التعارض بين الكتاب والسنة
كما أشرنا فيما سبق فإنه يستحيل وقوع التعارض بين الكتاب والسنة ، إذ لا يسعنا أن نجد تبريراً وتأويلاً منطقياً لذلك ، ولكن أراد بعض أبناء العامة أن يتظاهروا بوجود خلاف وتعارض بين البيان والمبيَّن ، ليستلزم بعد ذلك ضرورة استقلال السنة في تشريع الأحكام ، وليوهموا أن ذلك هو أمر متاح ويمكننا أن نتلقاه ونأخذ به.
ذكر في كتاب مفتاح السنة عن الخولي : « أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلموظيفته البيان ، والبيان غير المبيَّن ، فالبيان مفصل والمبيَّن مجمل ، فكان هناك نوع مخالفة ، فمن اتبع المبيَّن فقد اطاع الله ومن اتبع بيان الرسول لكلام الله فقد أطاع الرسول »[١].
علماً أنه توجد جماعة أُخرى في أوساط أبناء العامة لم يقبلوا هذه الفكرة بهذه الصورة ، فقد جاء في كتاب المدخل لدراسة السنة النبوية : « ما كان للبيان أن يناقض المبيَّن ، ولا الفرع أن يعارض
[١]مفتاح السنة ، محمّد عبد العزيز الخولي : ١٠.
الأصل ، فالبيان النبوي يدور أبداً في فلك الكتاب العزيز لا يتخطاه ، ولهذا لا توجد سنة صحيحة ثابتة تعارض محكمات القرآن وبياناته الواضحة »[١].
وأيضاً مسألة لزوم نسخ الكتاب وتخصيصه ، وفي بعض الموارد الأخرى تقديم السنة على الكتاب ، هي من جملة المسائل التي عرضت وطرحت في ساحة الأبحاث العلمية لأبناء العامة ، والتي نشير إلى نماذج منها :
١ ـ يقولون في إرث الأنبياء أن « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » تتعارض مع قوله تعالى :(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)[٢]، وبما أن النسبة الواقعة بينهما هي العموم والخصوص ، فالنتيجة تكون بتقديم الخاص على العام.
وواضح من غير تذكير بأنّ مثل هذه الأكاذيب والافتراءات لا يمكنها أن تعالج المعاريض الأخرى التالية لهذا النص ، إذ إجمالاً اطلاق كلمة « الإرث » تمنع من هذا التخصيص ، ونستوحي من عبارة(وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ)[٣]، ومن جهة أُخرىٰ أن استدلال الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراءعليهاالسلامبهذه الآية في مواجهتها مع أبي
[١]المدخل لدراسة السنة النبوية للقرضاوي : ١١٧.[٢]الفكر السامي للفاسي ١ / ١٠٦ ، والاية في سورة النساء : ١١ و ١٧٦.[٣]النمل : ١٦.
بكر عند مطالبتها فدك تدل على ما يورثه الأنبياء.
وقد بادر بعض الاعلام في هذا المجال ، ومنهم فخر الاسلام البزدوي الحنفي في كشف الأسرار « قوله : ( اجماع السلف على الاحتجاج بالعموم ) أي بالعام الذي خصّ منه ، فإن فاطمة احتجَّت على أبي بكر في ميراثها من أبيها بعموم قوله تعالى :(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)الآية مع أن الكافر والقاتل وغيرهما خصوا منه ، ولم ينكر أحد من الصحابة احتجاجها به مع ظهوره وشهرته ، بل عدل أبو بكر في حرمانها إلى الاحتجاج بقوله : نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركناه صدقة »[١].
ومما لا شك فيه بأنهاعليهاالسلامـ وفق النصوص الصحيحة والمتواترة بين الفريقين ـ « سيّدة نساء أهل الجنة » ، ولا يعقل لسيدة نساء أهل الجنة أن تبادر وتستدل في حياتها الدنيوية بأمور لا تصح.
وكلام فخر الاسلام البزدوي يشير إلى هذا الأمر : بأن القتل والكفر يعتبران من الاسباب المانعة للإرث ، ولا ينكر أحد بين المسلمين ذلك على النقيض من مسألة إرث الأنبياء إذ تفرّد أبو بكر بذكرها ، وقد خالفه كبار الصحابة وفي طليعتهم أهل بيت الرسول
[١]كشف الاسرار عن أصول فخر الاسلام ، البزدوي البخاري ١ : ٦١١ و ٦٢٨.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
صلوات الله عليهم.
٢ ـ ومورد آخر هو قوله تعالى :(فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)[١]شأن نزولها كما تصرح أوثق المصادر التفسيرية للفريقين ، أنها نزلت في نكاح المتعة ، ومن هذا المنطلق تعرضت لسخط البعض ، فذهب جماعة إلى القول بنسخها ، ويقول الفخر الرازي في هذا المجال : « المراد بهذا الاية حكم المتعة ، وهي عبارة عن أن يستأجر الرجل المرأة بمهر معلوم لأجل معين فيجامعها »[٢].
وجاء في تفسير أبي حيان : « قال ابن عباس ومجاهد والسدي : إن الآية في نكاح المتعة »[٣].
وفي تفسير أبي السعود : « نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم »[٤].
٣ ـ ونموذج آخر رواية مسلم عن أبي هريرة : « خلق الله عز وجل التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد ، وخلق
[١]النساء : ٢٤.[٢]التفسير الكبير ١٠ / ٥٠.[٣]تفسير أبي حيان ٣ / ٢١٨.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبثَّ فيها الدّواب يوم الخميس ، وخلق آدمعليهالسلامبعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخَلق من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل »[١].
في حين نجد القرآن يشير إلى نقيض مافي هذه الرواية ، وقد جاء فيه أن الأرض والسماء خلقتا في ستة أيام كما يقول تعالى :(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)[٢].
٤ ـ ومن الموارد الأخرىٰ : « لا وصية لوارث »[٣]إذ حكم فيها بنسخ آيات الوصية(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ)[٤].
٥ ـ وكذلك رواية « البكر بالبكر : جلد مائة وتغريب عام » والآية(فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)[٥].
لأن حاكم الشرع إذا اكتفى بالجلد وحده فقد خالف السنة !
[١]صحيح مسلم : ٤ / ٢١٤٩ برقم ٢٧٨٩.[٢]الأعراف : ٥٣.[٣]الحديث بهذا اللفظ رواه أبو داود ٣ / ١١٤ ، والترمذي ٤ / ٤٣٤ ، وابن ماجه ٢ / ٩٠٥ ، كلهم عن أبي امامة الباهلي ، وبوّب البخاري في الصحيح بهذا اللّفظ فقال : باب لا وصيّة لوارث ، ثمّ ذكر حديث ابن عباس بمعناه ٤ / ٤ ط اسطنبول ، الفكر السامي ١ / ٩٣.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
واذا أراد أن يعمل على ضوء السنة فانه سيخالف الكتاب ، وهذه المسألة هي من نماذج اختلاف الواقع بين شتى المذاهب الاسلامية مع الأحناف[١].
٦ ـ وفي مجال آخر مما يملك النطاق الواسع في التمسك به بين أوساط أتباع ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب ، هو حديث « إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه » إذ يتعارض مع استدلال عائشة ويخالفه القرآن ، ورواية النهي عن البكاء يرويها عبد الله بن عمر عن أبيه.
ففي البخاري : « قال ابن عباس : فلما مات عمر ذكرت لعائشة ما قال عمر : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، فقالت يرحم الله عمر لا والله ! ماحدّث رسول الله إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد ، ولكن قال : إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ، وقالت : حسبكم القرآن :(وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)»[٢][٣].
وكذلك الآيات الواردة في المواريث بالنسبة إلى الذكور والإناث والقول بالتعصيب[٤]في تقسيم الفرائض.
[١]اعلام الموقعين ٢ / ٣٨٠ ـ ٣٩٦.[٢]الأنعام : ١٦٤.[٣]صحيح البخاري : كتاب الجنائز رقم ١٢٨٨.[٤]والقول بالتعصيب هو القول بحرمان النساء من الإرث فيما زاد على الفريضة وذلك
فجاء في التنزيل :(لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)[١].
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ)[٢].
والآيتان المذكورتان تنافيان القول بالتعصيب في روايتهم : « ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي لأولى رجل ذكر » ، مع أن أصحاب الفرائض في طبقاتهم المقدّرة محفوظة لا يتجاوزون الأخرى ، والقول بالتعصيب في « فما بقي لاُولى رجل ذكر » ينافي « أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله » وتفصيل ذلك في كتب الفقه.
وتحري الدقة والتمعن في هذا الأمر وفي الكلمات الأُخرى توصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي أن فقدان الأُصول الثابتة وعدم امتلاك المباني والأسس المتينة والمستحكمة هو السبب في نشوء هذه الفجوة وهذا الخلل والتنافر في الرؤى ومنهج التفكير ، ولا يمكن أيضاً أن نتصور غير ذلك في مثل هذه الحالة.
في التركة التي تبقى بعد التقسيم ، والقول به يختص بأهل السنة وأهل الجاهلية حيث يخصصون الأرث بالرجال دون النساء كما لا يخفى.
[١]النساء : ٧.[٢]الأنفال : ٧٥ والأحزاب : ٦.
جستجوترجمهخلاصه سازیاعراب گذاری
وأيضاً ففي الأبحاث المرتبطة بحجية الخبر ، وفي تعارض الخبرين يتعلق ويرتبط تصحيح واستقرار التعارض على أصل صدور الخبر ، وإذا وقع أحد الأخبار في مخمصة ، أو واجه مانعاً أو حاجزاً في مرحلة الصدور ، فعندئذ لا يسعنا أن نعتبره طرفاً للمعارضة ، وممّا لا شك فيه أن أحد السبل لتمييز ومعرفة صدور الخبر هي موافقته أو عدم مخالفته للقرآن ، إذ هذا الأمر بصفته أوثق وأتقن سبيل معروف في هذا المجال.
وفي كتب الأصول لأبناء العامة ، كأصول السرخسي[١]، وكشف الأسرار[٢]، والتقرير والتحبير[٣]، والتيسر والتحرير[٤]، وإرشاد الفحول[٥]أيضاً عرّف التعارض بمعنى تمانع الدليلين ، إذ ينفي كلّ من الدليلين موضوع الدليل الآخر ، وللأسف لم يلحظ في أي كتاب من هذه الكتب مسألة المخالفة مع الكتاب أو الموافقة معه ، وفي جملة من الموارد بادر البعض الى الاستهزاء بالأخبار والأحاديث المرتبطة بهذا الباب واعتبروها مردودة ومرفوضة.
[١]أُصول السرخسي ٢ / ٢٤٢.[٢]كشف الأسرار عن أصول فخر الاسلام البزدوي ٤ / ٨٨ ـ ٩٥.