المرتبطة بشؤون الفرد والجماعة.
وبما أن صدور القرآن الكريم من عند الله سبحانه وتعالىٰ أمر مفروغ منه ومسلّم به ، يجد المتمسك بأحكامه المشرقة من هذا المنطلق أن يوليه الثقة والانقياد له ، وأن يكون متمسكاً وملتزماً بأوامره ونواهيه.
وحيث أن هذا الكتاب السماوي يعتبر البرنامج الالهي الأخير المُنزل من قبل الله سبحانه وتعالىٰ لهداية البشريّة ، فيتحتم أن تستوعب أحكامه كافة الفترات الزمنية اللاحقة للعمل به والانتفاع منه ، والبطون المتعددة للقرآن تكفي ليكون له على امتداد العصور والقرون المصاديق البارزة والواضحة علىٰ أرض الواقع ، واتصاف القرآن بالبطون المتعدّدة جعلت دلالة آياته ظنية ، وجعلته مؤهلاً لحمل أوجه ومعاني تلك البطون.
ومن جهة أُخرى أثبتت ضرورة وجود المبيّن والمبلّغ للقرآن هذه الحقيقة بأن الآيات القرآنية ليست بذلك المستوى الذي يستوعبها أو يفطن إلىٰ مغزاها الجميع ، وعندئذ يبرز بوضوح ضرورة وجود من يرفع الحاجة بتبيينه وتفسيره.
وكما قيل إن مسألة وجوب وضرورة وجود المبيّن للقرآن
(لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)[١]تثبت أن استيعاب وتفطّن الآيات غير متاح للناس من دون تبيين وإيضاح.
ويتّضح من لزوم تبيين الوحي هذا الأمر ، بأن الرسول ينبغي أن يحمل على عاتقه مهمة التبيين ، إضافة إلىٰ مسألة تبليغ وعرض الآيات.
وفي نطاق أوسع فقد أُذن للرسول أن يصرّح ويبيّن مجمل ومتشابه الكتاب ، أو يُشير إلىٰ مالم يتطرق إليه القرآن ، ومن ثم نجد وضوحاً في التوجيهات والأحكام الدينيّة والشرعية مما لا نجده في الكتاب وحده.
وتواجد مثل هذه الأحكام في السنة توضّح وتبيّن لنا هذه الحقيقة بأنّ مسألة تبيين الآيات القرآنية هي الّتي توفر المقتضي لبيان وذكر مثل هذه الأحكام ، وذلك لقوله تعالى في سورة الحاقة :(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ)[٢]، وهذا يعني أن الرسول لم يكن مأذوناً لبيان أي كلام في مجال التشريع ولم يسمح له أن يشرّع من تلقاء نفسه بما يشاء ، وعلى هذا يدل قوله تعالى :(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ
[١]النحل : ٤٤.[٢]الحاقة : ٤٥ ـ ٤٦.
يُوحَىٰ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ)[١]، وقوله تعالى :(قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ)[٢].
السنّة
عُرف التمسك والالتزام بالسنة ووجوب اتباعها في أوساط المذاهب الإسلاميّة بأنه الأساس والركيزة الثانية في مجال تشريع الأحكام.
ولم يلحظ أي رفض أو إنكار في مجال شرعيته ، ولكن الأمر الجدير بالمتابعة والدراسة بدقة وحيطة في هذا المجال هو مناقشة مدىٰ الاستقلال بالسنة أو صلتها بالكتاب.
وكما بينّا فيما سبق فإن السنة تلزم بالضرورة ـ ومن دون أيّ انفصال ـ أن تكون مبينة لاحكام القرآن المشرقة ، ولا يمكنها الانفصال عن القرآن أبداً.
والملاحظة التي ينبغي الالتفات إليها في مجال تبيين وإيضاح السنة للأحكام القرآنية هي هل يمكن للسنة أن تتعارض أو تتنافى مع الكتاب أم لا ؟
[١]النجم : ٣.[٢]يونس : ١٥.
السنة : هي قول وفعل وتقرير المعصوم ، ويختص ذلك عند أبناء العامة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، فهل هذه الاتجاهات والمصادر الثلاثة من الرسول والامام يمكنها ولو بصورة جزئية أن تقع في عرض الكتاب لتعارضه أو تنافيه ؟
وإجابة على هذا الاستفسار وهذه المسألة التي تتشكل منها المباحث الرئيسية في هذا المجال سنناقش هذا الموضوع وندرس هذه القضيّة تحت عنوان « استقلال السنة في التشريع ».
استقلال السنة في التشريع
دوّنت في الآونة الأخيرة كتبٌ كثيرة تحت عنوان « التشريع الإسلامي » من قبل شخصيات مختلفة ، إذ هي على الأغلب تصدر كرسائل لنيل درجة الدكتوراه ، وقد دوّن البعض وتحت عنوان « استقلال السنة في التشريع » أبحاثاً حول الاكتفاء الذاتي للكتاب والسنة ، وقد طرحوا وجوهاً ونماذج لاستقلال كلّ منهما ، ومن مجموع أبحاث هذه الكتابات نستوحي أن الحاجز والقضية الشائكة الأساسيّة عندهم هي عدم الاذعان لأخبار وأحاديث العرض على الكتاب ، إذ نجدهم يتهجمون بعنف وبألفاظ متشددة ولاذعة علىٰ هذه المسألة.
وفي الحقيقة فإن قضية عرض الأخبار على الكتاب تعتبر في نظر أبناء العامة رؤية ضالة تسربت إلىٰ التفكير والعقليّة الإسلاميّة عن طريق الزنادقة والروافض والخوارج !!
وكذلك يستشف من أقوال ووجهات نظر كبار العلماء عند أبناء العامة بأن هذا الأسلوب في التفكير عند أوساط أئمتهم وشيوخهم
يمتاز بخطورة وحساسية خاصة ، إذ نجدهم يواجهون أيّة حركة التفات أو توجه إلى حاكمية القرآن في مقام ردّ أو قبول الأحاديث والأخبار بتكفيرها والردّ عليها ، ونجدهم يظهرون الاشمئزاز والتنفّر من ذلك !!
ومن هنا ينبغي أن نلحظ قضية استقلال السنة ، والتي أصبحت وسيلة تستخدم في الفترة الأخيرة لمهاجمة مذهب أهل البيتعليهمالسلامفي بيانهم لأحاديث وجوب العرض على الكتاب ، أنها كم تتطابق وتنسجم مع الضوابط والأسس العلمية ، وماهو الميزان لتلقّي وقبول ذلك عند أبناء العامة ؟
إن هذا الاسلوب والنمط في التفكير والرؤية عند مذهب الإمامية وأهل البيتعليهمالسلاماعتبر مبدءاً مقدّساً ومتقناً ، فاتبعوه بتمام القوة وارتأوا ضرورة أن تتطابق السنة مع الكتاب.
وفي الحقيقة فإن مسألة الحفاظ على السنة تستوجب وتحتّم على الإنسان المؤمن والمتعبد بالشريعة في كافة الفترات الزمنيّة أن يتعامل مع الأحكام الصادرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمبما يتناسب مع شأنها ومكانتها ، وليتعلمها ويعلّمها للآخرين ، وأن يكون متمسكاً بها.
ومما لا شك فيه ، فإنه كان من المحتّم في بدء الدعوة
الإسلاميّة ـ لضرورة العمل بالسنة ـ أن يتم الحفاظ والمواظبة على الأقوال والسنن المأثورة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم، وأن يُحاول جهد الامكان وبأتم الصور المراقبة والمحافظة عليها ، ولكن عندما منع الخلفاء التدوين ، وذلك لأجل أغراض ووجهات نظر خاصة ، لم يمكن الوصول إلىٰ السنة الصحيحة وإلى كافة أقوال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم.
فعندها وانطلاقاً لرفع الحاجة وسدّ الافتقار ، ومن أجل الوصول إلى ما يرمون إليه ، عمدوا إلى أمر يقربهم إلى السنة ويوصلهم إليها ، فاختلقوا أمراً لينوب عن ذلك.
ومن هذا المنطلق اعتبروا عمل الصحابي وعمل أهل المدينة في عداد السنة ، وذلك لأن أفعالهم مستقاة من سنة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم.
ومن الواضح أن هذا النمط والأسلوب لتلقي السنة لا يسعه أن يكون مبيناً لها على وجه الحقيقة ، ومن جهة أخرى فهذا التمسك يتم إذا لم يعتر فعل الصحابة أو أهل المدينة عيب أو نقص.
وحيث أن السياسة العامة للسلطة الحاكمة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمانتهجت نهجاً وسبيلاً خاصاً ، وظهرت أحداث ومجريات غير متوقعة وغير مرتقبة في طريق السنة ، عندها لم يبقَ مجالٌ للتمسك بالسنة عبر أفعال هؤلاء.
ومما لا شك فيه فإن أهل بيت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلمولا سيما علي بن
أبي طالبعليهالسلامهم الأولى والأتقن في استيعاب وفهم ومعرفة القرآن والسنة ، وهذا مما اعترف به مخالفوهم ، حيث يقول المناوي في فيض القدير : « قد علم الأولون والآخرون أن فهم كتاب الله منحصر إلى علم علي ، ومن جهل ذلك فقد ضل عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن الحجاب ، حتى يتحقق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء »[١]، فمع هذا الوصف كيف يمكننا القول بأن يكون غيره مقدَّماً عليه في بيان السنة ؟
كما أن التمسك والالتزام بأقوال الصحابة أو أهل المدينة مع كثرة مواطن الضعف الموجودة فيها لن تصل أبداً في المستوى إلى الوثوق والاتكال عليها كما هو الحال في أقوال أهل بيت الرسول صلوات الله عليهم وهم الذين أُذهِب عنهم الرجس وطُهِّروا تطهيراً.
وهذا من مسلّمات قواعد الترجيح في الأخذ بالأخبار والأحاديث والعمل بالسنن من جهة السند والتي تمتلك المستوى الرفيع في وثاقتها والعول عليها.
فبناءً على هذا لا يمكننا الوثوق والاعتماد في تلقّي السنة إلاّ بما جاء عن طريق أهل البيتعليهمالسلامالذين وافق الجميع على طهارتهم وعلوّ شأنهم العلمي.
[١]فيض القدير ٣ : ٤٦.