الاتراك من الشيعة الذي له تأثير غريب في هيجان الاحزان والابكاء والصياح والنياح بحيث تراهم يخرجون بذلك عن الحالة الاختيارية وكذلك البوق المتداول بين نصف الدراويش ونحو ذلك مما تداولها عوام الشيعة في مأتم مولانا الحسين7مما لا دليل على الحرمة سوى كونه من الات اللهو المحرم بعمومه من حيث كونه لهواً لا لحرمته ذاتاً كاللعب
* تلك الالات ايضا ما هذا نصه : ضرر ندارد بلكه مطلوب ومحبوب است انتهى هذا وارتضى كلامه في الموردين شيخنا الفقيه التقي الشيرازي الحائري قده حيث لم يعلق على العبارة بشيء غير قوله : اگر خود مرتكب محرم نشود لان الرسالة مشاة بحاشيته الشريفة بخط بعض أصحابه.
وقال العلامة المجاهد الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء قده في رسالته المواكب الحسينية ص 19 في جواب السؤال المرسول اليه من فيحاء البصرة عن الطبل وصدح الابواق وقرع الطوس بنقل صاحب الانوار الحسينية ص 60 من طبع بمبئي سنة 1346.
ما هذا نصه كلها أمور مباحة فانك ايها السامع تحس وكل ذي وجدان انها لاتحدث لك بسماعها طرباً ولا خفة ولا نشاطاً بل بالعكس توجب هولا وفزعاً وكمداً وحزناً فاذا قصد منها الضارب الاعلام والتهويل ونظم المواكب وتعديل الصفوف والمواكب حسنت بهذا العنوان ورجحت بذلك الميزان انتهى.
ونقل عن شيخنا كاشف الغطاء قده ايضاً صاحب الانوار الحسينية في ص 82 منه ما هذا نصه :
واما ضرب الطبول والابواق غير مقصود بها اللهو فلا ريب ايضاً في مشروعيتها لتعظيم الشعار انتهى.
بالشطرنج ونحوه من آلات القمار وان كان نوعاً منه ايضاً فان ما كان تحريمه من حيث كونه لهواً لا غيره كما أشرنا اليه لا يصدق عليه عنوان اللهو بالضرورة في مثل المقام المقصود منه اقامة العزاء وهيجان الاحزان ونحوهما به في أيام مأتمه7وحيث لا يصدق عليه ذلك العنوان المحرم من حيث اللهوية بالقصد المغير له بالضرورة جاز بل ندب واستحب لاندراجه حينئذ في عموم ما دل على مطلوبية شعار الحزن والتحزن عليه (ع) بما يصدق عليه ذلك في العرف والعادة وان لم يرد عليه دليلا بالخصوص كاللطم والضرب بالراحتين على الصدور الذي جرت عليه السيرة من الخواص[1]فضلا عن العوام من الشيعة في مأتمه7سيما في أيام العشرة الاولى من المحرم ولياليها
[1]اقول وقد كانت مواكب العلماء والفقهاء تخرج في كل سنة ليلة عاشورا في كربلاء المقدسة يتقدم الموكب السادة ثم الشيوخ وفيهم مراجع الفتيا والتقليد لاطمين بأيديهم على صدورهم حافي القدمين وقد لطخ بعضهم جباههم في غاية الانكسار والحزن والكابة بحيث كل من كان ينظر اليهم تنقلب احواله من البكاء والصراخ حيث انهم ممثلوا ولي العصر عجل الله فرجه وهذا الموكب على ما قيل اسسه سيد فقهاء عصره السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض وجد سيدنا المؤلف قده.
كما سمعت انهم كانوا يخرجون في كل سنة ليلة عاشوراء في قم المقدسة ايضاً وكان هذا الموكب من بركات مؤسس الحوزة العلمية آية الله الشيخ عبدالكريم الحائري قده وكان هو ره معهم خلف موكب السادة احتراماً لهم كما حدثني ولده الفقيه الشيخ مرتضى دامت بركاته الذي هو اليوم من اجلة علمائنا العاملين وعليه سيماء فقهائنا الاقدمين قد شابه أباه في العلم والعمل والكرم ومن يشابه ابه فما ظلم سلمه الله وابقاه ومن كل مكروه وقاه.
بالخصوص حتى بلغ ذلك الى حد ينسب اليهم الاعداء فيها الجنون[1]ونحوه مع أنه لم يرد به نص بالخصوص ولو من الطرق الغير المعتبرة ولم نر مع ذلك احداً منا تأمل أو توقف في حسن هذا الفعل وهو الا لكونه مأخوذاً مدلولا عليه بالعموم المشار اليه.
وبالجملة لا ينبغي التأمل في عدم شمول أدلة كراهة لبس السواد لما نحن فيه كما لا ينبغي التأمل في رجحانه شرعاً لهذا العنوان المندوب
[1]نسبة الجنون الى الشيعة الامامية في ترويجهم الدين الحنيف واعلاء كلمة المذهب الشريف هو كنسبة اعداء الاسلام ذلك والعياذ بالله الى من لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى وقد كشف المستقبل بحمد الله انهم كانوا اولى بالنسبة اليه واحرى بالاتصاف به اذ خسروا انفسهم في الدنيا وخزي عذاب الاخرة اشد وابقى هذا والاعداء هم يعلمون انهم لا يتمكنون من تضعيف قوى الشيعة أعزهم الله وتفتيت عزمهم على احياء أمر آل الله صلوات الله عليهم وانهم لا يقدرون على انفاذ تسويلاتهم في عقائدهم الحقة حيث انهم لا يبالون بهزء المستهزئين وسخرية الجاهلين ونسبة انواع التهم اليهم ولا ينبغي لهم لانهم قد أخذوا احكامهم عن معدن الوحي والتنزيل وقد شرح الله صدورهم للاسلام : فهم على بينة من أمرهم : وانهم قاطعون على أن الاعداء لحظهم اخطأوا وعن ثواب الله زاغوا وعن جوار محمّد (ص) في الجنة تباعدوا كما قال الامام الصادق (ع) وكما قال (ع) لذريح : يا ذريح دع الناس يذهبون حيث شاؤوا كن معنا : فهم على امرهم ثابتون ولا يضرهم شيء بعد دعاء أئمتهم : لهم بالمغفرة والرضا والحفظ في الدنيا والآخرة والخلف على أهاليهم واولادهم ونسئل الله الثبات على محبة محمّد وآله والاقتفاء لسيرتهم والممات على ولاية علي واولاده والبرائة من اعدائهم وبالخصوص من الجبت والطاغوت ومن شك في كفرهما انشاء الله تعالى
بعمومه كذلك بعد ارتفاع الكراهة عنه وهل هو الا كشق الثوب المرجوح او المحرم لكل ميت الا من الولد لوالد فترتفع المرجوحية او الحرمة فيه بالمرة بل ربما ينقلب راجحاً محضاً او يغلب رجحانه على المرجوحية التي فيه لغيره ولعله لكونه نوعاً من التعظيم والاجلال المطلوب شرعاً من الولد لوالده حياً وميتاً بل هو الظاهر فلا يكون كشقه لغيره مما فيه نوع من التجري عليه سبحانه وتعالى والانضجار ونحوه وكالبكاء والجزع والتأسف ونحوها المذمومة شرعاً لكل أحد الا من الولد للوالد فانه مندوب[1]وليس ذلك من القياس المحرم بل المنقح مناطه كما لا يخفى.
[1]ففي التهذيب ج 2 ص 283 آخر الكفارات عن الصادق (ع) قال ولا شيء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار والتوبة : وقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي8وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب فدلالته على الجواز والاستحباب فيما نحن فيه ظاهر جداً لاستشهاده بفعلهن وطلبه من الناس على الحسين7ذلك وان بلغ من الضرب الاحمراء والسواد بل الادماء لما هو لازم الضرب عند اشتداد المصيبة.
وقال7ايضاً كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين (ع) بناء على ارادة اللطم وشق الثوب وغير ذلك مما يصدر من الجازع غير مكروه على الحسين (ع) بل فيه الفضل والرجحان مع حرمته على غيره (ع) لحمل الكراهة على معناها الحقيقي.
وفي الجواهر المراد به فعل ما يقع من الجازع من لطم الوجه والصدر والصراخ ونحوها ولو بقرينة ما رواه جابر عن الباقر (ع) أشد الجزع الصراخ بالويل والعويل ولطم الوجه وجز الشعر مضافاً الى السيرة في اللطم والعويل
ومما ذكرنا يظهر أنه لا وجه لما ذكره شيخنا الخال العلامة أعلى الله في الدارين مقامه معترضاً على كلام شيخنا المحدث البحراني;المتقدم اليه الاشارة تارة بامكان تنزيل الحزن في مأتمه7على ما هو المقرر في آدابه في الشرع التي ليس منها لبس السواد :
وأخرى بأن معارضة ما دل على رجحان الحزن وكراهة لبس السواد نظير معارضة دليل حرمة الغناء من المحرم ورجحان رثاء الحسين7وكلما كان من هذا القبيل يفهم المتشرعة منهما تقييد الراجح بغير الممنوع في الشرع حرمة أو كراهة الى آخر ما مرت الاشارة اليه :
أن لا داعي أولا الى تنزيل الحزن والتحزن عليه في مأتمه (ع) المندوب بعمومه كما عرفت الشامل لكلما يصدق عليه ذلك في العرف والعادة الذي منه لبس السواد على غيره مع كونه من الفرد المتعارف
* ونحوهما مما حرام في غيره قطعاً فتأمل فلاحظ.
وفي زيارة الناحية المقدسة : قال (ع) فلما رأين النساء جوادك مخزياً الى ان قال (ع) برزن من الخدود ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وبالعويل نائحات.
قال في الجواهر ص 384 ح ل وما يحكي من فعل الفاطميات ربما قيل انه متواتر فلاحظ : هذا وقد علم من كل ذلك أن اللطم على الصدور والخدود وشق الثوب وحث التراب على الرأس والصراخ والعويل ونحو ذلك كخمش الوجه والصدر وارخاء الشعر ونشره وجزه او نتفه يستحب على الحسين (ع) ويحرم على غيره بمقتضى هذه الروايات الشريفة والسيرة المستمرة عند أصحاب الائمة المعصومين (ع) في عصرهم حتى عصرنا الحاضر كما لا يخفى ومنه يعلم وجه ضرب السلاسل على الظهور وضرب القامات على الرؤوس.
من قديم الزمان كما عرفت :
ثم لا داعي ثانياً الى تخصيص رجحان الحزن والتحزن عليه (ع) بخصوص ما ورد من العناوين التي تضمنتها الاخبار الكثيرة ان كان هو المراد من الادب المقررة في الشرع في ظاهر كلامه بعد القطع بعدم ارادة الاقتصار عليها بالخصوص بل من حيث كونها من آداب العزاء في العرف والعادة أو من أظهر أفرادها ونحوه.
و الا لخرج ما ليس منها مما لا اشكال في جحانه شرعاً وعرفاً كاللطم والضرب على الصدور ونحوهما مما جرت عليه سيرة المتشرعة من الخواص فضلا عن العوام ولولا كونه مدلولا عليه بما يعمه شرعاً لما جرت عليه العادة والسيرة.
على أن ذلك انما يتجه على تقدير شمول أدلة كراهة لبس السواد للبسه في هذا المقام بهذا العنوان وقد عرفت أنه في حيز المنع لظهورها في كراهته من حيث كونه لبس الاعداء وزيهم لا من حيث كونه لبس سواد فيكون الممنوع عنه لبسه بعنوان التلبس بلبسهم والتزيي بزيهم ولو باختياره للبّس والملابس من بين سائر الالوان الغير المتحقق مع كون المقصود منه التلبس بلباس المصاب المعهود كما عرفت في العرف والعادة من قديم الزمان للتحزن به على مولانا الحسين (ع) كما يرشد اليه ما مر من حديث لبس نساء أهل البيت السواد في مأتمه (ع) بعد قتله بمرئي من مولانا زين العابدين صوات الله عليه ومسمعه بنحو ما مرت الاشارة اليه.
وحيث لا تشمله أدلة الكراهة بقى رجحانه من حيث دخوله
في العنوان المندوب بعمومه شرعاً بلا معارض معتضداً بقاعدة التسامح في أدلة السنن التي لا مجال للتأمل في جريانها في مثل المقام الغير المشمول لادلة الكراهة من وجه أصلا.
هذا مع أنه ورد في غير واحد من الاخبار[1]أنه ما ادهنت هاشمية على ما نقل منا أهل البيت ولا اكتحلت ولا رؤي دخان من بيوتهم بعد قتله7الى خمس سنين حتى بعث المختار رضوان الله عليه برأس الكافر الفاجر عبيد الله بن زياد الى زين العابدين7فغيروا بأمره7حينئذ ما كانوا عليه وهو كما ترى يدل على رجحان كل ما يدخل في عنوان شعار الحزن والتحزن عليه الصلاة والسلام وتعظيم مصيبته الذي منه ترك اللذائذ في أيام مأتمه ومصيبته[2]لان ذلك كله بمرأى
[1]في البحار ص 206 ص 207 ج 45 من الطبعة الحديثة في طهران عن ابان بن عثمان عن زرارة : قال : قال أبو عبد الله (ع) يا زرارة ان السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم وان الارض بكت اربعين صباحاً بالسواد وان الشمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة وان الجبال تقطعت وانتثرت وان البحار تفجرت وان الملائكة بكت اربعين صباحاً على الحسين وما اختضبت منا امرأة ولا ادهنت ولا اكتحلت ولا رجلت حتى اتانا رأس عبيد الله بن زياد لعنة الله : وما زلنا في عبرة بعده : الحديث وهو طويل أخذنا منه موضع الحاجة فلاحظ.
[2]كما تقتضيه القاعدة لمن فقد محبوبه العزيز عليه وكما ورد في الاخبار الكثيرة في كيفية زيارته (ع) من ان الزاير لمرقده يلزم أن يكون كثيراً حزيناً مكروباً مغيراً جائعاً عطشاناً فلاحظ وراجع ص 130 و 131 من كامل الزيارات.
وفيه ايضاً ص 108 عن أبي عمارة المنشد قال : ما ذكره الحسين (ع) عند ابي عبد الله (ع) في يوم قط فرأى ابو عبد الله (ع) يقول الحسين (ع) عبرة كل مؤمن انتهى.
ومسمع من سيدهم الامام ابي الائمة عليه وعليهم السلام مع تضمنه لترك الاكتحال الذي هو من المستحبات سيما من النساء ذوات الازواج ونحوه من التزين المطلوب منهن لازواجهن بل لترك أكل اللحوم الظاهر من عدم رؤية الدخان من بيوتهن في هذه المدة مع شدة كراهة تركه اربعين صباحاً كما في بعض الاخبار[1]بل في بعضها أنه من دأب الرهبانية المنسوخ في هذه الشريعة وأعظم من ذلك ما روى من ان رباب[2]زوجة مولانا الحسين7لم تزل ما دامت حية بعد شهادته تجلس في حرارة الشمس الى أن تقشر جلدها وذاب لحم بدنها حتى لحقت بسيدها فترق عليها الصديقة الصغرى أخت مولانا الحسين (ع)
[1]ففي الوسائل ج 4 ص 672 باب 46 قال (ع) من لم يأكل اللحم أربعين يوماً ساء خلقه ومن ساء خلقه فأذنوا في اذنه فلاحظ وراجع كتاب الاطعمة والاشربة منه ومن غيره من كتب الأخبار.
[2]ففي الكامل لابن اثير ج 4 ص 36 من الطبعة الاولى في مصر وبقيت ( يعني الرباب ) بعده ( يعني بعد قتل مولانا الحسين ) سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمداً هذا وفي الكافي المطبوع بهامش مرآة العقول ج 5 ص 372 عن الصادق (ع) لما قتل الحسين (ع) أقامت امرأته الكلبية عليه مأتماً وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفت دموعهن وذهبت فبينا هي كذلك اذ رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل فدعتها فقالت لها : مالك أنت من بيننا تسيل دموعك ؟ قالت اني لما اصابني الجهد شربت شربة سويق قال : فأمرت بالطعام والاسوقة فاكلت وشربت واطعمت وسقت وقالت انما نريد بذلك ان نتقوى على البكاء على الحسين (ع) انتهى محل حاجة.