بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 17

الأدلة الأربعة في التشريع

جُعلت قواعد أدلة الأحكام الشرعية أربعة أركان أصلية ( الكتاب ، السنة ، العقل والاجماع ) وهي التي تُسمّى بالأدلّة الأربعة وتُتخذ ركائز تبنى عليها مناهج البحث.

وفي هذا المجال وقع الاختلاف بين المذاهب الإسلامية في تعيين مصداق كلّ من هذه الأُصول الأربعة ، فعلى سبيل المثال جُعل القياس مكان العقل بين أوساط أبناء العامة ، واعتبر مؤهلاً للعمل به ، ونجد المذهب الحنفي يتمتع بمستوى رفيع لتلقيه والأخذ به بصورة لا يحظى بها المذهب الشافعي ، ولم يصل إلى ذلك الحدّ.

أما الأُصول الثلاثة الأُخرى ، فيتفق المذهب الامامي فيها مع أبناء العامة في اللفظ ، وينتهج كلّ منهم في الاخذ بكلّ من هذه الأُصول الثلاثة مذهباً وطريقاً خاصاً ينتهي في بعض الاحيان إلى


صفحه 18

التباين والافتراق فيما بينهم.

فعلى سبيل المثال : إن الامامية تثق بالاجماع الذي يستكشف منه رأي وقول المعصومعليه‌السلام، وهذه الصورة مما لا نجدها بين أوساط أبناء العامة بالنسبة إلى الاجماع ، وإنما نجدهم يكتفون في ذلك بحديث مجموعة يُعتمد علىٰ قولهم.

أما الركائز الأساسية والرئيسيّة الأخرى فهما الكتاب والسنة :

الكتاب

يعتبر الكتاب السماوي ـ كمصدر أساسي في تشريع الأحكام عند كافة المذاهب الإسلامية ـ بأنه يمتاز بالأسبقية والأفضلية الخاصة عند جميع المذاهب ، وتليه المصادر الأخرى في مكانة تتأخر عنه ، وهذا مما لا يمكننا أن نستبدله بصورة أخرى ، إذ السنة أيضاً تستقي حجّيتها من الكتاب ، وتستقي حجيتها وفقاً لحكمة الله سبحانه وتعالىٰ ، وأيضاً فالأنبياء وأوصياؤهم إنما وجبت طاعتهم على ضوء أوامر القرآن الكريم.

إن القرآن الكريم بصفته خاتم الكتب السماوية وأكمل دستور رباني ، يعتبر أوّل ركيزة أساسية من الأصول الأربعة ، وإن آياته تتمتع بثروة هائلة تستطيع أن تمد مصادر التشريع بالأحكام


صفحه 19

المرتبطة بشؤون الفرد والجماعة.

وبما أن صدور القرآن الكريم من عند الله سبحانه وتعالىٰ أمر مفروغ منه ومسلّم به ، يجد المتمسك بأحكامه المشرقة من هذا المنطلق أن يوليه الثقة والانقياد له ، وأن يكون متمسكاً وملتزماً بأوامره ونواهيه.

وحيث أن هذا الكتاب السماوي يعتبر البرنامج الالهي الأخير المُنزل من قبل الله سبحانه وتعالىٰ لهداية البشريّة ، فيتحتم أن تستوعب أحكامه كافة الفترات الزمنية اللاحقة للعمل به والانتفاع منه ، والبطون المتعددة للقرآن تكفي ليكون له على امتداد العصور والقرون المصاديق البارزة والواضحة علىٰ أرض الواقع ، واتصاف القرآن بالبطون المتعدّدة جعلت دلالة آياته ظنية ، وجعلته مؤهلاً لحمل أوجه ومعاني تلك البطون.

ومن جهة أُخرى أثبتت ضرورة وجود المبيّن والمبلّغ للقرآن هذه الحقيقة بأن الآيات القرآنية ليست بذلك المستوى الذي يستوعبها أو يفطن إلىٰ مغزاها الجميع ، وعندئذ يبرز بوضوح ضرورة وجود من يرفع الحاجة بتبيينه وتفسيره.

وكما قيل إن مسألة وجوب وضرورة وجود المبيّن للقرآن


صفحه 20

(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)[١]تثبت أن استيعاب وتفطّن الآيات غير متاح للناس من دون تبيين وإيضاح.

ويتّضح من لزوم تبيين الوحي هذا الأمر ، بأن الرسول ينبغي أن يحمل على عاتقه مهمة التبيين ، إضافة إلىٰ مسألة تبليغ وعرض الآيات.

وفي نطاق أوسع فقد أُذن للرسول أن يصرّح ويبيّن مجمل ومتشابه الكتاب ، أو يُشير إلىٰ مالم يتطرق إليه القرآن ، ومن ثم نجد وضوحاً في التوجيهات والأحكام الدينيّة والشرعية مما لا نجده في الكتاب وحده.

وتواجد مثل هذه الأحكام في السنة توضّح وتبيّن لنا هذه الحقيقة بأنّ مسألة تبيين الآيات القرآنية هي الّتي توفر المقتضي لبيان وذكر مثل هذه الأحكام ، وذلك لقوله تعالى في سورة الحاقة :(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)[٢]، وهذا يعني أن الرسول لم يكن مأذوناً لبيان أي كلام في مجال التشريع ولم يسمح له أن يشرّع من تلقاء نفسه بما يشاء ، وعلى هذا يدل قوله تعالى :(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ

[١]النحل : ٤٤.[٢]الحاقة : ٤٥ ـ ٤٦.


صفحه 21

يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)[١]، وقوله تعالى :(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ)[٢].

السنّة

عُرف التمسك والالتزام بالسنة ووجوب اتباعها في أوساط المذاهب الإسلاميّة بأنه الأساس والركيزة الثانية في مجال تشريع الأحكام.

ولم يلحظ أي رفض أو إنكار في مجال شرعيته ، ولكن الأمر الجدير بالمتابعة والدراسة بدقة وحيطة في هذا المجال هو مناقشة مدىٰ الاستقلال بالسنة أو صلتها بالكتاب.

وكما بينّا فيما سبق فإن السنة تلزم بالضرورة ـ ومن دون أيّ انفصال ـ أن تكون مبينة لاحكام القرآن المشرقة ، ولا يمكنها الانفصال عن القرآن أبداً.

والملاحظة التي ينبغي الالتفات إليها في مجال تبيين وإيضاح السنة للأحكام القرآنية هي هل يمكن للسنة أن تتعارض أو تتنافى مع الكتاب أم لا ؟

[١]النجم : ٣.[٢]يونس : ١٥.


صفحه 22

السنة : هي قول وفعل وتقرير المعصوم ، ويختص ذلك عند أبناء العامة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فهل هذه الاتجاهات والمصادر الثلاثة من الرسول والامام يمكنها ولو بصورة جزئية أن تقع في عرض الكتاب لتعارضه أو تنافيه ؟

وإجابة على هذا الاستفسار وهذه المسألة التي تتشكل منها المباحث الرئيسية في هذا المجال سنناقش هذا الموضوع وندرس هذه القضيّة تحت عنوان « استقلال السنة في التشريع ».


صفحه 23

استقلال السنة في التشريع

دوّنت في الآونة الأخيرة كتبٌ كثيرة تحت عنوان « التشريع الإسلامي » من قبل شخصيات مختلفة ، إذ هي على الأغلب تصدر كرسائل لنيل درجة الدكتوراه ، وقد دوّن البعض وتحت عنوان « استقلال السنة في التشريع » أبحاثاً حول الاكتفاء الذاتي للكتاب والسنة ، وقد طرحوا وجوهاً ونماذج لاستقلال كلّ منهما ، ومن مجموع أبحاث هذه الكتابات نستوحي أن الحاجز والقضية الشائكة الأساسيّة عندهم هي عدم الاذعان لأخبار وأحاديث العرض على الكتاب ، إذ نجدهم يتهجمون بعنف وبألفاظ متشددة ولاذعة علىٰ هذه المسألة.

وفي الحقيقة فإن قضية عرض الأخبار على الكتاب تعتبر في نظر أبناء العامة رؤية ضالة تسربت إلىٰ التفكير والعقليّة الإسلاميّة عن طريق الزنادقة والروافض والخوارج !!

وكذلك يستشف من أقوال ووجهات نظر كبار العلماء عند أبناء العامة بأن هذا الأسلوب في التفكير عند أوساط أئمتهم وشيوخهم


صفحه 24

يمتاز بخطورة وحساسية خاصة ، إذ نجدهم يواجهون أيّة حركة التفات أو توجه إلى حاكمية القرآن في مقام ردّ أو قبول الأحاديث والأخبار بتكفيرها والردّ عليها ، ونجدهم يظهرون الاشمئزاز والتنفّر من ذلك !!

ومن هنا ينبغي أن نلحظ قضية استقلال السنة ، والتي أصبحت وسيلة تستخدم في الفترة الأخيرة لمهاجمة مذهب أهل البيتعليهم‌السلامفي بيانهم لأحاديث وجوب العرض على الكتاب ، أنها كم تتطابق وتنسجم مع الضوابط والأسس العلمية ، وماهو الميزان لتلقّي وقبول ذلك عند أبناء العامة ؟

إن هذا الاسلوب والنمط في التفكير والرؤية عند مذهب الإمامية وأهل البيتعليهم‌السلاماعتبر مبدءاً مقدّساً ومتقناً ، فاتبعوه بتمام القوة وارتأوا ضرورة أن تتطابق السنة مع الكتاب.

وفي الحقيقة فإن مسألة الحفاظ على السنة تستوجب وتحتّم على الإنسان المؤمن والمتعبد بالشريعة في كافة الفترات الزمنيّة أن يتعامل مع الأحكام الصادرة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمبما يتناسب مع شأنها ومكانتها ، وليتعلمها ويعلّمها للآخرين ، وأن يكون متمسكاً بها.

ومما لا شك فيه ، فإنه كان من المحتّم في بدء الدعوة