بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 539


لا تمسّنّ مال أحد من النّاس مصلّ ولا معاهد إلَّا أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام ، فإنّه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك فى أيدى أعداء الإسلام فيكون شوكة عليه ، ولا تدّخر وأنفسكم نصيحة ، ولا الجند حسن سيرة ولا الرّعيّة معونة ، ولا دين اللَّه قوّة ، وأبلوا فى سبيل اللَّه ما استوجب عليكم ، فانّ اللَّه ، سبحانه ، قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا ، وأن ننصره بما بلغت قوّتنا ، ولا قوّة إلَّا باللَّه .
اقول : السفراء : الرسل . وتحشّموا اى : تغضبوا وتخجّلوا . والمصلَّى : المسلم .
والمعاهد : الذمّى . والشوكة : القوّة . والضمير فى عليهم : لأهل الاسلام . وأبلوا أىّ : اعطوا ، يقال : ابليته معروفا اى : اعطيته . وقوله : اصطنع ، الى قوله : ان نشكره اى : جعل شكرنا له صنيعة عندنا ، ووفقنا لذلك . وقيل : اراد لأن نشكره .
52 - ومن كتاب له عليه السّلام إلى أمراء البلاد فى معنى الصلاة أمّا بعد ، فصلَّوا بالنّاس الظَّهر حين تفىء الشّمس مثل مربض العنز ، وصلَّوا بهم العصر والشّمس بيضاء حيّة فى عضو من النّهار حين يسار فيها فرسخان ، وصلَّوا بهم المغرب حين يفطر الصّائم ويدفع الحاجّ ، وصلَّوا بهم العشاء حين يتوارى الشّفق إلى ثلث اللَّيل ، وصلَّوا بهم الغداة والرّجل يعرف وجه صاحبه ، وصلَّوا بهم صلاة أضعفهم ولا تكونوا فتّانين .
أقول : فيء الشمس : رجوعها عن القيام وزوالها . وبيضاء : لم تصفر للمغيب . والعضو هاهنا : القطعة . والضمير فى قوله فيها : اما للشمس او للعضو باعتبار كونه قطعة .
ويدفع الحاج اى : يفيض من عرفات ، ولشهرة هاتين العلامتين عرف الوقت بهما . ويتوارى الشفق اى : من المغرب . وصلاة اضعفهم : كناية عن الصلاة الخفيفة التي يقدر على القيام بها الشيخ الهم والضعيف . وفتانين أى : بإطالة الصلاة والقراءة فانها تشبه الابتلاء بالأمر الشّاق المعجز للضعفاء عن صلاة الجماعة ولزومها .


صفحه 540


53 - ومن عهد له عليه السّلام كتبه للأشتر النخعي رحمه اللَّه ، لما ولاه على مصر واعمالها حين اضطرب أمر محمد بن أبى بكر وهو أطول عهد كتبه وأجمعه للمحاسن[1]الفصل الأول في بيان بعض وظائف الولاة والأمراء بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم هذا ما أمر به عبد اللَّه علىّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر فى عهده إليه ، حين ولَّاه مصر : جباية خراجها ، وجهاد عدوّها ، واستصلاح أهلها ، وعمارة بلادها .
أمره بتقوى اللَّه ، وإيثار طاعته ، واتّباع ما أمر به فى كتابه : من فرائضه ، وسننه ، الَّتى لا يسعد أحد إلَّا باتّباعها ، ولا يشقى إلَّا مع جحودها وإضاعتها ، وأن ينصر اللَّه سبحانه بقلبه ويده ولسانه ، فإنّه ، جلّ اسمه ، قد تكفّل بنصر من نصره ، وإعزاز من أعزّه .
وأمره أن يكسر نفسه من الشّهوات ويزعها عند الجمحات ، فإنّ النّفس أمّارة بالسّوء ، إلَّا ما رحم اللَّه .
ثمّ اعلم ، يا مالك أنّى قد وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأنّ النّاس ينظرون من أمورك فى مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يستدلّ على الصّالحين بما يجرى اللَّه لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذّخائر إليك ذخيرة العمل الصّالح ، فاملك هواك وشحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك فإنّ الشّحّ بالنّفس الإنصاف منها فيما أحبّت أو كرهت . وأشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة ، والمحبّة لهم ، واللَّطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنّهم صنفان : إمّا أخ لك فى الدّين ، أو نظير لك فى الخلق ، يفرط منهم الزّلل ، وتعرض لهم العلل ، ويؤتى على أيديهم فى العمد والخطإ . فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الَّذى تحبّ أن يعطيك اللَّه من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ووالى الأمر عليك فوقك ،


[1]تصدى الى شرحه ونقله الى سائر اللغات نفر من اعلام العلم والادب . الذريعة 4 - 118 وج 13 - 373 .


صفحه 541


واللَّه فوق من ولَّاك وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم ، ولا تنصبنّ نفسك لحرب اللَّه .
فإنّه لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته ، ولا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ بعقوبة ، ولا تسر عنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا تقولنّ إنّى مؤمّر آمر فأطاع فإنّ ذلك إدغال فى القلب ، ومنهكة للدّين ، وتقرّب من الغير . وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك اللَّه فوقك وقدرته منك على مالا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطا من إليك من طماحك ، ويكفّ عنك من غربك ، ويفىء إليك بما عزب عنك من عقلك .
إيّاك ومساماة اللَّه فى عظمته والتّشبّه به فى جبروته ، فإنّ اللَّه يذلّ كلّ جبّار ، ويهين كلّ مختال .
أنصف اللَّه وأنصف النّاس من نفسك ومن خاصّة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيّتك ، فانّك إلَّا تفعل تظلم ومن ظلم عباد اللَّه كان اللَّه خصمه دون عباده ، ومن خاصمه اللَّه أدحض حجّته وكان للَّه حربا حتّى ينزع ويتوب وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللَّه وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فانّ اللَّه سميع دعوة المضطهدين وهو للظَّالمين بالمرصاد .
وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها فى الحقّ ، وأعمّها فى العدل وأجمعها لرضا الرّعيّة ، فانّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة .
وليس أحد من الرّعيّة أثقل على الوالى مئونة فى الرّخاء وأقلّ معونة له فى البلاء ، وأكره للانصاف ، وأسأل بالالحاف ، وأقلّ شكرا عند الاعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة وإنّما عماد الدّين وجماع المسلمين .
والعدّة للأعداء العامّة من الأمّة ، فليكن صغوك لهم ، وميلك معهم .
وليكن أبعد رعيّتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب النّاس ، فإنّ فى النّاس عيوبا الوالى أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، واللَّه يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللَّه منك ما تحبّ ستره من رعيّتك . أطلق عن النّاس عقدة كلّ حقد ، واقطع عنك سبب كلّ وتر ، وتغاب عن كلّ مالا يصحّ لك ، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ، فإنّ السّاعى غاشّ وإن تشبّه بالنّاصحين .


صفحه 542


ولا تدخلنّ فى مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر ، ولا جبانا يضعفك عن الأمور ، ولا حريصا يزيّن لك الشّره بالجور ، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظَّنّ باللَّه إنّ شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ، ومن شركهم فى الآثام فلا يكوننّ لك بطانة ، فإنّهم أعوان الأثمة ، وإخوان الظَّلمة ، وأنت واجد منهم خير الخلف ممّن له مثل آرائهم ونفاذهم ، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممّن لم يعاون ظالما على ظلمه ولا آثما على إثمه : أولئك أخفّ عليك مئونة ، وأحسن لك معونة ، وأحنى عليك عطفا ، وأقلّ لغيرك إلفا ، فاتّخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك ، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ لك وأقلَّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره اللَّه لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع . والصق بأهل الورع والصدق ، ثمّ رضهم على أن لا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله ، فإنّ كثرة الاطراء تحدث الزّهو وتدنى من العزّة .
ولا يكوننّ المحسن والمسىء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ فى ذلك تزهيدا لأهل الاحسان فى الاحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الاساءة وألزم كلَّا منهم ما ألزم نفسه . واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم وتخفيفه المئونات عليهم ، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن منك فى ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظَّنّ برعيّتك ، فانّ حسن الظَّنّ يقطع عنك نصبا طويلا وإنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وإنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده .
ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة ، واجتمعت بها الألفة ، وصلحت عليها الرّعيّة ، ولا تحدثنّ سنّة تضرّ بشىء من ماضى تلك السّنن فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها .
وأكثر مدارسة العلماء ، ومنافثة الحكماء فى تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به النّاس قبلك .
أقول : النخع : قبيلة من مذحج . وجبوة : بدل من مصر . ويزعها : يكفها اى ، يروّض نفسه الامارة بتطويعها للعقل . واستعار لها وصف الجماح : باعتبار خروجها عن طاعة


صفحه 543


العقل ، فلا يملكها كالفرس الجموح . ورسم الشح بالنفس : بانّه الانصاف منها ، وهو تعريف له ببعض لوازمه اذ كان الانصاف منها ملازما للضنّة بها عن عذاب اللَّه . ويفرط : يسبق . واراد بالعلل التي تعرض لهم الامور المشغلة الصارفة لهم عمّا ينبغي من اجراء اوامر الوالى على وجوهها . وقوله : ويؤتى على أيديهم : كناية عن كونهم غير معصومين بل هم ممّن يخطى ، وتؤتى الناس أو انفسهم على أيديهم فى خطائهم وعمدهم ، فيدخل عليهم الزلَّات . واستكفاك امرهم : طلب منك كفاية امورهم والقيام بها . وابتلاك : اختبرك بهم . واستعار لفظ الحرب لمقابلة اللَّه بالمعصية . ولا يدي لك أي : لا قوّة لك .
والتبجح : اظهار السرور والبجح بسكون الجيم ، السرور والفرح . والبادرة : حدة الغضب .
والمندوحة : السّعة . والادغال : الافساد ، وكنى به عن رذيلة الكبر والعجب ونحوهما .
والنهك : وهو الضعف . والغير جمع غيرة وهى : الاسم من التغيّر والاشارة الى قوله : تعالى : * ( ( لَه مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ومِنْ خَلْفِه يَحْفَظُونَه مِنْ ) *[1]) والأبّهة : العظم . والخيلاء : الكبر . والطماح : العلو ، واصله ارتفاع البصر . وغربه : حدّته . وعزب غاب . والمساماة : مفاعلة من السّمو . والجبروت : اشد الكبر . والمختال : ذو الخيلاء . وحجّة داحضة : باطلة .
ويجحف برضا العامة اى : يذهب بأصله . والالحاف : شدة الميل والسؤال . وابطأ عذرا اى : اعذارا ومسامحة . وجماع المسلمين : جماعتهم . والصغو : الميل . واشنأهم : ابغضهم . والعورة : القبيحة تبدو من الرجل . والوتر : الحقد . والتغابىّ : التّجاهل . ويزيّن لك الشرة بالجور اذ الحريص فى تحصيل المال وجمعه انّما يشير بما يلائم خلقه فيخرج بالمشار عليه الى رذيلة الشره والجور ، والباء : للاستصحاب . والغريزة الخلق والطبيعة ، وبيان كون الثلاثة عن مبدأ هو : سوء الظن باللَّه ، انّ سوء الظنّ ينشأ عن عدم معرفته تعالى بما هو اهله . فالجاهل به لا يعرفه من جهة ما هو جواد فيّاض بالخيرات لمن استعدّ لذلك ، فيسوء ظنه به ولا يثق به ، بأنه مخلوق عليه عوض ما يبذله فيمنعه ذلك مع ملاحظة الفقر عن البذل ويقوى نفسه الامّارة فى الحرص .
واما الجبان : فيجهله من جهة لطفه بعباده وعنايته بهم ، ولا يعلم سرّ القدر فى الآجال فيسوء ظنه بانه لا يحفظ من التّلف ، ويتصوّر الهلاك فيمنعه ذلك عن الاقدام


[1]سورة الرعد - آية 11 .


صفحه 544


فى الحرب ويلزمه رذيلة الجبن . والبطانة : خاصّة الرجل . والآصار : اثقال الآثام جمع اصر وهو الثقل . وعطفا مصدر أحنى ، اى : معنى قوله : واحنى عطفا اى : واحنى حنوا فجعل عطفا : بدل حنوا مصدر من غير اللفظ . وحفلا تك جمع حفلة بالكسر وهى : الجماعة او هي جفلة وهى : الخلوة ، والظهور فى الجماعات . وقوله : واقعا الى قوله : حيث وقع اى : واقعا ذلك القول منه ، والنصيحة وقلَّة المساعدة حيث وقع من هواك سواء كان موافقا له او مخالفا . والاطراء : المدح الكثير . والزهو : الكبر . والتدريب : التعويد . وقوله : والزم كلاما : الزم نفسه اى : من مقابلة الاحسان او الاسائة بمثلها . والنصب : التعب .
والمناقشة : المحادثة ، وباللَّه التوفيق .
الفصل الثاني : فى التّنبيه على طبقات الناس ووضع كلّ فى موضعه اللائق به فى الحكمة المدنيّة ، والاشارة الى كل طبقة بالاخرى والى من يستصلح من كلّ صنف ، ويكون أهلا لتلك المرتبة وذلك قوله : واعلم أنّ الرّعيّة طبقات لا يصلح بعضها إلَّا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض : فمنها جنود اللَّه ، ومنها كتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ومنها عمّال الانصاف والرّفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذّمّة ومسلمة النّاس ، ومنها التّجّار وأهل الصّناعات ، ومنها الطَّبقة السّفلى من ذوى الحاجة والمسكنة ، وكلّ قد سمّى له اللَّه سهمه . ووضع على حدّه فريضته فى كتابه أو سنّة نبيّه - صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم - عهدا منه عندنا محفوظا .
فالجنود ، باذن اللَّه ، حصون الرّعيّة ، وزين الولاة ، وعزّ الدّين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرّعيّة إلَّا بهم ، ثمّ لا قوام للحنود إلَّا بما يخرج اللَّه لهم من الخراج الَّذى يقوون به في جهاد عدوّهم ، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم ، ويكون من وراء حاجتهم ، ثمّ لا قوام لهذين الصّنفين إلَّا بالصّنف الثّالث من القضاة والعمّال والكتّاب ، لما يحكمون من المعاقد ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها ولا قوام لهم جميعا إلَّا بالتّجّار وذوى الصّناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمونه من أسواقهم ، ويكفونهم من التّرفّق بأيديهم مالا يبلغه رفق غيرهم ، ثمّ الطَّبقة السّفلى من أهل الحاجة


صفحه 545


والمسكنة الَّذين يحقّ رفدهم ومعونتهم وفى اللَّه لكلّ سعة ، ولكلّ على الوالى حقّ بقدر ما يصلحه . فولّ من جنودك أنصحهم فى نفسك للَّه ولرسوله ولامامك ، وأنقاهم جيبا ، وأفضلهم حلما : ممّن يبطىء عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ، ويرأف بالضّعفاء ، وينبو على الأقوياء وممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضّعف .
ثمّ الصق بذوى الأحساب وأهل البيوتات الصّالحة والسّوابق الحسنة ثمّ أهل النّجدة والشّجاعة والسّخاء والسّماحة ، فانّهم جماع من الكرم ، وشعب من العرف ، ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّده الوالدان من ولدهما ، ولا يتفاقمنّ فى نفسك شيء قوّيتهم به ولا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به وإن قلّ ، فإنّه داعية لهم إلى بذل النّصيحة لك ، وحسن الظَّنّ بك . ولا تدع تفقّد لطيف أمورهم اتّكالا على جسيمها ، فإنّ لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به ، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه .
وليكن آثر رؤس جندك عندك من واساهم فى معونته ، وأفضل عليهم من جدته ، بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتّى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ ، فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك ، وإنّ أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل فى البلاد ، وظهور مودّة الرّعيّة ، وإنّه لا تظهر مودّتهم إلَّا بسلامة صدورهم ، ولا تصحّ نصيحتهم إلَّا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلَّة استثقال دولهم ، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم ، فافسح فى آمالهم وواصل فى حسن الثّناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم : فانّ كثرة الذّكر لحسن أفعالهم تهزّ الشّجاع ، وتحرّض النّاكل ، إن شاء اللَّه .
ثمّ اعرف لكلّ امرىء منهم ما أبلى ، ولا تضيفنّ بلاء امرىء إلى غيره ، ولا تقصّرنّ به دون غاية بلائه ، ولا يدعونّك شرف امرىء إلى أن تعظم من بلائه ما كان صغيرا ، ولا ضعة امرىء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما .
واردد إلى اللَّه ورسوله ما يضلعك من الخطوب ويشتبه عليك من الأمور ، فقد قال اللَّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : * ( ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إِلَى الله والرَّسُولِ ) ) *[1]فالرّدّ إلى اللَّه : الأخذ بمحكم كتابه ، والرّدّ إلى الرّسول : الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة .


[1]سورة النساء - 59 .


صفحه 546


ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك فى نفسك ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحكه الخصوم ، ولا يتمادى فى الزّلَّة ، ولا يحصر من الفىء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفى بأدنى فهم دون أقصاه ، وأوقفهم فى الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلَّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه إطراء ، ولا يستميله إغراء ، وأولئك قليل ، ثمّ أكثر تعاهد قضائه ، وافسح له فى البذل ما يزيل علَّته ، وتقلّ معه حاجته إلى النّاس ، وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصّتك ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك ، فانظر فى ذلك نظرا بليغا ، فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا فى أيدى الأشرار : يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدّنيا .
ثمّ انظر فى أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ، ولا تولَّهم محاباة وأثرة ، فإنّهم جماع من شعب الجور والخيانة ، وتوخّ منهم أهل التّجربة والحياء من أهل البيوتات الصّالحة والقدم فى الإسلام المتقدّمة ، فإنّهم أكرم أخلاقا ، وأصحّ أعراضا ، وأقلّ فى المطامع إشرافا ، وأبلغ فى عواقب الأمور نظرا . ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك . ثمّ تفقّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصّدق والوفاء عليهم ، فانّ تعاهدك فى السّرّ لأمورهم عدوة لهم على استعمال الأمانة والرّفق بالرّعيّة وتحفّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه ، عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة فى بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلَّة ، ووسمته بالخيانة ، وقلَّدته عار التّهمة .
وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإنّ فى صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم الَّا بهم ، لانّ النّاس كلَّهم عيال على الخراج وأهله . وليكن نظرك فى عمارة الأرض أبلغ من نظرك فى استجلاب الخراج لأنّ ذلك لا يدرك إلَّا بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلَّا قليلا ، فان شكوا ثقلا أو علَّة أو انقطاع شرب أو بالَّة أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بها عطش خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم . ولا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به