شمول الصحبة ومميزاتها
كما أن الصحبة تشمل من مردوا على النفاق ، والذين ابتغوا الفتنة من قبل ، وقلبوا لرسول الله الأمور ، واظهروا الغدر ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون.
وفيهم : من كان يؤذي رسول الله وقد وصفهم الله بقوله :
(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن..والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)[١]. و(إنّ الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعدّ لهم عذاباً مهيناً)[٢].
وفيهم المخادعون والذين يظهرون الإيمان وقد وصفهم الله تعالى بقوله :
(ومن الناس من يقول آمنّا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين*يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون)[٣].
(وإذا لقوا الذين آمنو قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزئون)[٤].
(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدّق ولنكونّن من الصالحين*فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ومعرضون*فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)[٥].
والحاصل أن الصحبة منزلة عظيمة ، وفضيلة جليلة ، وهي
[١]سورة التوبة : الآية ٦١.
[٢]سورة الاحزاب : الاية ٥٧.
[٣]سورة البقرة : الايتان ٨ ـ ٩.
[٤]سورة البقرة : الآية ١٤.
[٥]سورة التوبة : الآيات ٧٥ـ ٧٦ـ ٧٧.
بعمومها تشمل من امتحن الله قلبه للإيمان ، واخلص لله ، وجاهد ، وناصر ، ومن رقى درجة الكمال النفساني. فكان مثالاً لمكارم الأخلاق ، وهم يخشون الله ، ويمتثلون أوامره ، كما وصفهم الله بقوله :
(إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون*الذين يقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون*أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربّهم ومغفرة ورزق كريم)[١].
كما أنها لم تشمل من لم يدخل الإيمان قلبه :
(يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم)[٢].
ليت شعري ما هذه العصمة ، أكانت في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأم بعده؟! فإن كانت في حياته فما أكثر الشواهد على نفي ذلك :
أخرج البيهقي بسنده عن أبي عبدالله الأشعري عن أبي الدرداء قال :
قلت : يارسول الله بلغني أنك تقول :
ليرتدن أقوام بعد إيمانهم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم: أجل ولست منهم[٣].
ومن الغريب أن البعض علّل ذلك بأن المراد من هؤلاء المرتدين ، هم الذين قتلوا عثمان ، وإن أبا الدرداء مات قبل قتل عثمان ، وبهذا التوجيه يتوجه الطعن على أكثر الصحابة ، فإنهم اشتركوا بقتل عثمان ،
[١]سورة الأنفال : الآيات ٢ـ ٣ـ ٤
[٢]سورة الفتح : الآية : ١١.
[٣]تاريخ ابن كثير : ٦ / ١٧٠
والمتخلفون عن ذلك عدد لا يتجاوز أصابع الكف.
وبمقتضى هذا التأويل يدخل في قائمة الحساب عدد كثير هو أضعاف ما في قائمة الشيعة من المؤاخذات ، ومن الشواهد على نفي العدالة في زمان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم:
١ـ كان رجل يكتب للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، وقد قرأ البقرة ، وآل عمران ، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يملي عليه غفوراً ، رحيماً ، فيكتب : عليماً ، حكيما. فيقول له النبي : اكتب كذا وكذا فيقول : أكتب كيف شئت ، ويملي عليه عليماً حكيماً فيكتب : سميعاً بصيراً وقال :
انا أعلمكم بمحمد. فمات ذلك الرجل. فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم:
الأرض لا تقبله.
قال انس : فحدثني أبو طلحة ، أنه أتى الأرض التي مات فيها الرجل ، فوجده منبوذاً فقال أبو طلحة :
ما شأن هذا الرجل؟ قالوا : دفناه مراراً فلم تقبله الأرض.
قال ابن كثير : وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه[١].
٢ـ وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط الذي سماه الله فاسقاً حينما ارسله النبيصلىاللهعليهوآلهعلى صدقات بني المصطلق فعاد وأخبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمأنهم خرجوا لقتاله فأراد أن يجهز لهم جيشاً فأنزل الله فيه :
(يا أيها الذين آمنو إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ...)( الآية ) فقد كان في عداد الصحابة ، فأين العدالة من
[١]تاريخ ابن كثير : ٦ / ١٧٠.
الفاسق؟![١].
٣ـ وهذا الجد بن قيس أحد بني سلمة نزلت فيه :
(ومنهم من يقول إئذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)[٢].
٤ـ وهذا مسجد ضرار ، وما ادراك ما مسجد ضرار قد بناه قوم ، وسموا بالصحبة يتظاهرون فيه بأداء الصلاة في اوقات لا يسعهم الوصول إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم، ولكن فضح الله سرهم ، وأبان أمرهم فهم منافقون.
وانزل الله فيهم :
(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصادأ لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلاّ الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون)[٣].
وكانوا إثني عشر رجلا من المنافقين منهم :
خذام بن خالد بن عبيد ، ومن داره أخرج المسجد.
ومعتب بن قشير ، وأبو حبيبة بن ابي الأزعر وغيرهم[٥].
٥ـ وهذا ثعلبة بن حاطب بن عمر بن أمية ممن شهد بدراً واحداً فقد منع زكاة ماله ، فأنزل الله فيه :
(ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين*فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولّوا وهم
[١]تفسير ابن كثير : ٤/ ٢١٢.
[٢]سيرة ابن هشام : ٢/ ٣٣٢.
[٣]سورة التوبة : الآية ١٠٧.
[٤]سيرة ابن هشام : ١/ ٣٤١ ، وتفسير ابن كثير ٢/ ٣٨٨.
معرضون)[١].
وكان ثعلبة هذا من الصحابة ملازماً لأداء الصلاة في أوقاتها ، وكان فقيراً معدماً ، فقال لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
ادع لي أن يرزقني مالاً فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم:
ويحك يا ثعلبة قليل تشكره خير من كثير لا تطيقه.
فقال ثعلبة :
والذي بعثك في الحق نبيّاً لئن دعوت الله فيرزقني مالاً لاعطين كل ذي حق حقّه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم:
اللهم ارزق ثعلبة مالا ، فزاد وفره ، وكثر ماله ، وامتنع من أداء زكاته فأعقبه نفاقاً إلى يوم يلقاه بما أخلف وعده وكان من الكاذبين.
٦ـ وهذا ذو الثدية كان في عداد الصحابة متنسكاً عابداً ، وكان يعجبهم تعبّد واجتهاده فأمر النبي بقتله ، وكانصلىاللهعليهوآلهوسلميقول :
إنه لرجل في وجهه لسفعة من الشيطان ، وارسل ابا بكر ليقتله فلما رآه يصلّي رجع وارسل عمراً فلم يقتله ثم أرسل عليّاًعليهالسلامفلم يدركه[٢]وهو الذي ترأس الخوارج وقتله عليعليهالسلاميوم النهروان.
٧ ـ وهؤلاء قوم وسموا بالصحبة كانوا يجتمعون في بيت سويلم يثبطون الناس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهفأمر من أحرق عليهم بيت سويلم[٣].
[١]سورة التوبة الآيتان : ٧٥و ٧٦.
[٢]الإصابة في تميز الصحابة : ١/٤٢٩.
[٣]سيرة ابن هشام : ٣/٢٣٥.
٨ ـ وهذا قزمان بن الحرث شهد أحداً ، وقاتل مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمقتالاً شديداً فقال أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمما أجزأ عنا أحد كما أجزأ عنّا فلان فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم:
أما إنه من أهل النار.
ولمّا أصحابته الجراحة وسقط فقيل له :
هنيئاً لك بالجنّة يا ابا الغيداق.
قال : جنة من حرمل ، والله ما قاتلنا إلا على الأحساب[١].
٩ـ وهذا الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس طريد رسول الله ولعينه وهو والد مروان وعم عثمان.
حدث الفاكهي بسند عن الزهري ، وعطاء الخراساني أن أصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهدخلوا عليه وهو يلعن الحكم فقالوا : يارسول الله ما باله؟ فقال :
دخل عليّ شق الجدار وأنا مع زوجتي فلانة.
ومرّ النبي بالحكم فجعل الحكم يغمز النبي بإصبعه فالتفت فرآه فقال :
اللهم اجعله وزغاً فزحف مكانه[١]. وكان يسمى خيط الباطل.
وقالصلىاللهعليهوآلهفيه :
ويل لأمتي مما في صلب هذا.
ومن حديث عائشة أنها قالت لمروان بن الحكم :
أشهد أن رسول الله لعن اباك وأنت في صلبه.
[١]الإصابة : ٣/ ٢٣٥.
١٠ـ وهذه أم المؤمنين عائشة لم يثبت لهاصلىاللهعليهوآلهالايمان كما حدث كثير بن مروة عنها :
إن النبيصلىاللهعليهوآلهقال : أطعمينا يا عائشة قالت : ما عندنا شيء.
فقال أبو بكر :
إن المرأة المؤمنة لا تحلف أنه ليس عندها شيء وهو عندها.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله:
ما يدريك أنها مؤمنة؟
انّ المرأة المؤمنة في النساء كالغراب الأبقع في الغربان[١].
وهذا إنكار من النبيصلىاللهعليهوآلهعلى القطع بالعدالة ، والإيمان.
ولو كان كما يدعى لقال مؤيداً لقول أبي بكر. نعم إنها مؤمنة ، وزوجة نبي ومن أهل الجنة ، ولكنةصلىاللهعليهوآلهلم يرض بذلك الاعتقاد ، وإنما الأمور منوطة بالعمل وحسن الخاتمة.
ويدل على ذلك أنهصلىاللهعليهوآلهعاد كعباً في مرضه فقالت أم كعب : هنيئاً لك الجنة يا كعب ، فقالصلىاللهعليهوآله:
من هذه المتالية على الله عزوجل؟
قال كعب : هي أمي يارسول الله.
فقالصلىاللهعليهوآله:
وما يدريك يا أم كعب ، لعل كعباً قال ما لا يعنية ، ومنع ما لا يغنية[٢].
[١]علل الحديث لا بن أبي حاتم : ١/٤٣٩.
[٢]تاريخ بغداد : ٤/٢٧٣.
١١ـ وأخرجا النسأئي في صحيحه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى :
(ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)أنه قال :
كانت امرأة تصلّي خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهحسناء من أحسن الناس ، وكان بعض القوم يتقدّم لئلا يراها ، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ليراها. فأنزل الله فيهم ذلك.
١٢ـ وأخرج ابن حنبل من طريق ابن عباس ، وابن عمر أنها سمعا النبيصلىاللهعليهوآلهعلى منبره يقول :
لينتهين اقوام عن ودعهم الجماعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكتبن من الغافلين[١].
١٣ـ وأخرج أحمد في مسنده : عن عبدالله بن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآلهأنه قال لأصحابه : أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول : يا ربي اصحابي ، فيقول :
إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[٢].
وأخرج عن ابن مسعود ايضاً بلفظ : وأني ممسك بحجورك إن تهافقوا في النار كتهافت الفراش[٣].
وأخرج الترمذي عن النبي (ص) ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين ، وذات الشمال فأقول : ياربي أصحابي فيقال : إنك لا تدري
[١]مسند أحمد : ٥/٤٠.
[٢]مسند أحمد : ٥/٢٣١.
[٣]مسند أحمد : ٦/٥١.