بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 109

إنّ الصحبة شاملة لكلّ من صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمأو رآه ، أو سمع حديثه.

فهي تشمل المؤمن ، والمنافق ، والعادل ، والفاسق ، والبّر ، والفاجر ، كما يدّل عليه قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلمفي غزوة تبوك عندما أخبره جبرئيل بما قاله المنافقون :

إن محمداً يخبر بأخبار السّمآء ولا يعلم الطريق إلى الماء ، فشكا ذلك إلى سعد بن عبادة فقال له سعد : إن شئت ضربت أعناقهم.

قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: « لا يتحدّث الناس أنّ محّمداً يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا ».

فالصحبة إذن لم تكن بمجردها عاصمة تلبس صاحبها ابراد العدالة ، وإنما تختلف منازلهم وتتفاوت درجاتهم بالأعمال.

ولنا في كتاب الله ، واحاديث رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآلهكفاية عن التمحل في الاستدلال على ما نقوله ، والآثار شاهدة على ما نذهب إليه ، من شمول الصحبة وأن فيهم العدول من الذّين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، ورسخت أقدامهم في العقيدة ، وجرى الإيمان في عروقهم ، وأخلصوا لله فكانوا بأعلى درجة من الكمال ، وقد وصفهم الله تعالى بقوله :(أشدّاء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات منهم مغفرة واجراً عظيماً)[١].

وهم المؤمنون(الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا

[١]سورة الفتح : الآية ٢٩.


صفحه 110

بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)[١].

وقد أمر الله تعالى باتباعهم والاقتداء بهم بقوله تعالى :

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)[٢]

(والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)[٣].

هؤلاء هم أصحاب محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآلهومن يستطيع أن يقول فيهم ما لا يرضى الله تعالى ويخالف قوله[٤].

بحث قيم في الاختلاف

عقد الإمام المقبلي[٥]في كتابه : « العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ » فصلاً قّيماُ عرض فيه لأمر الاختلاف في الدين ، واستطرد لأمر الصحابة ، وعدالتهم ، نأتي به هنا ببعض اختصار لما فيه من الفوائد الجزيلة ، والقواعد الجليلة.

نوّه الله سبحانه بالاختلاف في الدين ، وكرّر ذلك في كتابه العزيز لعلمه سبحانه وتعالى بضرره في الدنيا ، وكم كرّر ذلك في بني إسرائيل قائلاً :

[١]سورة الحجرات : الآية ١٥.

[٢]سورة التوبة : الآية ١١٩.

[٣]سورة التوبة : الآية ١٠٠.

[٤]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١| ٥٩٢ ط بيروت.

[٥]هو الشيخ صالح مهدي المقبلي من علماء اليمن المجتهدين توفي سنة ( ١١٠٨ هـ ) كان في الأصل على مذهب الزيدية ، ثم طلب الحق بعدم التقليد فانتهى إلى ترك التمذهب ، وقبول الحق الذي يقوم على الدليل ، وقد شهد له الإمام الشوكاني بالاجتهاد المطلق ، رحمه الله ورضي عنه.


صفحه 111

(وما تفرّقوا الاّ من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)ونحوها ، وصدق الله تعالى ، ما وجدنا الخلاف إلاّ في محل قد تبيّن الحق فيه. وقد تمّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فنهى رسول الله عن مظان الخلاف ، وحذر منها كالجدل في القدر. وقال تعالى :

(لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم).

وقال رسول الله : « اتركوني ما تركتكم » ، وكمل الله سبحانه الدين على لسان نبيّه صلّى الله عليه وسلّم فلم يبق شيء يقرّبنا إلى الجنة إلاّ بينّه لنا ، ولا شيء يقربنا إلى النار إلاّ بينه ، وما عفا الله عنه ، وسكت عنه رسوله ، فلا يريد الله أن نبحث عنه بمجرد عقولنا القاصرة ، فإنها إنما جعلت الدنيا في قدر محدود في علمه سبحانه ، وجاءت الرسل بتتميم ما تتم به النعمة ، وتؤكد الحجة ، فما عدا ذلك فضول يخاف ضرره ولا يرجى نفعه ، وقد قام بمراد الله في ذلك خير القرون فكانوا يحاذرون الاختلاف أشد المحاذرة وما فرظ منهم تلافوه أشدّ التلافي ، ولم يصروا على ما فعلوه وهم يعلمون. كما كان من طلحة والزبير ، وعائشة رضي الله عنهم.

ولقد صبر من بقي من الصحابة بعد خلافة النبوة على أمراء الجور أشدّ الصبر إلى أن ظهرت البدع بسبب التنقير عما سكت الله عنه ، ورسوله ، ولو كان لهم من ذلك خير لوقفهم الله على تلك المطالب على لسان رسوله ، ولم يتركهم يتخبّطون.

ثم حدثت بين المسلمين أنفسهم نوادر كالكلام في القدر ، ومسألة خلق القرآن ، والتعرض لما جرى بين الصحابة رضي الله عنهم ، واتصل بذلك المناظرة عند الملوك والامراء وصارت عصبية ، والدعوى من الجانبين أن ذلك تدين ، وما هو إلاّ أنهم لمّا تعدّوا طورهم ، ولم يقفوا على حدّهم الذي وقفهم الله ورسوله صلّى الله عليه وسلم عليه ، تركهم


صفحه 112

الله وشأنهم ولبسهم شيعاً ، وأذاق بعضهم باس بعض ، فكان خليفة يوافق هؤلاء فيذيق مخالفيهم العذاب الأليم ، ويخلفه الآخر ، وينقض ما فعله الأول وينكل بهؤلاء ، ويوطىء شأن هؤلاء حتى استحكم الشرّ ، وصار الناس شيعاً.

نجد أحدهم ينتقل من مذهب إلى آخر بسبب شيخ ، أو دولة ، أو غير ذلك من الأسباب الدنيوية ، والعصبيّة الطبيعيّة كما رووا أنّ ابن عبد الحكم أراد مجلس الشافعي بعد موته فقيل له ، قال الشافعي :

الربيع أحق بمجلسي ، فغضب وتمذهب لمالك ، وصنف كتاباً سمّاه :

( الرد على محمد بن إريس فيما خالف فيه الكتاب والسنة ).

هكذا ذكره ابن السبكي.

وقد علم الله والراسخون في العلم أن الحق لم يكن برمته عند فرقة ، والباطل عند البواقي ، ولكن الحق والحمد لله لا يخرج عن مجموعهم ، وما الحق كلّه إلاّ عند من بقي على ما كان النبي صلّى الله عليه وسلم ، ولا بدّ له من الخطأ في اجتهاداته في المسائل المعفوّ عن الخطأ فيها ، لا في المهمّات.

وقل لي : من ذا الّذي وقف على ما وقف ، وقنع بما جاء عن الله ورسوله صلّى الله عليه وسلم ولم يتمذهب ، ويؤثر الأسلاف على الكتاب والسنة ، ويترك هذا الداء الدويّ ، ويتمسك بالإنصاف فيما يأتي ويذر؟ لا والله ما أعرف أحداً في هذه الكتب التي طبقت البسيطة إلاّ وقد تخبط وخلط ، وتعسف لمذهبه وما أنصف ، وردّ كتاب الله تعالى إلى عقيدته وحرّف!

وبعد أن تكلم عن أحوال المتكلمين ، أخذ يبينّ أحوال المحدثين فقال :

وهؤلاء المحدّثون الذين يزعمون الثبوت على السّنة ، وينهون عن


صفحه 113

الكلام[١]قد سرت فيهم المفسدة أكثر منها في غيرهم ، لأنهم قاعدون في طريق الشريعة ، والمفسدة والحرب ، والفتك ، والحيات ، والعقارب ، والسموم ، والسباع في الجادة أعظم ضرراً منها في ثنيات الطريق ، مع أن داءهم جاء من الخوض في الكلام ، وصاروا أشد عصبية من المتكلمين ، لأن المتكلمين بنوا أمرهم على التفتيش ، وأن لا يلام الطالب على المباحثة وإيراد الأسئلة ، واختراع التعليلات ، بل يعدون ذلك ظرافة وكمالاً ، فربما انكشف للمتأخر مع تعاقب الأنظار تقارب كلام الفريقين ونحو ذلك ، كما انكشف لأتباع الأشعري بطلان الجبر ، ثم تشبّثوا بالكسب ، ثم تبين عواره ، فصاروا إلى مذهب المعتزلة من حيث المعنى كما مضى ، وليس ثبوت الاختيار يختص بالمعتزلة حتى ينفر منه ، إنما هو دين الله وحجته.

فمن حقّق من المتأخرين هون ما عظم سلفه ، ولانت عريكته.

وأمّا المحدّثون فإنما أخذوا شيئأ بأول رؤية ، ثم لم ينقروا كأن ذلك بدعة وصدقوا ، ولكنه بدعة من أوله إلى آخره ، فما لهم دخلوا فيه! كأن دخولهم من غير نيّة ، لكن دس لهم الشيطان :

أنتم أهل السنة فمن يذب عنها إن تركتم هؤلاء؟ فلا هم اقتصروا على ما هم عليه ولا هم بلغوا إلى مقاصد القوم ليتمكنوا من الرد عليهم!

هذا الإمام أحمد حفظه للسنة ، وتقدمه وتجريده نفسه لله سبحانه وتعالى لا يجهل ، لكنه لما تكلم في مسألة خلق القرآن وابتلي بسببها ، جعلها عديل التوحيد أو زاد! حتى إنه بلغه أن محمد بن هارون قال لإسماعيل بن علية :

يابن الفاعلة! قلت : القرآن مخلوق! أو نحو هذه العبارة!

[١]أي علم الكلام.


صفحه 114

قال أحمد : لعلّ الله يغفر له ، يعني محمد بن هارون ، وكان اسماعيل بن علية أحق أن يرجو له أحمد ، لأنه إمام مثله علماً وورعاً ، وإن فرض خطؤه فيما زعم أحمد ، فعفو الله أوسع ، وما خطؤه فيها كمن يقعد في الخلافة خالياً عن صفاتها ويعوث[١]في الدماء ، والأموال!.

غفر الله لأحمد ، لقد بلغ في هذه امسألة ما أمكنة من التعصب ، حتى صار يرد كل من خالفه فيها ولا يقبل روايته ، وهذه خيانة للسند ، فإن الّذي أوجب قبول خبر العدول ، يوجب قبول خبر هذا ، وها هو ذا يقول : نروي عن القدريّة.

ولو فتشت البصرة وجدت ثلثهم قدرية. هكذا في تهذيب المزي وغيره.

وهذه المسألة لا تزيد على القدر لو كان للخلاف في المسألتين استقرار ، بل زاد فصار يرد الواقف ويقول :

« فلان واقفي[٢]مشموم » بل غلا وزاد وقال : لا أحب الرواية عمن أجاب في المحنة كيحيى بن معين. مع أن أحمد ليس من المتعنتين ، ولا من المتشددين.

فمن شيوخه : عامر بن صالح بن عبدالله بن عروة بن الزبير بن العوّام.

قال فيه النسائي : ليس بثقة ، وقال الدار قطني بتركه. وقال ابن معين :

كذّاب خبيث عدوّ الله ، ليس بشيء وقال : جنَّ أحمد ، يحدث

[١]يقال : عثى يعثي وعثاً وفيه لغة أخرى عاث يعيث وهو أشدّ الفساد ص ٤٣ من كتاب « القرملين ».

[٢]الواقف هو الذي يتكلم في مسألة خلق القرآن.


صفحه 115

عن عامر بن صالح؟ وقال الذهبي : واهن. لعلّ ما روى أحمد عن أحد أوهى منه ، مع غلّو الذهبي[١]، في أحمد ورؤيته له بعين الرضا ، وعلى الجملة فلا يشك أن رواته لم يكن فيهم بالشحيح ، إلاّ أن يكون من قبيل مسألة القرآن. فيا هذا ما الذّي عندك في القرآن والسنة.

إن القرآن ليس بمخلوق؟ أو أنه مخلوق؟ وبحثك ، وبحث غيرك كلاهما بدعة! والله وصف القرآن بأنه قرآن عربّي(غير ذي عوج)وقال :

جعلناه ، ونزلناه ، وفصلناه ، ولم يقل خلقناه ، ولم يقل ليس بمخلوق.

فمن أين جئت بهذه السنة.

ولمّا أجاب علي بن المديني الذي قال البخاري[٢]:

ما أستحقر نفسي عند أحد إلاّ عنده فأجاب في المحنة فتكلموا فيه ، مع أنه عذر له ، لو أجاب في الترك ، كيف مسألة خلق القرآن حتى تحاماه بذلك مسلم[٣]مع تساهله في رجاله.

وأعجب من هذا أن الذابين عن علي بن المديني لم يجدوا من الذب إلا قولهم :

روى عنه فلان ، وروى عنه فلان أنه قال :

من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر! ومن قال : إن الله لا يرى فقد كفر!

[١]وصف المقبلي الذهبي بانه كان يتكلف الغمز في أهل البيت ، ويعمي عن مناقبهم ، ويحابي بني امية ، ولا سيّما المروانية.

[٢]من الذين تكلموا في مسالة خلق القرآن البخاري ونص قوله : أفعالنا مخلوقة والفاظنا من افعالنا.

[٣]مسلم بن حجاج صاحب الكتاب المشهور.


صفحه 116

فهذا التنزيه إن صح هو الذي ينقم عليه به لأنه تكفير مسلم يبوء به أحدهما من غير دليل ، وكيف وما سلم من هذا التكفير أم المؤمنين عائشة الصديقة رضي الله عنها ومن وافقها من الصحابة والتابعين في نفي الرؤية ـ ولكن المحدّثين لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام ، لأنه غير صنعتهم ـ وكل صاحب سلعة لا يعرض إلا سلعته ، فنقر عن هذا المعنى وخذ في كل فن عن أئمته ، وإياك والدخيل فيه ـ وتراهم يكررونه فمن أرادوا تنزيهه ، أومدحه قالوا :

من قال : القرآن مخلوق فهو كافر ـ ذكروا هذا في جماعة ، منهم ابن لهيعة وغيره بل قالوا : ترك المحاسبي ميراث أبيه وقال :

أهل ملتين لا يتوارث[١]لأن أباه كان واقفيّاً.

وقال يحيى بن معين أمير الجرح والتعديل :

كان عمرو بن عبيد دهرياً! قيل : وما الدهري؟ قال : يقول : لا شيء ... وما كان عمرو هكذا[٢].

فلو طلبت أعظم المتكلين ، بل القصاص المجازفين لا تكاد تجد من يتجاسر هذا التجاسر على رجل علمه ، وزهده ، وتألهه ، مثل الشمس في الضحى ، وقد تبعه شطر هذه البسيطة.

وقال يحيى بن معين في عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية ثقة ـ وهو جليس الحجاج بن يوسف ، وكذا قال النسائي ، وأبو داود ، والدارقطني ، بل روى له البخاري ومسلم ، وروى البخاري لمروان بن الحكم الذي رمى طلحة وهو في جيشه والمتسبب في خروجه على عليّ ، وفعل كل طامّة.

[١]و (٢) راجع تعريفهم للصحابي الذي مرّ تحت عنوان : من هو الصحابي.