بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة[1]وكفاها بذلك ونحوه[2]مما لا يعد فخراً وعلماً وقدراً.
فكيف يخفى على مثلها مع تلك الجلالة وعظم الشأن والقدر والنبالة تلك الكراهة الشديدة المستفادة من الادلة فان هو الا لعدم تحقق ذلك العنوان الغير المحبوب.
في نحو هذا التلبس المطلوب من حيث كون المقصود منه عنواناً آخر غير التشبه والتزي بزي الاعداء :
بل التحقيق أنه لا يتأتى العنوان المكروه الا مع غير عنوان التلبس بلباس الحزن في المأتم من سائر الاغراض المستحسنة الممدوحة عرفاً وشرعاً كما لو كان المقصود منه التجمل به مثلا لو كان مما يحصل به ذلك كلبس جبة خزد كناء كما ورد في الحديث المروي عن ابي جعفر7بسند معتبر في الوسائل[1].
[1]هذه الجمل الذهبية الصادرة عن الامام المعصوم (ع) في حق عمته سلام الله عليها من اعظم جمل الثناء والمدح الدالة على أن علمها بالاحكام الالهية يفاض عليها بنحو ما يفاض على المعصوم (ع) وانه لدني غير اكتسابي ويكون نتيجة ذلك حجية فعلها وقولها بل وتقريرها3لثبوت جلالتها والمقام المنيع لها عند الائمة : كما لا يخفى فلاحظ.
[2]كوصاياه7أياها وتوديع الاهل والعيال والاطفال عندها وغير ذلك من اسرار الامامة كما هو المذكور في كتب المقاتل فلاحظ وراجع.
[1]رواه في الوسائل ج 3 ص 278 حديث 3 بسنده عن ابي علي الاشعري عن محمد بن سالم عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن أبي جعفر (ع) : قال : قتل الحسين بن علي (ع) وعليه جبة خزد كناء الحديث
قال : قتل الحسين (ع) وعليه جبة خز دكناء[1]:
ولعل المقصود من لبسه7اياها فأنه على تقديره أمر ممدوح مستحب شرعاً كما ورد في الاخبار المستفيضة[2]او غيره مما. يخفى علينا ولا يخفى عليه صلوات الله عليه.
ولعل منه لبسه للتقية عن المخالف فانه ايضاً من المغير لذلك العنوان المكروه لا أنه مخصص بعموم أدلة التقية وعموم الضرورات تبيح المحظورات ونحوهما اذا التخصيص فرع دخول المستثنى في المستثنى منه.
وعلى ما ذكرناه ليس ذلك مما يشمله عموم العنوان المكروه
* قال الحر ره بعد نقل الحديث ( أقول ) هذا محمول على الجواز ونفي التحريم انتهي.
( قلت ) الظاهر أن مراده من الجواز هو بالمعني الاسم الذي لا ينافي الكراهة فلاحظ.
هذا وروى شيخنا الكليني ( قده ) ج 2 من فروع الكافي ص 205 عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن محمد بن عيسى عن سليمان بن راشد عن أبيه : قال رأيت علي بن الحسين8وعليه دراعة سوداء وطيلسان ازرق : والدراعة واحدة الدراريع وهو قميص.
[1]الدكناء بالضم لون الى السواد كما في القاموس وفي الصحاح لون يضرب الى السواد والقول بعدم عده من السواد في غير محله لغة وعرفاً كما لا يخفى.
[2]لعل المراد منه الاشارة الى الاخبار الدالة على استحباب التجمل بالملابس الفاخرة للمؤمن ونحوها : فراجع باب الزي والتجمل من كتب الحديث.
ليخصص بها ولعل في قوله7أما أني ألبسه وأنا اعلم أنه لباس أهل النار : اشارة لطيفة الى ذلك اي لا يتوهم المتوهم أني ألبسه ولا أعلم انه من لباس أهل النار بل ألبسه لكن لا للتلبس بلباسهم بل لغرض آخر لا يتأتى معه ذلك فلا يكون من المكروه والله أعلم.
هذا : وفي الوسائل[1]عن العلل بسنده المتصل الى داود الرقي.
قال : كانت الشيعة تسئل أبا عبدالله7عن لبس السواد قال : فوجدناه قاعداً وعليه جبة سوداء وقلنسوة سوداء وخف أسود مبطن ثم فتق ناحية منه وقال أما أن قطنه أسود وأخرج منه قطناً أسود : ثم قال : بيض قلبك وألبس ما شئت[2].
وفيه كما ترى اشارة لطيفة الى ما أشرنا اليه فكأنه صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الطاهرين أراد بقوله بيض قلبك انه بيضه بنور معرفتنا وولايتنا والتشبه بنا وبموالينا وألبس حينئذ ما شئت فلا بأس به ولو كان أسود : فهو بعد التأمل فيه والتحقيق بالنظر الدقيق مبين للمراد من كراهة لبس السواد التي تضمنتها النصوص السابقة على اختلاف مضامينها :
وبالجملة الانصاف يقتضي الاعتراف بعدم شمول أدلة كراهة لبس السواد بعد الاحاطة بما ذكرناه لو كان المقصود منه التحزن
[1]ج 3 ص 280 حديث 9 باب 19.
[2]أقول وليس الحديث بمجمل كما توهم لان المراد من قوله (ع) والبس ما شئت اي من الالوان ونحوها من الاشكال التي لم يرد فيها نهي خاص كالذهب والحرير للرجال ولباس الشهرة مما هو منهي عنه وثابت حرمته بالنص والاجماع والضرورة : حيث ان قوله (ع) في بيان دفع التوهم المذكور من الحزازة في لبس السواد الذي كانت الشيعة تسأل عنه.
بذلك على مولانا الحسين7في أيام مأتمه بعد ما عرفت من كونه هو المعهود في العرف والعادة من قديم الزمان لكل مفقود عزيز جليل لهم سيما بعد صيرورته من شعار الشيعة قديماً وحديثاً من علمائهم فضلا عن غيرهم بل ربما يشعر بذلك أشعاراً بليغاً الحديث الذي رواه خالنا العلامة المجلسي;في زاد المعاد[1]في فضل يوم التاسع من أول الربيعين وعظم شأنه وقدره عند الائمة:عن الشيخ الجليل القدر العظيم المنزلة أحمد بن اسحاق القمي عن مولانا العسكرى7عن آبائه:عن أمير المؤمنين عليه وعليهم الصلاة والسلام ان لهذا اليوم من عظم قدرة عند الله وعند رسوله وخلفائه:سبعين اسماً وعدها واحداً بعد واحد وجعل من جملتها المناسب ذكره في هذا المقام انه يوم نزع لباس السواد اظهاراً للفرح والسرور المطلوب فيه للمؤمنين الذي لا يناسبه لبس السواد فيه[2].
ولا يخفى ما فيه من الاشعار بل الظهور في معهودية لبس السواد عند الخواص وهم الشيعة قبل هذا اليوم لعدم شمول الامر بالنزع لغيرهم بالضرورة ومعلوم أن ذلك لا يكون الا لمفقود عزيز وهل هو الا للتحزن على ما جرى على مولانا الحسين7وأهل بيته في الشهرين
[1]وراجع البحار الجزء الثامن منه ايضاً.
[2]لانه من الايام الشريفة التي يلزم على كل مؤمن ان يظهر الفرح والبشاشة لاخوانه واطعام الطعام لهم وانه مضافاً اليه يوم امامة بقية الله في الأرضين وحجته على العالمين الذي يظهر فيملأ الارض عدلا وقسطاً وينتقم من الذي ضرب الزهراء صلوات الله عليها واسقط محسنها عجل الله فرجه الشريف وجعلنا من خيار اصحابه.
المعلومين الذين جرت عادت نوع الشيعة على لبس السواد فيهما من قديم الزمان لاجله وان احتمل كون المراد منه مطلوبية اظهار الفرح والسرور في هذا اليوم للخواص الذي لا يناسبه لبس السواد ولو كان لغيره7ممن فقد منهم الا ان ما ذكرناه لعله أظهر الى المراد.
وعلى كلا التقديرين يدل دلالة وافية على أنه لباس حزن متعارف لبسه بين الناس لمن فقد منهم ممن ينبغي له ذلك فيشمله حينئذ عموم ما دل على مطلوبية شعار الحزن والتحزن عليه في مأتمه7بما يصدق عليه ذلك في العرف والعادة بالاخبار المستفيضة البالغة حد الاستقاضة بل المتواترة معنى الدالة على ذلك على اختلاف مواردها ومضامينها من غير حاجة الى ثبوت كل فرد ومصداق منه بالخصوص بدليل مخصوص[1]بل يكفي مجرد كونه مما يصدق عليه ذلك في العرف والعادة سيما لو كان مما جرت عليه السيرة كما نحن فيه.
ومن هنا ينفتح باب واسع لتجويز مثل الطبول والشيپور ونحوها من الالات التي تضرب حال الحرب لهيجان العسكر في عزاء ومأتم مولانا
[1]اقول يختلف نوع العزاء باختلاف العرف والعادة حيث لم يرد دليل بالخصوص على انه على كيفية خاصة بل هو ما تعارف عنه العرف والبلاد.
قال في الجواهر ص 376 من ج 4 من طبع تبريز 1324 في بيان احكام عدة المتوفى عنها زوجها ما هذا نصه ضرورة كون المدار ( اي الحداد وترك الزينة ) على ما عرفت وهو مختلف باختلاف الازمنة والامكنة والاحوال ولاضابطة للزينة والتزين وما يتزين به الا العرف والعادة الخ فلاحظ.
الحسين أرواحنا له الفداء المتعارف ذلك في أعصارنا[1]سيما بين
[1]قال المحقق النائيني قده في فتواه الصادرة لاهالي البصرة ما هذا نصه : الرابع الدمام المستعمل في هذه المواكب مما لم يتحقق لنا الى الان حقيقته فان كان مورد استعماله هو اقامة العزاء وعند طلب الاجتماع وتنبيه الراكب على الركوب في الهوسات العربية ونحو ذلك ولا يستعمل فيما يطلب فيه اللهو والسرور وكما هو المعروف عندنا في النجف الاشرف فالظاهر جوازه والله العالم انتهى.
( أقول ) ومنه يعرف الوجه في مثل الصنوج والبوق حيث انهما لم يعدا لاستعمالهما في مجالس اللهو والطرب كما لا يخفى.
قال شيخنا الفقيه الرباني الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري قده في ص 619 من ذخيرة المعاد في جواب من سئله عن استعمال آلات اللهو واللعب مثل الدف والطبل والدهل والصنج وغير ذلك في عزاء الحسين7ما هذا نصه : ان شاء الله مثاب ومأجور مىباشى در شراكت جميع مصيبت وتكثير سواد اهل مصيبت با قطع نظر از رقت وبكاء وسبب ابكاء كه هر يك بخصوص مطلوب مىباشد واما همراه داشتن آلات مرقومه پس اگر مثلا غرض از طبل ، طبل حرب باشد وغرض از زدن آنها تذكر زدن مخالفين در روز عاشورا طبل حرب يا طبل لهو ايشان باشد چنانچه معروف است كه هر دسته كه از مخالفين از كوفه مىآمد طبل شادى ميزدند ازجهت اين كه تازه لشكرى ومعينى رسيده آن هم انصافاً ضرر ندارد چون مقصود حكايت طبل ايشان مىباشد نه حقيقت قصد شادى وسرور وشعف داشته باشند غرض خداوند منان توفيق ما وشما را الى يوم القيامة بأقامه عزاى اولاد سيد انام زياد گرداند انتهى.
وقال هذه في الصحفة المذكورة ايضاً في جواب من سئله عن بعض
الاتراك من الشيعة الذي له تأثير غريب في هيجان الاحزان والابكاء والصياح والنياح بحيث تراهم يخرجون بذلك عن الحالة الاختيارية وكذلك البوق المتداول بين نصف الدراويش ونحو ذلك مما تداولها عوام الشيعة في مأتم مولانا الحسين7مما لا دليل على الحرمة سوى كونه من الات اللهو المحرم بعمومه من حيث كونه لهواً لا لحرمته ذاتاً كاللعب
* تلك الالات ايضا ما هذا نصه : ضرر ندارد بلكه مطلوب ومحبوب است انتهى هذا وارتضى كلامه في الموردين شيخنا الفقيه التقي الشيرازي الحائري قده حيث لم يعلق على العبارة بشيء غير قوله : اگر خود مرتكب محرم نشود لان الرسالة مشاة بحاشيته الشريفة بخط بعض أصحابه.
وقال العلامة المجاهد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قده في رسالته المواكب الحسينية ص 19 في جواب السؤال المرسول اليه من فيحاء البصرة عن الطبل وصدح الابواق وقرع الطوس بنقل صاحب الانوار الحسينية ص 60 من طبع بمبئي سنة 1346.
ما هذا نصه كلها أمور مباحة فانك ايها السامع تحس وكل ذي وجدان انها لاتحدث لك بسماعها طرباً ولا خفة ولا نشاطاً بل بالعكس توجب هولا وفزعاً وكمداً وحزناً فاذا قصد منها الضارب الاعلام والتهويل ونظم المواكب وتعديل الصفوف والمواكب حسنت بهذا العنوان ورجحت بذلك الميزان انتهى.
ونقل عن شيخنا كاشف الغطاء قده ايضاً صاحب الانوار الحسينية في ص 82 منه ما هذا نصه :
واما ضرب الطبول والابواق غير مقصود بها اللهو فلا ريب ايضاً في مشروعيتها لتعظيم الشعار انتهى.
بالشطرنج ونحوه من آلات القمار وان كان نوعاً منه ايضاً فان ما كان تحريمه من حيث كونه لهواً لا غيره كما أشرنا اليه لا يصدق عليه عنوان اللهو بالضرورة في مثل المقام المقصود منه اقامة العزاء وهيجان الاحزان ونحوهما به في أيام مأتمه7وحيث لا يصدق عليه ذلك العنوان المحرم من حيث اللهوية بالقصد المغير له بالضرورة جاز بل ندب واستحب لاندراجه حينئذ في عموم ما دل على مطلوبية شعار الحزن والتحزن عليه (ع) بما يصدق عليه ذلك في العرف والعادة وان لم يرد عليه دليلا بالخصوص كاللطم والضرب بالراحتين على الصدور الذي جرت عليه السيرة من الخواص[1]فضلا عن العوام من الشيعة في مأتمه7سيما في أيام العشرة الاولى من المحرم ولياليها
[1]اقول وقد كانت مواكب العلماء والفقهاء تخرج في كل سنة ليلة عاشورا في كربلاء المقدسة يتقدم الموكب السادة ثم الشيوخ وفيهم مراجع الفتيا والتقليد لاطمين بأيديهم على صدورهم حافي القدمين وقد لطخ بعضهم جباههم في غاية الانكسار والحزن والكابة بحيث كل من كان ينظر اليهم تنقلب احواله من البكاء والصراخ حيث انهم ممثلوا ولي العصر عجل الله فرجه وهذا الموكب على ما قيل اسسه سيد فقهاء عصره السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض وجد سيدنا المؤلف قده.
كما سمعت انهم كانوا يخرجون في كل سنة ليلة عاشوراء في قم المقدسة ايضاً وكان هذا الموكب من بركات مؤسس الحوزة العلمية آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري قده وكان هو ره معهم خلف موكب السادة احتراماً لهم كما حدثني ولده الفقيه الشيخ مرتضى دامت بركاته الذي هو اليوم من اجلة علمائنا العاملين وعليه سيماء فقهائنا الاقدمين قد شابه أباه في العلم والعمل والكرم ومن يشابه ابه فما ظلم سلمه الله وابقاه ومن كل مكروه وقاه.