بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 14

الاعتقادية وتمشّياً مع مبانيهم المذهبية ، إلىٰ تأدية مهمّتهم بإعداد أبحاث مختلفة في شتى مجالات العلوم القرآنية وبيان فضائله وإيضاح أحكامه المشرقة التي تعتبر ركناً أساسياً في تشريع الأحكام.

وكما يستفاد من آراء ونظريات ذوي الاختصاص في شتّىٰ مجالات الفروع العلميّة ، انتقى علماء الدين وكبار الفضلاء ممّا قدّم الأوائل وبيّنوا ما توصلوا إليه بأُطر صالحة وأوعية متناسبة.

وتزامناً مع ازدياد وتعدّد المدارس الكلامية نشأ النزاع والتشاحن حول الآيات القرآنية ، واندلعت مشاجرات لفظيّة ، تبعها التكفير ، وأُصدرت أحكام وفتاوى ثقيلة من قبل أحدهم على الآخر ، وتخاصم أصحاب الرأي والاجتهاد مع أهل الحديث ، وتعرّض مذهب الاعتزال للأشاعرة ، ونشأ اشتباك وتصادم فكري عنيف من قبل أهل الحجاز مع مفكري بغداد ، وكلاهما مع أهل البصرة ، وتصدى هؤلاء الثلاثة لمخالفة مذهب أهل البيتعليهم‌السلام.

وأدّى ذلك لينكب كلّ منهم على مجموعة من الآراء والمعتقدات ، يعول عليها ولا يتجاوزها إلىٰ غيرها.

ووقفت الأنظمة السياسيّة الحاكمة في القرن الأول والثاني والثالث وقوفاً تاماً إلىٰ جانب هذه التكتلات المتسمة بالطابع


صفحه 15

العلمي ، والتي كانت السبب الأساسي لنشوء معظم المشاجرات والخصومات الكلامية في تلك الفترة ، فكانت تحفزهم وتحرضهم على ذلك.

ولا تزال وبعد مضي القرون المتمادية مسألة إيقاد النزاع والخلاف والمشاجرات في أوساط المسلمين عبر إثارة القضايا المبهمة والمشكوكة التي تمهّد الارضيّة لوقوع التفرقة بين الناس والتي تركت آثارها المرّة علىٰ المجتمع الإسلامي ، كما وأنها سلبت منهم التعايش السلمي والترابط الأخوي الذي دعى إليه حجج الله وسفراء العدالة والصدق في ظل مناهجهم السماوية السامية التي جاؤوا بها إلىٰ البشرية.

وفي خضم هذه الصراعات والآراء المتضاربة والمختلفة التي طرحت في المائة الأخيرة كانت الانظار متوجهة إلى فئتين قد انشغلتا بالمشاجرات العقائدية أكثر من الفئات الاُخرى ، والملحوظ أنهما قد تركتا آثاراً متعددة تعبّر عن معتقداتها المذهبيّة.

وممّا لا شك فيه أن الانشغال الذهني بالأُمور والقضايا الهامشيّة يعتبر أفضل فرصة للذين يستهدفون الوصول إلىٰ غاياتهم ومآربهم الخاصة ، ليتمكنوا من خلالها أن يحققوا مبتغياتهم بصورة كاملة.


صفحه 16

والجدير ذكره في هذا المقام أن الطوائف والفرق المخالفة للمذهب الإمامي قد روّجت الافتراءات والتهم الباطلة بأشكال مختلفة وبشتىٰ الوسائل والادعاءات علىٰ أتباع هذا المذهب ، وأثاروا مسألة الدفاع عن القرآن والذب عنه ، بغية الوصول إلى دعم حججهم وماهم عليه ، للتظاهر بأنهم هم المتفردون بدعم ونصرة القرآن الكريم.

وبما أن هذه الندوة تستهدف بيان مسألة اختصاص مذهب الامامية وتفرده عن سائر المذاهب الاسلاميّة في التمسك بالقرآن والالتزام بحاكميته ، فحريّ أن لا أُطيل عليكم أكثر من هذا ، ولندخل معاً في صميم الموضوع.

وقبل أن نشرع بالبحث ، تبدو جملة من الايضاحات المختصرة حول الأدلة الأربعة في تشريع الأحكام ضروريّة ، أشير إليها بصورة مجملة ومختصرة.


صفحه 17

الأدلة الأربعة في التشريع

جُعلت قواعد أدلة الأحكام الشرعية أربعة أركان أصلية ( الكتاب ، السنة ، العقل والاجماع ) وهي التي تُسمّى بالأدلّة الأربعة وتُتخذ ركائز تبنى عليها مناهج البحث.

وفي هذا المجال وقع الاختلاف بين المذاهب الإسلامية في تعيين مصداق كلّ من هذه الأُصول الأربعة ، فعلى سبيل المثال جُعل القياس مكان العقل بين أوساط أبناء العامة ، واعتبر مؤهلاً للعمل به ، ونجد المذهب الحنفي يتمتع بمستوى رفيع لتلقيه والأخذ به بصورة لا يحظى بها المذهب الشافعي ، ولم يصل إلى ذلك الحدّ.

أما الأُصول الثلاثة الأُخرى ، فيتفق المذهب الامامي فيها مع أبناء العامة في اللفظ ، وينتهج كلّ منهم في الاخذ بكلّ من هذه الأُصول الثلاثة مذهباً وطريقاً خاصاً ينتهي في بعض الاحيان إلى


صفحه 18

التباين والافتراق فيما بينهم.

فعلى سبيل المثال : إن الامامية تثق بالاجماع الذي يستكشف منه رأي وقول المعصومعليه‌السلام، وهذه الصورة مما لا نجدها بين أوساط أبناء العامة بالنسبة إلى الاجماع ، وإنما نجدهم يكتفون في ذلك بحديث مجموعة يُعتمد علىٰ قولهم.

أما الركائز الأساسية والرئيسيّة الأخرى فهما الكتاب والسنة :

الكتاب

يعتبر الكتاب السماوي ـ كمصدر أساسي في تشريع الأحكام عند كافة المذاهب الإسلامية ـ بأنه يمتاز بالأسبقية والأفضلية الخاصة عند جميع المذاهب ، وتليه المصادر الأخرى في مكانة تتأخر عنه ، وهذا مما لا يمكننا أن نستبدله بصورة أخرى ، إذ السنة أيضاً تستقي حجّيتها من الكتاب ، وتستقي حجيتها وفقاً لحكمة الله سبحانه وتعالىٰ ، وأيضاً فالأنبياء وأوصياؤهم إنما وجبت طاعتهم على ضوء أوامر القرآن الكريم.

إن القرآن الكريم بصفته خاتم الكتب السماوية وأكمل دستور رباني ، يعتبر أوّل ركيزة أساسية من الأصول الأربعة ، وإن آياته تتمتع بثروة هائلة تستطيع أن تمد مصادر التشريع بالأحكام


صفحه 19

المرتبطة بشؤون الفرد والجماعة.

وبما أن صدور القرآن الكريم من عند الله سبحانه وتعالىٰ أمر مفروغ منه ومسلّم به ، يجد المتمسك بأحكامه المشرقة من هذا المنطلق أن يوليه الثقة والانقياد له ، وأن يكون متمسكاً وملتزماً بأوامره ونواهيه.

وحيث أن هذا الكتاب السماوي يعتبر البرنامج الالهي الأخير المُنزل من قبل الله سبحانه وتعالىٰ لهداية البشريّة ، فيتحتم أن تستوعب أحكامه كافة الفترات الزمنية اللاحقة للعمل به والانتفاع منه ، والبطون المتعددة للقرآن تكفي ليكون له على امتداد العصور والقرون المصاديق البارزة والواضحة علىٰ أرض الواقع ، واتصاف القرآن بالبطون المتعدّدة جعلت دلالة آياته ظنية ، وجعلته مؤهلاً لحمل أوجه ومعاني تلك البطون.

ومن جهة أُخرى أثبتت ضرورة وجود المبيّن والمبلّغ للقرآن هذه الحقيقة بأن الآيات القرآنية ليست بذلك المستوى الذي يستوعبها أو يفطن إلىٰ مغزاها الجميع ، وعندئذ يبرز بوضوح ضرورة وجود من يرفع الحاجة بتبيينه وتفسيره.

وكما قيل إن مسألة وجوب وضرورة وجود المبيّن للقرآن


صفحه 20

(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)[١]تثبت أن استيعاب وتفطّن الآيات غير متاح للناس من دون تبيين وإيضاح.

ويتّضح من لزوم تبيين الوحي هذا الأمر ، بأن الرسول ينبغي أن يحمل على عاتقه مهمة التبيين ، إضافة إلىٰ مسألة تبليغ وعرض الآيات.

وفي نطاق أوسع فقد أُذن للرسول أن يصرّح ويبيّن مجمل ومتشابه الكتاب ، أو يُشير إلىٰ مالم يتطرق إليه القرآن ، ومن ثم نجد وضوحاً في التوجيهات والأحكام الدينيّة والشرعية مما لا نجده في الكتاب وحده.

وتواجد مثل هذه الأحكام في السنة توضّح وتبيّن لنا هذه الحقيقة بأنّ مسألة تبيين الآيات القرآنية هي الّتي توفر المقتضي لبيان وذكر مثل هذه الأحكام ، وذلك لقوله تعالى في سورة الحاقة :(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)[٢]، وهذا يعني أن الرسول لم يكن مأذوناً لبيان أي كلام في مجال التشريع ولم يسمح له أن يشرّع من تلقاء نفسه بما يشاء ، وعلى هذا يدل قوله تعالى :(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ

[١]النحل : ٤٤.[٢]الحاقة : ٤٥ ـ ٤٦.


صفحه 21

يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)[١]، وقوله تعالى :(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ)[٢].

السنّة

عُرف التمسك والالتزام بالسنة ووجوب اتباعها في أوساط المذاهب الإسلاميّة بأنه الأساس والركيزة الثانية في مجال تشريع الأحكام.

ولم يلحظ أي رفض أو إنكار في مجال شرعيته ، ولكن الأمر الجدير بالمتابعة والدراسة بدقة وحيطة في هذا المجال هو مناقشة مدىٰ الاستقلال بالسنة أو صلتها بالكتاب.

وكما بينّا فيما سبق فإن السنة تلزم بالضرورة ـ ومن دون أيّ انفصال ـ أن تكون مبينة لاحكام القرآن المشرقة ، ولا يمكنها الانفصال عن القرآن أبداً.

والملاحظة التي ينبغي الالتفات إليها في مجال تبيين وإيضاح السنة للأحكام القرآنية هي هل يمكن للسنة أن تتعارض أو تتنافى مع الكتاب أم لا ؟

[١]النجم : ٣.[٢]يونس : ١٥.