أقول : التصدير بذكر اللَّه تعالى واجب ، لانّه المبدأ الاوّل لجميع الموجودات بالذات فهو المستحق لقدمه في المراتب الأربع من الموجودات . والحمد يرادف الشكر وقد يفيد ما هو اعمّ منه وهو التعظيم المطلق . والمدحة فعلة من المدح ، وهى الهيئة التي للممدوح يكون المدح عليها ، الفصل الأول في جملة من صفات جلاله ونعوت كماله .
وقد اشار الى جملة من صفات جلاله ونعوت كماله .
فالاوّل من صفات جلاله : عدم بلوغ القائلين مدحته ، وهو اشارة الى تنزّهه تعالى عن اطَّلاع العقول البشرية على كنه وصفه ، كما هو أهله لما علمت انّ ذلك انّما يمكن بالاطَّلاع على كنه ذاته تعالى ، ليستلزم ذلك معرفة مالها من صفات الجلال ونعوت الكمال ، ومعرفة الامور كما هى ، انّما يمكن فيما تركب منها ، ولمّا تنزّه قدسه تعالى عن ذلك لا جرم كانت عقول البشر قاصرة عن هذا المقام ، بل كلّ مرتبة وصلت اليها من اطوار الثناء بحسب قوّتها وامكانها ، فورائها اطوار اخر لا تتناهى ، كما قال سيّد المرسلين صلى اللَّه عليه : لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ، وخصّ القائلين دون المادحين بالذكر ، لكونه أبلغ في التنزيه لانّ القائلين اعمّ من المادحين ، وسلب مدح الاعم مستلزم سلب مدح الاخصّ من غير عكس .
الثاني : عدم احصاء العادّين لنعمائه ، وذلك لكثرتها وعدم تناهيها ، واليه الاشارة بقوله تعالى : * ( ( وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها ) ) *[1].
الثالث : عدم اداء المجتهدين لحقّه ، وذلك لانّه لمّا ثبت انّ نعمه[2]لا تحصى لزم من ذلك عدم تمكن المنعم عليه من مجازاتها واداء حقّه فيها ، ولانّ التوفيق لاداء حقّه نعمة اخرى منه ، ولا يمكن جزاء نعمته بنعمته ، واداء حقّه بما يوجب حقا آخر ، وفى الاثر انّ هذا الخاطر خطر لداود عليه السلام فقال : ( يا ربّ كيف اشكرك وانالا - استطيع ان اشكرك الَّا بنعمة ثانية من نعمك ) فاوحى اللَّه تعالى اليه : ( اذا عرفت انّ النعم منّى رضيت منك بذلك شكرا ) .
الرابع : كونه لا يدركه بعد الهمم البعيدة ، والهمّة هى العزم الجازم وبعدها تعلقها
[1]سورة ابراهيم - 34 .
[2]في نسخة ش : نعمة اللَّه .
بعليّات الامور دون محقراتها ، اى : لا تدركه النفوس ذوات الهمم البعيدة وان امعنت فى الطلب كنه حقيقته ، وقدّم الصفة للعناية بها .
الخامس : كونه لا يناله غوص الفطن ، اى الفطن الغائصة واستعار لفظ الغوص هنا لتعمّق الافهام الثاقبة في بحار صفات جلاله التي لاقرار لها ولا غاية ، واعتبار انّ نعوت كماله التي لا تقف عند حدّ ونهاية .
السادس : كون صفته لا حدّ لها اى : ليس لما تعتبر ، عقولنا له من الصفات نهاية معقولة يكون حدّا لها ، ويحتمل ان يريد انّه لا صفة له فتحّد كقولهم .
ولا ارى الضبّ بها ينحجر اى : لا ضبّ بها فينحجر . وقوله : حدّ محدود ، كقولهم : شعر شاعر .
السابع : ولا لمطلق ما يوصف به ، ايضا نعت بجمعه وينحصر فيه .
الثامن : ولا لصفته وقت معدود ، اى : داخل في العدد[1]، وذلك لتقدّسه تعالى عن احاطة الزمان المتأخر عنه بمراتب .
التاسع : وكذلك ولا أجل ممدود ، لكونه تعالى واجب الوجود دائما .
العاشر : من نعوت كماله ،[2]فطر الخلائق بقدرته ، والفطر : الشقّ والابداع واستعار وصفه لايجاد الخلق ملاحظة لما يتوهّم من شقّ ظلمة العدم بنور وجودهم .
الحادى عشر : كونه نشر الرّياح برحمته ، اى : بسطها لكونها سببا عظيما لبقاء انواع الحيوان والنبات ، وصلاح الأمزجة ونموّها ، واسنده الى رحمته ، لشمولها هذا العالم ، ومن آثارها حملها السحاب المترع بالماء على وفق الحكمة ليصيب الارض الميتة فينبت بها الزرع وتملاء الضرع ، كقوله تعالى : * ( ( وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ) ) *[3]واستقراء كلام العرب يدلّ على استعمالهم لفظ الرياح في الرحمة ، والريح في العذاب .
الثاني عشر : كونه وتدّ بالصخور ميدان ارضه ، اى ارضه المائدة فقدّم الصفة لانّ ذكرها اهمّ ، لكونها سببا في نصب الجبال ، وهو كقوله تعالى : * ( ( وأَلْقى فِي الأَرْضِ رَواسِيَ ) *
[1]في ش : في العدّ .
[2]في نسخة ش : كونه فطر .
[3]سورة الفرقان - 48 .
* ( أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ) ) *[1]وبيان ذلك من وجهين : أحدهما : انّ الارض كرة ، وهذه الجبال جارية مجرى خشونات وتضريسات في وجهها ، فلو لم تكن هذه الجبال حتى كانت الارض كرة حقيقية خالية عنها ، لكانت بحيث تتحرّك بالاستدارة بأدنى سبب لانّ الجرم البسيط المستدير يجب تحرّكه على نفسه ، امّا اذا حصلت هذه الجبال على سطحها وكلّ منها يتوجّه بطبعه وثقله العظيم نحو مركز العالم ، فانّه يجرى مجرى الوتد الذى يمنع كرة الارض من الاستدارة .
الثاني : ما قيل انّ اطلاق لفظ الاوتاد عليها ، استعارة والمقصود من جعلها كالأوتاد فى الارض لكى يهتدى بها على طرقها ، فلا تزيغ جهاته المشتبهة بأهلها ، ولا تميل بهم عن مقاصدها .
الثالث عشر : كون معرفته تعالى اوّل الدين الواجب لزومه .
واعلم انّ المعرفة على مراتب فأدناها ان يعرف العبد انّ له صانعا .
الثانية ، أن يصدّق بوجوده .
الثالثة ، أن يترقّى بجذب العناية الالهية الى توحيده ، وتنزيهه عن الشركاء .
الرابعة مرتبة الاخلاص له ، بالزهد الحقيقى وهو تنحية كل ما سواه ، عن سنن الايثار .
الخامسة مرتبة نفى الصفات عنه وهى غاية العارف .
وكلّ مرتبة من المراتب الاولى مبدء لما بعدها ، وكل من الأربع الاخيرة كمال لما قبلها ، وقد اشار الى هذه المراتب بقوله : وكمال معرفته التصديق به . . . الى قوله : نفى الصفات عنه . وينحل هذا القياس الى قياسات تشبه قياسات المساوات لعدم الشركة بين مقدّمتين[2]كل منهما في تمام الأوسط ، فيحتاج في انتاج كل منهما الى قياس آخر ، والمطلوب من التركيب الاوّل وهو قوله : وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، انّ كمال معرفته توحيده .
[1]سورة النحل - 15 .
[2]في ش : مقدمتي .
ومن تركيب هذه النتيجة مع قوله : وكمال توحيده الاخلاص له ، ومن تركيب هذه مع قوله : وكمال الاخلاص له نفى الصفات عنه ، انّ كمال معرفته نفى الصفات عنه وهو المطلوب .
اذا عرفت ذلك فنقول : يحتمل أن يريد بالمعرفة التي هى اوّل الدين ، المعرفة الناقصة التي هو اوّل متحصّل في النفس من مراتب المعرفة ، ويحتمل أن يريد بها التّامة اذ هى العلَّة الاولى في التصوّر الاجمالى للسّالكين وغاية في السلوك ، وفي اطلاق الكمال هاهنا تنبيه على انّ معرفته تعالى بكنه حقيقته غير ممكنة ، لانّها مقولة بالاشدّ والاضعف فلم تكن ممكنة الَّا بحسب رسوم ناقصة تركبّت من اسلوب واعتبارات اضافية تلزم معقوليته[1]تعالى .
ولما لم تكن متناهية لم[2]تقف المعرفة بحسبها عند كل حدّ ، بل كانت متفاوتة بالزيادة والنقصان والجلاء والخفاء .
وامّا بيان المقدمة الاولى من القياس المذكور ، فلانّ المتصوّر لمعنى الصانع عارف به من تلك الجهة معرفة ناقصة اذ هى من ضرورية كونه موجدا للعالم فكان اعتبار التصديق بوجوده كمالا لتلك المعرفة .
وامّا الثانية فلانّ وجود الواجب تلزمه الوحدة المطلقة اذ لو كان مشتركا بين اثنين لزم ان يتميّز كل منهما بأمر وجودىّ وراء ما به الاشتراك ، فيلزمهما التركيب المستلزم للامكان ، فاذا التصديق بوجوده يلزمه توحيده وتصوّر اللازم كمال لتصوّر ملزومه .
وامّا الثالثة فلانّ اعتبار الغير معه تعالى في المحبّة والقصد اليه ، والاعتماد عليه شرك خفىّ ينافي التوحيد الحقّ وان لم يكن منافيا فهو نقصان فكان عدمه ، والاخلاص للَّه كمال التوحيد له[3].
وامّا الرابعة فقد بيّنها عليه السلام بقياس برهانّى مطوىّ النّتائج استنتج منه ، انّ كل من وصف اللَّه سبحانه فقد جهله .
[1]فى ش : اللَّه تعالى .
[2]في ش بزيادة : لم يمكن أن تقف .
[3]في نسخة ش : كمال توحيده .
وقوله لشهادة كلّ صفة . . . الى قوله : غير الصفة . توطيد للقياس ببيان المغايرة بين الصفة والموصوف ، والشهادة هاهنا شهادة الحال فانّ حال الصّفة تشهد بحاجتها الى الموصوف ، وحال الموصوف يشهد بالاستغناء عنها ، والحالان يشهدان بمغاير تهما لانّ اختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات ، فاما صحّة المقدّمات .
فبيان الاولى : انّ الصفة لما ثبت كونها مغايرة للذات لزم كونها زيادة عليها فلزم اقترانها بها عند فرضها صفة لها .
وبيان الثانية : انّ من قرن ذاته بشىء او اشياء فقد اعتبر في مفهومه امرين او امورا فكانت فيه كثرة .
وبيان الثالثة : انّ كل ذى كثرة فهو مركَّب وكلّ مركب فهو ذو جزء .
وبيان الرابعة : انّ كل ذى جزء فهو ممكن لافتقاره الى جزئه الَّذى هو غيره ، والحاكم بانّ له جزءا ، حاكم بكونه ممكنالا واجبا لذاته فكان جاهلا به ، ونتيجة القياس اذن انّ من وصف اللَّه[1]سبحانه ، فقد جهله وتبيّن به المطلوب وهو انّ كمال الاخلاص له نفى الصفات عنه ، اذ الاخلاص[2]ينافي الجهل به ، فينا في ملزوم الجهل وهو اثبات الصفة له فيتحقّق اذن نفيها .
الرابع عشر : كونه غير مشار اليه ، واراد مطلق الاشارة وبيّن ذلك بقياس هو قوله : ومن اشار اليه . . . الى قوله : فقد عدّه . بيان الاولى ، انّ الاشارة امّا حسيّة او عقلية ، امّا الحسيّة فانها تستلزم الوضع والكون فى المحلّ او الحيّز وما كان كذلك فلا بدّ وان يكون له حدّ او حدود ، وامّا الاشارة العقلية فلانّ المشير الى حقيقة شيء زاعما انّه وجده ، وتصوّره ، فقد أوجب له حدّا يقف ذهنه عنده ، ويميّزه به عن غيره .
وبيان الثانية : انّ من حدّه بالاشارة الحسيّة فقد جعله مركَّبا من أمور معدودة ، اذ الواحد في الوضع ليس مجرّد وحدة فقط والَّا لم تتعلَّق الاشارة الحسيّة به ، بل لا بدّ معها من
[1]في ش : تعالى .
[2]في ش بزيادة : له .
امور اخرى مشخّصة مخصّصة له ، فكان في نفسه معدودا لكثرته من تلك الجهة ، ومن حدّه بالاشارة العقلية فلا بدّ ان يحكم بتركيبه لما علمت انّ كل محدود مركب في المعنى ، فكان ايضا ذا كثرة معدودة فاذن الاشارة المطلقة ممتنعة في حقّه تعالى مستلزمة للجهل به .
الخامس عشر : كونه تعالى غير حالّ في شيء وبيّنه بقوله : ومن قال فيم فقد ضمّنه ، وهو في قوة صغرى ضمير تقدير كبراه ، ومن ضمنه فقد احوجه الى المحل المنافى لوجوب وجوده : امّا الصغرى فلأن فيما سؤال عن الظرف ولا يصحّ ذلك الَّا في المحل . وامّا الكبرى فلأن الحال في المحل ان لم يجب كونه فيه جاز استغناؤه عنه ، والغنىّ عن المحل يستحيل ان يعرض له ، وان وجب كونه فيه كان محتاجا اليه فكان ممكنا وهذا خلف .
السادس عشر : كونه تعالى ليس في مكان ولا في جهة ، واشار اليه بقوله : ومن قال . . . الى قوله : منه ، وهو في قوّة ضمير كالذى قبله ، وتقدير كبراه ، ومن أخلى منه فقد كذّبه ، امّا الصغرى فلانّ السؤال بعلام يستلزم كونه في جهة فوق وذلك يستلزم اخلاء سائر الجهات عنه ، وامّا الكبرى فلقوله تعالى : * ( ( وهُوَ الله فِي السَّماواتِ وفِي الأَرْضِ ) ) *[1]وقوله : * ( ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ) ) *[2]فالمخصّص له بجهة كاذب[3]لذلك .
وانّما خصّص عليه السلام جهة العلوّ بالانكار لكونها هى المتوهّمة للَّه تعالى دون غيرها .
السابع عشر : كونه كائنا لا عن حدث .
واعلم ، انّ الحدوث يقال في الاصطلاح العلمي على معنيين بالاشتراك ، احدهما الحدوث الذاتى ، وهو كون الشيء من حيث هو لا يستحق من ذاته وجودا ولا عدما ، انما يستحق احدهما بأمر خارج عن ذاته وهو معنى يلازم الامكان .
وثانيهما[4]الحدوث الزمانى ، وهو كون الوجود مسبوقا بالعدم سبقا زمانيا ، وهو
[1]سورة الانعام - 3 .
[2]سورة الحديد - 4 .
[3]في ش : مكذب .
[4]في نسخة ش : والثاني .
اخّص من الامكان ويقابله القدم بمعنيين ، اذا عرفت ذلك فاعلم ، انّه عليه السلام نزّهه من هذه القرينة عن الحدوث بالمعنى الاوّل اذ كان تعالى واجب الوجود بذاته ، ودلّ بالكائن على وجوده المجرّد عن الزمان ، وخرج الزمان عن مفهوم كان بالدليل العقلى المانع من لحوق الزمان له ، وكان هنا تامة .
الثامن عشر : كون وجوده لا عن عدم ، وهو اشارة الى تقدّسه عن لحوق الحدوث له بالمعنى الثاني ، وقد استلزم هذان الوصفان اثبات الازلية والقدم بمعنييه له .
التاسع عشر : كونه مع كل شيء لا بمقارنة .
واعلم انّ كونه مع غيره نسبة تعرض له بالقياس الى جميع مخلوقاته ، اذ كلَّها منه ويصدق عليه ذلك بمعنى : انّ ذاته المقدّسة مساوية متصلَّة العلم بكلَّها وجزئها ، لقوله تعالى : * ( ( وهُوَ مَعَكُمْ ) ) * الآية ، لا على وجه المصاحبة في زمان او محلّ او مجاورتها في مكان .
ولما كان مفهوم المقارنة تعتبر فيه الزمان والمكان لا جرم نزّه تلك المعية عنها بقوله : لا بمقارنة .
العشرون : كونه غير كل شيء لا بمزايلة ، ولما كانت المزايلة وهى المفارقة اضافة لا تعقل الَّا بالقياس الى مقارنة وكان في وجوده تعالى وغيريته للأشياء منزّها عن لحوق هاتين الاضافتين لاعتبار الزمان والمكان في مفهوميهما ، لا جرم نفاها عن غيريته للاشياء كما نفى المقارنة عن معيّته لها بل غيريته للاشياء بذاته المقدّسة .
الحادى والعشرون : كونه فاعلا لا بمعنى الحركات والآلة ، اى : لا تدخل الحركة والآلة في فاعليته لكونهما من خواصّ الاجسام المتنزّه قدسه عنها ، ولانّه لو وقف فعله على الآلة لكان بدونها غير مستقلّ فيكون ناقصا بذاته مستكملا بغيره ، وهو محال .
الثاني والعشرون ، كونه بصيرا ، الى قوله : خلقه واراد اثبات البصر[1]له حيث لا مبصر ولما كان تعالى منزّها عن الادراك بآلة البصر ، فمعنى كونه بصيرا كونه عالما
[1]فى هامش النسخة ما لفظه : الفرق بين البصر والباصر ، والعليم والعالم ، والقدير والقادر ، هو أن البصر الذى من شأنه ذلك وان لم يكن هناك ما يبصر اليه ، والباصر هو الذي يدرك بالبصر ما يكون موجودا ، وكذا القول في العليم والعالم والقدير والقادر .
بالمبصرات ، واطلاق لفظ البصير عليه مجاز اطلاقا لاسم المسبب على السبب ، واشار باذ : الى اعتبار الازل فانّه اذن لا مخلوق لما ثبت انّ العالم حادث .
الثالث والعشرون ، كونه متوحّدا ، الى قوله : لفقده ، وهو وصف بتفرّده بالوحدانية لذاته ازلا ، اذ المتوحّد المطلق من له الوحدانية لذاته ، واشار باذ : لاعتبار الازل ايضا .
ولما ثبت انّ العالم حادث ثبت انّه لا سكن في الازل يقارنه ، ولانّه ليس من شأنه ان يكون له أنيس ينفرد عنه ويستوحش لفقده ، اذ الاستيناس والتوحّش يتعلَّقان بميل الطبع ونفرته التابعة للمزاج ، وقد تنزّه تعالى عن ذلك فهو المتفرّد بالوحدانية المطلقة لا بالقياس الى شيء .
الفصل الثاني ، فى نسبة ايجاد العالم الى قدرته تعالى جملة وتفصيلا والاشارة الى كيفية ذلك في معرض مدحه تعالى وذلك قوله : أنشأ الخلق انشاء ، وابتدأه ابتداء ، بلا رويّة أجالها ، ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها . أجال الأشياء لأوقاتها ولاءم بين مختلفاتها ، وغرّز غرائزها ، وألزمها أشباحها عالما بها قبل ابتدائها محيطا بحدودها وانتهائها عارفا بقرائنها وأحنائها . ثمّ أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشقّ الأرجاء ، وسكائك الهواء فأجرى فيها ماء متلاطما تيّاره ، متراكما زخّاره . حمله على متن الرّيح العاصفة ، والزّعزع القاصفة فأمرها بردّه وسلَّطها على شدّه ، وقرنها إلى حدّه الهواء من تحتها فتيق والماء من فوقها دفيق ثمّ أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبّها وأدام مربّها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشأها ، فأمرها بتصفيق الماء الزّخّار ، واثارة موج البحار ، فمخضته مخض السّقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء . تردّ أوّله إلى آخره ، وساجيه إلى مائره حتّى عبّ عبابه . ورمى بالزّبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق وجوّ منفهق ، فسوّى منه سبع سموات ، جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا وعليا هنّ سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا ، بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها ثمّ زيّنها بزينة الكواكب ، وضياء الثّواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا وقمرا منيرا : فى فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم مائر . ثمّ فتق ما بين السّموات العلا ، فملأهنّ أطوارا من ملائكته ، منهم سجود لا يركعون ، وركوع لا ينتصبون ، وصافّون لا يتزايلون ، ومسبّحون لا يسأمون .