والطغاة والظلمة ؟
فيستوجب حتميّة وجود أخبار القصاصين والوضاعين والزنادقة في كتب الحديث أن ننتهج لتحكيم وتصحيح السنّة النبويّة أسلوب وطريقة التصفية والتنقية في الأحاديث ، ليمكننا بذلك تمييز ومعرفة مختلقات أيادي بني أمية وموضوعات القصّاص والزنادقة التي قد انتشرت وتبعثرت في كتب الأخبار الذائعة.
ولا يوجد ولن يوجد سبيل أفضل وأكثر وثوقاً وائتماناً من القرآن في هذا المجال.
وهذا الأصل الحاسم والسديد هو من الأصول المسلَّم بها عند مذهب أهل البيتعليهمالسلام، وهو الذي قد عملوا به وساروا عليه ، وهو بصفته ضابطاً وقاعدة لمعرفة الأخبار الصحيحة من الأخبار والأحاديث الضعيفة.
التعارض بين الكتاب والسنة
كما أشرنا فيما سبق فإنه يستحيل وقوع التعارض بين الكتاب والسنة ، إذ لا يسعنا أن نجد تبريراً وتأويلاً منطقياً لذلك ، ولكن أراد بعض أبناء العامة أن يتظاهروا بوجود خلاف وتعارض بين البيان والمبيَّن ، ليستلزم بعد ذلك ضرورة استقلال السنة في تشريع الأحكام ، وليوهموا أن ذلك هو أمر متاح ويمكننا أن نتلقاه ونأخذ به.
ذكر في كتاب مفتاح السنة عن الخولي : « أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلموظيفته البيان ، والبيان غير المبيَّن ، فالبيان مفصل والمبيَّن مجمل ، فكان هناك نوع مخالفة ، فمن اتبع المبيَّن فقد اطاع الله ومن اتبع بيان الرسول لكلام الله فقد أطاع الرسول »[١].
علماً أنه توجد جماعة أُخرى في أوساط أبناء العامة لم يقبلوا هذه الفكرة بهذه الصورة ، فقد جاء في كتاب المدخل لدراسة السنة النبوية : « ما كان للبيان أن يناقض المبيَّن ، ولا الفرع أن يعارض
[١]مفتاح السنة ، محمّد عبد العزيز الخولي : ١٠.
الأصل ، فالبيان النبوي يدور أبداً في فلك الكتاب العزيز لا يتخطاه ، ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبياناته الواضحة »[١].
وأيضاً مسألة لزوم نسخ الكتاب وتخصيصه ، وفي بعض الموارد الأخرى تقديم السنة على الكتاب ، هي من جملة المسائل التي عرضت وطرحت في ساحة الأبحاث العلمية لأبناء العامة ، والتي نشير إلى نماذج منها :
١ ـ يقولون في إرث الأنبياء أن « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » تتعارض مع قوله تعالى :(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)[٢]، وبما أن النسبة الواقعة بينهما هي العموم والخصوص ، فالنتيجة تكون بتقديم الخاص على العام.
وواضح من غير تذكير بأنّ مثل هذه الأكاذيب والافتراءات لا يمكنها أن تعالج المعاريض الأخرى التالية لهذا النص ، إذ إجمالاً اطلاق كلمة « الإرث » تمنع من هذا التخصيص ، ونستوحي من عبارة(وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ)[٣]، ومن جهة أُخرىٰ أن استدلال الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلامبهذه الآية في مواجهتها مع أبي
[١]المدخل لدراسة السنة النبوية للقرضاوي : ١١٧.[٢]الفكر السامي للفاسي ١ / ١٠٦ ، والاية في سورة النساء : ١١ و ١٧٦.[٣]النمل : ١٦.
بكر عند مطالبتها فدك تدل على ما يورثه الأنبياء.
وقد بادر بعض الاعلام في هذا المجال ، ومنهم فخر الاسلام البزدوي الحنفي في كشف الأسرار « قوله : ( اجماع السلف على الاحتجاج بالعموم ) أي بالعام الذي خصّ منه ، فإن فاطمة احتجَّت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى :(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)الآية مع أن الكافر والقاتل وغيرهما خصوا منه ، ولم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها به مع ظهوره وشهرته ، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله : نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة »[١].
ومما لا شك فيه بأنهاعليهاالسلامـ وفق النصوص الصحيحة والمتواترة بين الفريقين ـ « سيّدة نساء أهل الجنة » ، ولا يعقل لسيدة نساء أهل الجنة أن تبادر وتستدل في حياتها الدنيوية بأمور لا تصح.
وكلام فخر الاسلام البزدوي يشير إلى هذا الأمر : بأن القتل والكفر يعتبران من الاسباب المانعة للإرث ، ولا ينكر أحد بين المسلمين ذلك على النقيض من مسألة إرث الأنبياء إذ تفرّد أبو بكر بذكرها ، وقد خالفه كبار الصحابة وفي طليعتهم أهل بيت الرسول
[١]كشف الاسرار عن أصول فخر الاسلام ، البزدوي البخاري ١ : ٦١١ و ٦٢٨.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
صلوات الله عليهم.
٢ ـ ومورد آخر هو قوله تعالى :(فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[١]شأن نزولها كما تصرح أوثق المصادر التفسيرية للفريقين ، أنها نزلت في نكاح المتعة ، ومن هذا المنطلق تعرضت لسخط البعض ، فذهب جماعة إلى القول بنسخها ، ويقول الفخر الرازي في هذا المجال : « المراد بهذا الاية حكم المتعة ، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمهر معلوم لأجل معين فيجامعها »[٢].
وجاء في تفسير أبي حيان : « قال ابن عباس ومجاهد والسدي : إن الآية في نكاح المتعة »[٣].
وفي تفسير أبي السعود : « نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم »[٤].
٣ ـ ونموذج آخر رواية مسلم عن أبي هريرة : « خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق
[١]النساء : ٢٤.[٢]التفسير الكبير ١٠ / ٥٠.[٣]تفسير أبي حيان ٣ / ٢١٨.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبثَّ فيها الدّواب يوم الخميس ، وخلق آدمعليهالسلامبعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخَلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل »[١].
في حين نجد القرآن يشير إلى نقيض مافي هذه الرواية ، وقد جاء فيه أن الأرض والسماء خلقتا في ستة أيام كما يقول تعالى :(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)[٢].
٤ ـ ومن الموارد الأخرىٰ : « لا وصية لوارث »[٣]إذ حكم فيها بنسخ آيات الوصية(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[٤].
٥ ـ وكذلك رواية « البكر بالبكر : جلد مائة وتغريب عام » والآية(فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)[٥].
لأن حاكم الشرع إذا اكتفى بالجلد وحده فقد خالف السنة !
[١]صحيح مسلم : ٤ / ٢١٤٩ برقم ٢٧٨٩.[٢]الأعراف : ٥٣.[٣]الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود ٣ / ١١٤ ، والترمذي ٤ / ٤٣٤ ، وابن ماجه ٢ / ٩٠٥ ، كلهم عن أبي امامة الباهلي ، وبوّب البخاري في الصحيح بهذا اللّفظ فقال : باب لا وصيّة لوارث ، ثمّ ذكر حديث ابن عباس بمعناه ٤ / ٤ ط اسطنبول ، الفكر السامي ١ / ٩٣.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
واذا أراد أن يعمل على ضوء السنة فانه سيخالف الكتاب ، وهذه المسألة هي من نماذج اختلاف الواقع بين شتى المذاهب الاسلامية مع الأحناف[١].
٦ ـ وفي مجال آخر مما يملك النطاق الواسع في التمسك به بين أوساط أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ، هو حديث « إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه » إذ يتعارض مع استدلال عائشة ويخالفه القرآن ، ورواية النهي عن البكاء يرويها عبد الله بن عمر عن أبيه.
ففي البخاري : « قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت لعائشة ما قال عمر : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، فقالت يرحم الله عمر لا والله ! ماحدّث رسول الله إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد ، ولكن قال : إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن :(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)»[٢][٣].
وكذلك الآيات الواردة في المواريث بالنسبة إلى الذكور والإناث والقول بالتعصيب[٤]في تقسيم الفرائض.
[١]اعلام الموقعين ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٩٦.[٢]الأنعام : ١٦٤.[٣]صحيح البخاري : كتاب الجنائز رقم ١٢٨٨.[٤]والقول بالتعصيب هو القول بحرمان النساء من الإرث فيما زاد على الفريضة وذلك
فجاء في التنزيل :(لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[١].
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ)[٢].
والآيتان المذكورتان تنافيان القول بالتعصيب في روايتهم : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر » ، مع أن أصحاب الفرائض في طبقاتهم المقدّرة محفوظة لا يتجاوزون الأخرى ، والقول بالتعصيب في « فما بقي لاُولى رجل ذكر » ينافي « أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
وتحري الدقة والتمعن في هذا الأمر وفي الكلمات الأُخرى توصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي أن فقدان الأُصول الثابتة وعدم امتلاك المباني والأسس المتينة والمستحكمة هو السبب في نشوء هذه الفجوة وهذا الخلل والتنافر في الرؤى ومنهج التفكير ، ولا يمكن أيضاً أن نتصور غير ذلك في مثل هذه الحالة.
في التركة التي تبقى بعد التقسيم ، والقول به يختص بأهل السنة وأهل الجاهلية حيث يخصصون الأرث بالرجال دون النساء كما لا يخفى.
[١]النساء : ٧.[٢]الأنفال : ٧٥ والأحزاب : ٦.