ورابعها ، ما هو مثبت في السنّة أخذه مأذون في الكتاب في تركه[1]كالتوجّه الى بيت المقدس في اوّل الاسلام بحكم السنّة ثم نسخ بقوله تعالى : * ( ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ) ) * الآية .
وخامسها ، ما يجب لوقته ، ويزول في مستقبله كواجب الحجّ .
وقوله : ومباين بين محارمه عطف على المجرورات السابقة ، والمحارم محالّ حكم الحرمةاى : وحكم مباين بيّن محالَّه اى : مفروق بينها بالشدّة والضعف والوعيد على بعضها ، والغفران لبعضها ، وقوله : من كبير : تفصيل لها وما اوعد عليه نيرانه كالقتل في قوله تعالى : * ( ( ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ) ) * الآية ، والصّغير : الذى ارصد له غفرانه .
قال الفقهاء : كالتطفيف بالحبّة وسائر الصغائر وارصاد الغفران لها في الكتاب العزيز كقوله تعالى : * ( ( ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وقَدْ ) ) * ونحوه من آيات وعده بالمغفرة[2].
الفصل الرابع منها : في ذكر الحج وفرض عليكم حجّ بيته الحرام ، الَّذى جعله قبلة للأنام ، يردونه ورود الأنعام ، ويألهون إليه ولوه الحمام ، جعله سبحانه علامة لتواضعهم لعظمته ، وإذعانهم لعزّته ، واختار من خلقه سمّاعا أجابوا إليه دعوته ، وصدّقوا كلمته ، ووقفوا مواقف أنبيائه ، وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه : يحرزون الأرباح في متجر عبادته ، ويتبادرون عند موعد مغفرته ، جعله سبحانه وتعالى للإسلام علما ، وللعائذين حرما ، فرض حجّه ، وأوجب حقّه ، وكتب عليكم وفادته فقال سبحانه : * ( ( فِيه آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً ، ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ ) ) * .
اقول : أشار في هذا الفصل الى وجوب حجّ البيت الحرام ومنّة اللَّه تعالى على خلقه
[1]في ش بزيادة او ذلك
[2]في ش : على المغفرة .
بذلك ، والى بعض اسرار وضعه ، والحرام : إمّا بمعنى المحرّم كقوله تعالى : * ( ( عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ) ) * فانّ العرب كانت تحرّم فيه ما تستحلّ في غيره من القتل ، والقتال ، وامّا بمعنى الحرم كزمان وزمن ، لكونه آمنا لمن دخله ومانعا له ، ووجه شبه ورود الناس له بورود الانعام ازدحامهم عليه ومحبّتهم له كازدحام الابل العطاش على الماء .
وقوله : ويألهون اليه ، أى يشتدّ وجدهم به في كل عام ، ويشتاقون الى وروده كما يشتاق الحمام الساكن به اليه عند خروجه ، ومنه قوله : جعله الى قوله : لعزّته ، وذلك انّ العقل لمّا لم يكن ليهتدى الى اسرار اعمال الحجّ لم يكن الباعث عليها في اكثر الخلق الَّا الامر المجرّد ، وقصد امتثاله من حيث هو واجب الاتبّاع فقط وفيه كمال الرقّ وخلوص الانقياد للَّه ، فمن فعل ما أمر به من اعمال الحج كذلك فهو المخلص الذى ظهرت عليه علامات المخلص المتواضع المذعن لجلال اللَّه ربّ العالمين .
ولمّا كان تعالى عالم الغيب والشهادة لم يمكن أن يقال انّ تلك العلامة مما يستفيد بها علما بأحوال عبيده من طاعتهم ومعصيتهم ، فهى علامة لغيرهم من الناس ، وقوله : واختار ، الى قوله : دعوته ، فالسمّاع : جمع سامع وهم الحاجّ[1]في قوله تعالى : * ( ( وأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ ) ) * وفي الخبر انّ ابراهيم عليه السلام لما فرغ من بناء البيت جاءه جبريل عليه السلام فأمره أن يؤذّن في الناس بالحجّ ، فقال ابراهيم : وما يبلغ صوتى ، قال اللَّه : اذّن وعليّ البلاغ ، فعلا ابراهيم المقام ، واشرف به ، حتى صار كاطول الجبال ، واقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا ونادى يا ايّها الناس كتب عليكم الحجّ الى البيت العتيق فاجيبوا ربّكم ، فأجابه من كان في اصلاب الرجال ، وارحام النساء : لبّيك اللَّهم لبّيك . . . وفيه اشارات لطيفة نبّهنا عليها في الأصل[2].
منها انّ اجابة من كان في الأصلاب والأرحام اشارة الى ما كتب بقلم القضاء فى اللوح المحفوظ من طاعة المطيع لهذه الدعوة على لسان ابراهيم عليه السلام ، ومن بعده من الانبياء وهم المراد بالسماع الذين اجابوا دعوته لحجّهم وصدّقوا ما بلَّغه عن ربّه تعالى ، وفي قوله : وقفوا مواقف انبيائه ، وشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه ، استدراج حسن للطباع
[1]في نسخة ش : الحجاج
[2]شرح نهج البلاغة الكبير 1 - 233 .
اللطيفة وجذب لها الى هذه العبادة بذكر التشبيه بالأنبياء والملائكة .
واعلم انّ الطواف المطلوب هو طواف القلب بحضرة الربوبية ، وانّ البيت مثال ظاهر في عالم الشهادة لتلك الحضرة التي هى عالم الغيب ، كما انّ الانسان الظاهر في هذا العالم مثال للانسان الباطن الَّذى لا يشاهد بالبصر وهو في عالم الغيب ، وانّ عالم الشهادة مرقاة ومدرج الى عالم الغيب لمن فتح له باب الرحمة ، والى هذه الموازنة وقعت الاشارة النبوية ، فانّ البيت المعمور في السماء بازاء الكعبة وانّ طواف الملائكة به كطواف الانس بهذا البيت ، ولك ان تسمىّ ذلك البيت والحضرة المقدّسة بالعرش ولما قصرت مرتبة اكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف امروا بالتشبّه بهم بحسب الامكان ، ووعدوا بانّ من تشبّه بقوم فهو منهم ، وكثيرا ما يزداد ذلك التشبّه الى ان يصير المتشبّه في قوّة المشبّه به ، والذى يبلغ تلك المرتبة فهو الَّذى يقال انّ الكعبة تزوره وتطوف به على ما رواه بعض المكاشفين لبعض اولياء اللَّه .
وقوله : يحرزون ، الى قوله : مغفرته . . . استعارة لفظ المتجر للحركات في العبادة ، ولفظ الارباح لثمرتها في الآخرة من كرامة اللَّه .
ولمّا كان الاسلام والحق هو الطريق الى اللَّه تعالى استعار لفظ العلم للحجّ بالنسبة اليه ، لانّ به يكون سلوك طريق اللَّه ، القبلة في الاسلام كالعلم للطريق ، والوفادة القدوم للاسترفاد ، ولفظه مستعار للحجّ لانّه قدوم الى بيت اللَّه طلبا لفضله وثوابه ، والآية لبيان سبب وجوبه وهى خبر في معنى الامر ، وباللَّه التوفيق .
2 - ومن خطبة له عليه السلام بعد انصرافه من صفين أحمده استتماما لنعمته ، واستسلاما لعزّته ، واستعصاما من معصيته وأستعينه فاقة إلى كفايته ، إنّه لا يضلّ من هداه ، ولايئل من عاداه ولا يفتقر من كفاه ، فإنّه أرجح ما وزن ، وأفضل ما خزن . وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له ، شهادة ممتحنا إخلاصها ، معتقدا مصاصها نتمسّك بها أبدا ما أبقانا ، وندّخرها لأهاويل ما يلقانا ، فإنّها عزيمة الايمان ، وفاتحة الإحسان ، و
مرضاة الرّحمن ، ومدحرة الشّيطان . وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالدّين المشهور ، والعلم المأثور والكتاب المسطور ، والنّور السّاطع ، والضّياء اللَّامع ، والأمر الصّادع ، إزاحة للشّبهات ، واحتجاجا بالبيّنات ، وتحذيرا بالآيات ، وتخويفا بالمثلات والنّاس في فتن انجذم فيها حبل الدّين ، وتزعزعت سوارى اليقين ، واختلف النّجر ، وتشتّت الأمر ، وضاق المخرج وعمى المصدر ، فالهدى خامل ، والعمى شامل : عصى الرّحمن ، ونصر الشّيطان ، وخذل الايمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكَّرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه : أطاعوا الشّيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله ، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ، فى فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون ، فى خير دار ، وشرّ جيران نومهم سهاد ، وكحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرّم .
اقول : جعل عليه السلام لحمده تعالى غايتين : احداهما ، الاستتمام لنعمته لاستعداد العبد بشكرها للمزيد منها .
الثانية ، الاستسلام لعزّته وهو : الانقياد لها بكمال الحمد على النعمة وقوله تعالى : * ( ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) ) * الآية ، برهان الاولى وفيه تنبيه على الثانية ، ولما كانت هاتان الغايتان لا تمام لهما بدون عصمته عن ورطات المعاصى والمعونة بكفايته على الدواعى المهلكة ، جعل طلب العصمة غاية اخرى هى الوسيلة الى الاوّلتين ، وعقب ذلك الحمد بطلب المعونة منه على تمام الاستعداد لما طلب[1]، واشار الى علَّة تلك الاستعانة وهى الفاقة الى كفاية دواعى التفريط والافراط بالجذبات الالهية .
وقوله : انّه لا يضلّ ، الى قوله : كفاه ، تعليل لاستعانته على تحصيل الكفاية بكونها مانعة من دواعى طرفى التفريط والافراط ، فيستقيم العبد بها على سواء الصراط ، وذلك هدى اللَّه الذى لا ضلال معه ، وبكونها مانعة من الفقر الى غيره تعالى ، ومن معاداته
[1]هذه الجملة : وعقد ذلك الحمد - لما طلب . غير موجودة في ش .
المستلزمة لعدم النجاة من عباده ، ولفظ المعاداة مجاز فيما يلزمها من البعد عن الرحمة .
ولا يئل اى : لا ينجو . وقوله : فانّه ارجح ، قيل : الضمير راجع الى ما دلّ عليه قوله احمده من المصدر على طريقة قولهم : من كذب كان شرّا له ، ويحتمل ان يعود الى اللَّه . ولفظا الخزن والوزن : مستعاران لعرفانه ، والمعقول منه الراجح في ميزان العقل على كلّ معلوم والمخزون في اسرار النفوس القدسية .
وقوله : فى الشهادة ممتحنا اخلاصها اى : مختبر نفسه في اخلاصها ، وعرائها عن الشبهة والشرك الخفىّ ، ومصاص الشيء : خالصه . وقوله : نتمسّك بها الى آخره ، ومدحرة الشيطان اشارة الى : وجوب التمسّك بها . والاهاويل : الامور المخوفة في الآخرة وعلَّل ذلك الوجوب بأوصاف أربعة .
وهى كونها عزيمة الايمان اى : عقيدته المطلوبة للَّه من خلقه وما زاد عليها كمال لها . ثمّ كونها فاتحة الاحسان اذ بها يستعدّ لاحسان اللَّه في الدّارين ثمّ كونها مرضاة الرحمن اى : محلّ رضاه ، ثم كونها مدحرة للشيطان اى : محل دحره وهو طرده وابعاده ، وذلك انّ غاية الشيطان من الانسان الشرك باللَّه ، والكلمة باخلاص تنفيه بأقسامه ، وتبعد الشيطان عن مراده . واستعار لفظ العلم والنور والضياء : لما جاء به الرسول عليه السلام من الكتاب والسنة لهداية الخلق به في ظلمات الجهل الى صراطه[1]. والامر الصادع الذى شقّ عصا المشركين وصدع صفاتهم . وقوله : ازاحة الى قوله : بالمثلات ، اشارة الى : وجوه مقاصد البعثة فاهمّها ازاحة الشبهات عن قلوب الخلق ، ثم الاحتجاج عليهم بالبيّنات الواضحة والمعجزات ، ثم تحذيرهم بالآيات المنذرة والجذب بها الى المطالب منهم ، ثم تخويفهم بالمثلات : جمع مثلة بفتح الميم وضمّ الثاء ، اى : العقوبات النازلة بالامم السالفة . وقوله : والناس في فتن الى آخره ، يشبه أن يكون كلاما ملتقطا جمعه السيّد على غير نظام ، والواو يحتمل ان يكون للحال والعامل ارسله ، والفتن المذكورة هى فتن العرب فى الجاهليّة وحال البعثة . وخير دار يعنى : مكة . وشرّ حيران يعنى : قريشا . والعالم الملجم : هو من كان عالما بصدق الرسول وبعثته فهو ملجم بلجام التقيّة والخوف .
والجاهل المكرم : هو من كذّبه ونابذه ، ويحتمل ان يكون الواو للابتداء . والذّم لأهل
[1]في ش : صراط اللَّه .
زمانه ، وما هم فيه من الفتن بسبب تفرّق كلمتهم . وذكر من المذامّ الَّتى حصل الناس عليها امورا يرجع حاصلها الى ترك مراسم الشريعة وارتكاب طريق الباطل ، واستعار لفظ الحبل : لما يتمسك به من الدين ، ووصف الجذم وهو القطع : لتركهم التمسّك به ، ولفظ السوارى : لقواعد الدين كالجهاد ، ووصف التزعزع : لعدم استقامته بهم وتخاذلهم عنه ، او لأهل الدين الذين بهم يقوم وتزعزعها لموتهم او خمولهم خوفا من الظالمين . والنجر : الاصل وأراد به ما كان يجمع الناس من الدين الَّذى تفرّقوا عنه ، وغطَّت على اعينهم ظلمات الشبهات عليه ، فضاق المخرج منها عليهم وعمى مصدرهم عنها اى : وعموا عن المصدر ، واسنده الى المفعول مجازا ، وخمول الهدى : سقوط انوار الدين بينهم وعدم استضاءتهم بها فهم مشمولون بالعمى عنه . ونصرة الشيطان : اتّباع آرائه وبذلك يكون عصيان اللَّه ، وخذلان الايمان به ، وانهيار دعائمه اى : سقوطها ومعالم الايمان : آثاره . وتنكرّها : انمحاؤها من القلوب .
والشرك : جمع شركة بفتح الشين والراء ، وهى معظم الطريق واراد بها ادلَّة الدين وأراد بعفائها عدم الاثر بها لعدم سالكها ، ومسالك الشيطان ومناهله : ما يجرّهم اليه من الملاهى واعلامه ولوائه . اما القادة اليه او شبههم القائدة الى الباطل .
وقوله : فى فتن داستهم ، متعلَّق بقوله : سارت ان اتّصل الكلام او بغير ذلك مما لم يذكره السيّد ، واستعار للفتن وصف الدوس والوطى ، ورشح بذكر الاخفاف والاظلاف .
والسنابك : وهى رؤس الحوافر جمع سنبكة ملاحظة لشبهها بالحيوانات المشار اليها فيما تطاءه ، وتيههم اي في ظلمات الجهل ، وفتنتهم ابتلاؤهم بذلك . وقيل : اراد بخير ، دار الشام لانها الأرض المقدّسة ، وبشّر جيران يعنى : القاسطين . وقوله : نومهم سهاد ، وكحلهم دموع : كنايتان عن شدّة اهتمامهم بأحوالهم وعدم استقرارهم من الفتن . وقوله : بارض عالمها ملجم يعنى : نفسه ، وجاهلها مكرم : يريد معاوية . وقيل : اراد بخير ، دار العراق ، وشرّ جيران : اصحابه المستصرخ بهم لتخاذلهم عن اجابته للجهاد .
ومنها يعنى آل النبي عليه الصلاة والسلام :
هم موضع سرّه ، ولجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه : بهم
أقام انحناء ظهره ، وأذهب اربعاد فرائصه .
اقول : اللجأ والملجأ والموئل : المرجع ، وذلك انّهم ناصروه ، واستعار لفظ العيبة لهم باعتبار حفظهم لاسراره وعلومه وهم مرجع حكمه اى : حكمته اذا ضلَّت عنها الخلق ، فمنهم تطلب ، وكذلك لفظ الكهوف ، والجبال باعتبار عصمة الدين بهم من الاضمحلال ، والضمير في اقام ، : للَّه تعالى لانّه هو الذى جعلهم اعوانا وانصارا . وكنى بظهره عن ضعفه في اوّل الاسلام وبارتعاد فرائصه عن خوفه . والفريصة : الَّلحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد من الدّابة ، والضمائر المفردة كلَّها للَّه الَّا في ظهره وفرائصه فانّها للرسول عليه السلام ، وقيل : الجميع عائد الى الرسول ، الَّا في كتبه وهو ضعيف .
ومنها : في المنافقين[1]زرعوا الفجور ، وسقوه الغرور ، وحصدوا الثّبور ، لا يقاس بآل محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله من هذه الامّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا : هم أساس الدّين ، وعماد اليقين : إليهم يفىء الغالى ، وبهم يلحق التّالى . ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة ، الآن إذ رجع الحقّ الى أهله ، ونقل إلى منتقله .
أقول : قيل : اراد معاوية واهل الشام ، وقيل : اهل الجمل ، وقيل : الخوارج ، وهى محتملة واستعار لفظ[2]الزرع : لاعتبار تأصيلهم بالفتنة والخلاف له ، ووصف السقى : لتماديهم فى غفلتهم عن الحق ، ووصف حصد الثبور لهلاكهم وقتلهم بسيفه وهو ثمرة ذلك الزرع او لهلاكهم الاخروى . والثبور : الهلاك ، وقوله : لا يقاس الى قوله احد . . . خرج مخرج الجواب لمفاخرة سبقت من معاوية او غيره . وقوله : ولا يسوّى ، الى آخره ، اشارة الى :
[1]في نسخة ش بزيادة : في المنافقين
[2]في ش : وصف .
فضلهم على غيرهم من وجوه : الاوّل ، كونهم اسبابا لنعمة اللَّه على الخلق وارشادهم اليه ، والمنعم افضل من جهة ما هو منعم خصوصا بمثل هذه النعمة التي لا يمكن جزاؤها .
الثاني ، كونهم اساسا واصلا للدّين .
الثالث ، كونهم عماد اليقين لانهم اسباب ازالة ما يضعفه من الشبهات ، فبهم يقوم كالعماد ولفظه مستعار .
الرابع ، كونهم على الصراط السوىّ ، والمنهج الحق اليهم يرجع من غلا فيه وتجاوزه ، وبهم يلحق من فرط فيه وتخلَّف عنه .
الخامس ، كونهم أهل خصائص الولاية من العلوم ، ومكارم الاخلاق والآيات والكرامات .
السادس ، انّ فيهم وصيّة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، ووراثته وهو ظاهر .
وقوله : الآن ، الى آخره ، يريد بالحق الخلافة ، وفيه ايماء الى انّها كانت في غير اهلها قبله .
3 - ومن خطبة له عليه السلام المعروفة بالشِّقشقية[1]أما واللَّه لقد تقمّصها فلان ، وإنّه ليعلم أنّ محلَّى منها محلّ القطب من الرّحى : ينحدر عنّي السّيل ، ولا يرقى إلىّ الطَّير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا . وطفقت أرتئى بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصّغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه . فرأيت أنّ الصّبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثى نهبا ، حتّى مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان بعده ( ثمّ تمثّل بقول الأعشى ) < شعر > شتّان ما يومى على كورها ويوم حيّان أخى جابر < / شعر >
[1]في نسخة ش بزيادة : وتعرف بالمقمصة .