واعترض عليه السيد الخال الاستاذ[1]حشره الله مع أجداده الامجاد : قائلا بعد نقله عبارة الحدائق كما وقفت عليها.
( وفيه ) مع امكان تنزيل الحزن والمأتم هنا على ما هو المقرر في آدابه في الشرع التي ليس منها لبس السواد ان معارضة ما دل على رجحان الحزن وكراهة السواد نظير معارضة دليل حرمة الغناء من المحرم ورجحان رثاء الحسين[2]7وكلما كان من هذا القبيل يفهم المتشرعة منهما تقييد الراجح بغير الممنوع في الشرع حرمة أو كراهة من غير فرق خصوصاً وقد ورد أنه لا يطاع الله من حيث يعصى كما في الاخبار وليس ما نحن وما أشبه الامثل رجحان قضاء اجابة المسؤول
[1]في البرهان القاطع كتاب الصلاة في باب لباس المصلى فراجع ولاحظ.
[2]ذهب الى الجواز جماعة كما صرح بذلك صاحب مشارق الاحكام قال في ص 151 منه وفي مجمع الفائدة جعل ترك الغناء في مراثي الحسين (ع) أحوط مشعراً بميله إلى الجواز ونقل عن المحقق السبزواري ره في الكفاية انه قال في موضع آخر واستثنى بعضهم مراثي الحسين (ع) الى أن قال وهو غير بعيد.
كما حكى الاباحة عن والده المحقق النراقي صاحب المستند قده حيث قال : واختار والدي العلامة ره اباحته في جميع ما ذكر من المستثنيات من القرآن والذكر والمناجات والدعاء والرئاء.
واختار ذلك هو قده في ص 158 حيث قال في المستثنيات ومنها الغناء في مراثي سيد الشهداء وغيره من الحجج وأولادهم : وأصحابهم رحمهم الله تعالى والحق فيه الاباحة فلاحظ وراجع.
( أقول ) هذا ولا يخفى ان المشهور بل المجمع عليه حرمة الغناء مطقاً كما هو مذكور في محله.
وحرمة فعل الزنا فيما اذا سئل من الانسان الاقدام على الزنا[1]فان كان يتأمل هناك في عدم ارادة نحو الزنا واللواط وغيرها من المحرمات من اجابة المسئول وقضاء الحوائج فيتأمل هنا.
وتفاوت الحرمة والكراهة غير فارق في فهم الشمول وعدمه مؤيداً في المقام بأنه لو رجح السواد للمأتم لنقل عنهم كما نقل سائر آداب مأتم الحسين7والحزن في مصابه انتهى كلامه رفع في الخلد مقامه.
ولا يخفى أن تحقيق الحق في المقام على وجه يتضح به المرام يقتضى اولا التعرض لنقل ما ورد في الباب عن أئمة الانام الاعلام عليهم من الله الملك العلام أفضل الصلاة والسلام ثم ملاحظة ما اشتمل عليه من المضامين والاحكام لينكشف به الحق ويسفر اسفرار الصبح دجايا الظلام.
فنقول : روى غير واحد عن ثقة الاسلام الكليني1في الكافي[2]عن أحمد بن محمد رفعه عن ابي عبدالله7: قال : يكره السواد الا في ثلاثة الخف والعمامة والكساء :
[1]التمثيل خارج عما نحن فيه حيث ان طلب السائل محرم عليه ولا يجوز له السئوال بذلك فكيف تكون اجابته مستحباً : قال في مشارق الاحكام ص 161 في جواب معاصره ما هذا نصه : وأما التنظير بالزنا في حصول قضاء حاجة المؤمن به فلا مناسبة له بالمقام فان أصل الحاجة وهي الزنا محرمة على المحتاج فكيف يحسن قضائها بل يحسن من الغير الاعانة على منعها بخلاف البكاء انتهى فلاحظ.
[2]رواه عنه الوسائل ج 3 ص 278 حديث 1.
وعنه أيضاً في كتاب الزي[1]مرفوعاً عن رسول الله9قال : كان رسول الله9يكره السواد الا في ثلاثة الخف والكساء والعمامة.
وروى شيخنا الحر العاملي في وسائله[2]عن الصدوق عن محمد بن سليمان مرسلا عن ابي عبد الله7: قال ـ قلت له أصلى في القلنسوة السوداء قال : لا تصل فيها فانها لباس أهل النار.
وروى ايضاً عن الصدوق في الفقيه[3]عن أمير المؤمنين7مرسلا وفي العلل والخصال كما في الوسائل عنه7مسنداً انه قال لاصحابه لا تلبسوا السواد فانه لباس فرعون وروى ايضاً باسناده كما في الوسائل[4]عن حذيفة بن منصور : قال : كنت عند ابي عبدالله7بالحيرة فأتاه رسول أبي العباس الخليفة يدعوه فدعي بمطر[5]أحد وجهيه أسود والاخر
[1]رواه في الكافي ج 2 ص 205 باب ليس السواد من طبع طهران سنة 1315 ه الا ان فيه كان رسول الله (ص) يكره السواد الا في ثلاث وتقديم العمامة على الكساء فلاحظ.
[2]روه في الوسائل ج 3 ص 281 باب 20 حديث 3 من أبواب لباس المصلى والصدوق قده في الفقيه ج ل ص 251 : قال وسئل الصادق7عن الصلاة في القلنسوة السوداء : فقال لا تصل فيها فانها من لباس أهل النار.
[3]رواه في من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 251 من طبع طهران سنة 1392 ونقل عنه الوسائل فيه في ج 3 ص 278 من أبواب لباس المصلى.
[4]رواه في الوسائل في ج 3 ص 279 حديث 7 من أبواب لباس المصلى ورواه الفقيه في ج ل ص 252 والكافي ج 2 ص 205.
[5]الممطر والممطرة ثوب من صوف يلبس في المطر يتوقى به من المطر كما في لسان العرب ونحوه شيخنا الطريحي في مجمع البحرين بمادة مطر فلاحظ.
ابيض فلبسه : ثم قال :7أما اني ألبسه وأنا أعلم انه لباس اهل النار اي ألبسه للتقية من الطاغي الخليفة العباسي لاتخاذ العباسيين لانفسهم لبس السواد كما يفهم ذلك من السير والتواريخ وغيرها.
بل يفصح عنه بعض الاخبار المخبر بأن ذلك من زي بني العباس قبل أن يوجدوا.
مثل ما روى عن الصدوق في الفقيه[1]مرسلا[2]انه قال روى انه هبط جبرئيل7على رسول الله9وعليه قباء أسود و منطقة فيها خنجر فقال9يا جبرئيل ما هذا الزى فقال زي ولد عمك العباس فخرج النبي9الى العباس فقال يا عم ويل لولدي من ولدك.
فقال : يا رسول الله أفاجب نفسي : قال9جرى القلم بما فيه.
والظاهر أن المراد بأهل النار في بعض ما مر من الاخبار هم المعذبون بها المخلدون فيها يوم القيامة وهم فرعون ومن حذا حذوه واحتذى مثاله ونحوه من الفرق الطاغية الباغية من أشباه الخلفاء العباسية وغيرهم من كفرة هذه الامة المرحومة والامم السابقة الذين اتخذوا السواد ملابس لهم .
كما يرشد اليه ويفصح عنه ما روى ايضاً عن الصدوق
[1]أو في العلل والخصال كما في الوسائل ( منه;).
[2]رواه في الفقية ج 2 ص 252 من طبع طهران سنة 1392 ه.
في الفقيه[1]بأسناده عن اسماعيل بن مسلم عن الصادق7انه قال : أوحى الله الى نبي من أنبيائه:قل للمؤمنين لا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تطعموا مطاعم أعدائي ولا تسلكوا مسالك اعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي.
وقال : في كتاب عيون الاخبار على ما في الحدائق بعد نقل الخبر بسند آخر عن علي بن أبي طالب7عن رسول الله9نقلا عن المصنف2: ان لباس الاعداء هو السواد ومطاعم الاعداء النبيذ والمسكر والفقاع والطين والجري من السمك والمار الماهي والزمير والطافي وكلما لم يكن له فلس من السمك والارنب الى أن قال : ومسالك الاعداء مواضع التهمة ومجالس شرب الخمر والمجالس التي فيها الملاهي والمجالس التي تعاب فيها الائمة7والمؤمنون ومجالس أهل المعاصي والظلم والفساد انتهى ملخصاً :[2].
هذا ما وقفنا عليه من الاخبار التي استند اليها لاثبات كراهة لبس السواد مطلقاً.
والذي يظهر من مجموعها بعد ضم بعضها الى بعض والتأمل
[1]رواه في الفقيه ج ل ص 252 من طبع طهران سنة 1392 ثم قال;في آخر الحديث فأما لبس السواد للتقية فلا اثم فيه : وظاهر قوله;هو التحريم : وهو منفرد به بل لم أجد موافقاً له ولا سمعت ذلك الا من بعض المعاصرين ره و هو كما ترى لعدم الاختصاص بالسواد وحده بل يشمل كلما اتخذوه زياً لهم ودوران الحكم مدار بقائهم عليه وصدق الشعار على اللابس كما لا يخفى.
[2]ذكر ذلك في ص 193 من عيون الاخبار.
في مساقها وما اشتمل عليه من تعليل المنع فيها مرة بأنه لباس فرعون وتارة بأنه لباس أهل النار كما في أكثرها وأخرى بما يقرب منه من أنه زي بني العباس ومن منع التلبس بلباس الاعداء بقول مطلق كالاخير منها الذي هو عند التحقيق كالمتضمن لهبوط جبرئيل7على النبي6متلبساً بزي عجيب أخبر بأنه زي بني العباس بمنزلة المبين لعنوان الحكم الكراهي وموضوعه المعلق عليه ان كراهة لبس السواد ليست من حيث كونه لبس سواد تعبداً.
والا لما استثنى منه[1]من نحو الخف والعمامة والكساء بل انما هي من حيث كونه زي أعداء الله سبحانه الذين اتخذوه من بين سائر الالوان ملابس لهم فيكون الممنوع عنه حينئذ التزي بزيهم والتشبه بهم الذي منه التلبس بما اتخذوه ملبساً لانفسهم الذي لبس منه الكساء والعمامة وغيرهما مما استثنى منه في النصوص المتقدم اليها الاشارة.
ومعلوم ان عنوان التشبه بهم ونحوه من التزي بزيهم لا يتأتى مع كون القصد من ذلك غيره[2]بل الدخول في عنوان هو في نفسه
[1]يعني صحة الاستثناء يكشف ان الكراهة غير ذاتية والا لما صح الاستثناء وعليه فتكون الاخبار الناهية عن لبسه ارشاداً الى النهي عن اتخاذه زيا وشعاراً لئلا تحصل المشابهة باعداء الله تعالى ورسوله (ص) وأوليائه عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام ويكون الحكم بالحرمة أو الكراهة بالعنوان الثانوي فتأمل.
[2]يعني ان التشبه من الامور القصدية كما يقتضيه باب التفعل أيضاً ومثله القيام الذي يقصد به التعظيم تارة والسخرية اخرى أو مثل مد الرجل
مطلوب من حيث هو كذلك مندوب شرعاً وهو التلبس بلباس المصاب المعهود في العرف والعادة قديماً وحديثاً للتحزن على مولانا الحسين صلوات الله عليه في أيام مأتمه كما يرشد اليه ما مر من حديث لبس نساء أهل البيت السواد بعد قتله7في مأتمه المتضمن كما عرفت لتقرير الامام7لذلك اذ لولا كون لبس السواد من التلبس بلباس المصاب المعهود من قديم الزمان في العرف والعادة لما أخترن ذلك على غيره مع معلومية كون غرضهن من ذلك ليس الا التحزن به عليه7.
هذا مع أن في النساء مثل الصديقة الصغرى زينب بنت علي صلوات الله عليها التي قال في حقها ابن أخيها الامام السجاد7في الحديث المعروف حينما كانت تخطب وتخاطب القوم الفجرة بعد أن أدخلوهم الكوفة بتلك الحالة الشنيعة مخاطباً لها اسكتي يا عمة فأنت
* أمام ضريح الامام7أو القرآن فانه تارة يكون لوجع واخرى للاهانة الذي لا شك في حرمته وخلاصة الكلام ان الحكم في أمثال هذه الموارد المشتركة بين الراجح والمرجوح يكون دائراً مدار القصد وعليه فلو قصد من لبسه التشبه يكون مرجوحاً وان قصد التحزن به يكون مستحباً : أو يقال ان لبس السواد حيث ينتزع منه عنوان المشابهة وصدق الشعار عليه يكون مرجوحاً واذا لم ينتزع منه ذلك العنوان بل يتزع منه عنوان العزاء والمصيبة لاجل سيد الشهداء (ع) والأئمة كما في عصرنا هذا يكون لبسه راجحاً للعمومات الدالة على استحباب اظهار المصيبة والعزاء كما لا يخفى.
بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة[1]وكفاها بذلك ونحوه[2]مما لا يعد فخراً وعلماً وقدراً.
فكيف يخفى على مثلها مع تلك الجلالة وعظم الشأن والقدر والنبالة تلك الكراهة الشديدة المستفادة من الادلة فان هو الا لعدم تحقق ذلك العنوان الغير المحبوب.
في نحو هذا التلبس المطلوب من حيث كون المقصود منه عنواناً آخر غير التشبه والتزي بزي الاعداء :
بل التحقيق أنه لا يتأتى العنوان المكروه الا مع غير عنوان التلبس بلباس الحزن في المأتم من سائر الاغراض المستحسنة الممدوحة عرفاً وشرعاً كما لو كان المقصود منه التجمل به مثلا لو كان مما يحصل به ذلك كلبس جبة خزد كناء كما ورد في الحديث المروي عن ابي جعفر7بسند معتبر في الوسائل[1].
[1]هذه الجمل الذهبية الصادرة عن الامام المعصوم (ع) في حق عمته سلام الله عليها من اعظم جمل الثناء والمدح الدالة على أن علمها بالاحكام الالهية يفاض عليها بنحو ما يفاض على المعصوم (ع) وانه لدني غير اكتسابي ويكون نتيجة ذلك حجية فعلها وقولها بل وتقريرها3لثبوت جلالتها والمقام المنيع لها عند الائمة : كما لا يخفى فلاحظ.
[2]كوصاياه7أياها وتوديع الاهل والعيال والاطفال عندها وغير ذلك من اسرار الامامة كما هو المذكور في كتب المقاتل فلاحظ وراجع.
[1]رواه في الوسائل ج 3 ص 278 حديث 3 بسنده عن ابي علي الاشعري عن محمد بن سالم عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن أبي جعفر (ع) : قال : قتل الحسين بن علي (ع) وعليه جبة خزد كناء الحديث