذله فيمنعه ذلك مع ملاحظة الفقر عن البذل ويقوى نفسه الامّارة فى الحرص .
واما الجبان : فيجهله من جهة لطفه بعباده وعنايته بهم ، ولا يعلم سرّ القدر فى الآجال فيسوء ظنه بانه لا يحفظ من التّلف ، ويتصوّر الهلاك فيمنعه ذلك عن الاقدام
[1]سورة الرعد - آية 11 .
فى الحرب ويلزمه رذيلة الجبن . والبطانة : خاصّة الرجل . والآصار : اثقال الآثام جمع اصر وهو الثقل . وعطفا مصدر أحنى ، اى : معنى قوله : واحنى عطفا اى : واحنى حنوا فجعل عطفا : بدل حنوا مصدر من غير اللفظ . وحفلا تك جمع حفلة بالكسر وهى : الجماعة او هي جفلة وهى : الخلوة ، والظهور فى الجماعات . وقوله : واقعا الى قوله : حيث وقع اى : واقعا ذلك القول منه ، والنصيحة وقلَّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان موافقا له او مخالفا . والاطراء : المدح الكثير . والزهو : الكبر . والتدريب : التعويد . وقوله : والزم كلاما : الزم نفسه اى : من مقابلة الاحسان او الاسائة بمثلها . والنصب : التعب .
والمناقشة : المحادثة ، وباللَّه التوفيق .
الفصل الثاني : فى التّنبيه على طبقات الناس ووضع كلّ فى موضعه اللائق به فى الحكمة المدنيّة ، والاشارة الى كل طبقة بالاخرى والى من يستصلح من كلّ صنف ، ويكون أهلا لتلك المرتبة وذلك قوله : واعلم أنّ الرّعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلَّا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض : فمنها جنود اللَّه ، ومنها كتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ومنها عمّال الانصاف والرّفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذّمّة ومسلمة النّاس ، ومنها التّجّار وأهل الصّناعات ، ومنها الطَّبقة السّفلى من ذوى الحاجة والمسكنة ، وكلّ قد سمّى له اللَّه سهمه . ووضع على حدّه فريضته فى كتابه أو سنّة نبيّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - عهدا منه عندنا محفوظا .
فالجنود ، باذن اللَّه ، حصون الرّعيّة ، وزين الولاة ، وعزّ الدّين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرّعيّة إلَّا بهم ، ثمّ لا قوام للحنود إلَّا بما يخرج اللَّه لهم من الخراج الَّذى يقوون به في جهاد عدوّهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم ، ثمّ لا قوام لهذين الصّنفين إلَّا بالصّنف الثّالث من القضاة والعمّال والكتّاب ، لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها ولا قوام لهم جميعا إلَّا بالتّجّار وذوى الصّناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من التّرفّق بأيديهم مالا يبلغه رفق غيرهم ، ثمّ الطَّبقة السّفلى من أهل الحاجة
والمسكنة الَّذين يحقّ رفدهم ومعونتهم وفى اللَّه لكلّ سعة ، ولكلّ على الوالى حقّ بقدر ما يصلحه . فولّ من جنودك أنصحهم فى نفسك للَّه ولرسوله ولامامك ، وأنقاهم جيبا ، وأفضلهم حلما : ممّن يبطىء عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ، ويرأف بالضّعفاء ، وينبو على الأقوياء وممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضّعف .
ثمّ الصق بذوى الأحساب وأهل البيوتات الصّالحة والسّوابق الحسنة ثمّ أهل النّجدة والشّجاعة والسّخاء والسّماحة ، فانّهم جماع من الكرم ، وشعب من العرف ، ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّده الوالدان من ولدهما ، ولا يتفاقمنّ فى نفسك شيء قوّيتهم به ولا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به وإن قلّ ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النّصيحة لك ، وحسن الظَّنّ بك . ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها ، فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه .
وليكن آثر رؤس جندك عندك من واساهم فى معونته ، وأفضل عليهم من جدته ، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتّى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ ، فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ، وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل فى البلاد ، وظهور مودّة الرّعيّة ، وإنّه لا تظهر مودّتهم إلَّا بسلامة صدورهم ، ولا تصحّ نصيحتهم إلَّا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلَّة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم ، فافسح فى آمالهم وواصل فى حسن الثّناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم : فانّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم تهزّ الشّجاع ، وتحرّض النّاكل ، إن شاء اللَّه .
ثمّ اعرف لكلّ امرىء منهم ما أبلى ، ولا تضيفنّ بلاء امرىء إلى غيره ، ولا تقصّرنّ به دون غاية بلائه ، ولا يدعونّك شرف امرىء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعة امرىء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما .
واردد إلى اللَّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ، فقد قال اللَّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله والرَّسُولِ ) ) *[1]فالرّدّ إلى اللَّه : الأخذ بمحكم كتابه ، والرّدّ إلى الرّسول : الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة .
[1]سورة النساء - 59 .
ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك فى نفسك ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى فى الزّلَّة ، ولا يحصر من الفىء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم فى الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلَّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل ، ثمّ أكثر تعاهد قضائه ، وافسح له فى البذل ما يزيل علَّته ، وتقلّ معه حاجته إلى النّاس ، وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك ، فانظر فى ذلك نظرا بليغا ، فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا فى أيدى الأشرار : يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدّنيا .
ثمّ انظر فى أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ، ولا تولَّهم محاباة وأثرة ، فإنّهم جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخّ منهم أهل التّجربة والحياء من أهل البيوتات الصّالحة والقدم فى الإسلام المتقدّمة ، فإنّهم أكرم أخلاقا ، وأصحّ أعراضا ، وأقلّ فى المطامع إشرافا ، وأبلغ فى عواقب الأمور نظرا . ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثمّ تفقّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصّدق والوفاء عليهم ، فانّ تعاهدك فى السّرّ لأمورهم عدوة لهم على استعمال الأمانة والرّفق بالرّعيّة وتحفّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه ، عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة فى بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلَّة ، ووسمته بالخيانة ، وقلَّدته عار التّهمة .
وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإنّ فى صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم الَّا بهم ، لانّ النّاس كلَّهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك فى عمارة الأرض أبلغ من نظرك فى استجلاب الخراج لأنّ ذلك لا يدرك إلَّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلَّا قليلا ، فان شكوا ثقلا أو علَّة أو انقطاع شرب أو بالَّة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم . ولا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به