بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 132

ما أحدثوا بعدك ، فإنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : إن تعذبهم فإنّهم عبادك[١]

وأخرج مسلم من طريق عائشة بلفظ :

إني على الحوض انتظر من يرد عليّ منكم فوالله لينقطعن رجال فلأقولن أي ربي ... الحديث. وأخرج مثله من طريق أم سلمة[٢].

ولعلّ الاستمرار بذكر الشواهد ـ وما أكثرها ـ يوجب الإطالة ، والإطالة توجب الملل فلهذا نكتفي بالقليل من البيان حول الشواهد على نفي العدالة المزعومة :

« لكل من هب ، ودرج ».

والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة لكنها غير عاصمة ، فإن فيهم العدول ، والأولياء والصديقون ، وهم علماء الامة ، وحملة الحديث ، وفيهم مجهول الحال ، وفيهم : المنافقون وأهل الجرائم كما أخبر تعالى بقوله :

(وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)[٣].

وفيهم : من كان يؤذي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله:

(والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)[٤].

[١]صحيح الترمذي : ٢/٦٧.

[٢]صحيح مسلم : ٤/٦٥ ـ ٦٧.

[٣]سورة التوبة : الآية ١٠١.

[٤]سورة التوبة : الآية ٦١.


صفحه 133

فإلى الله نبرأ من هؤلاء ، وممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين)[١].

والذين(يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً*مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً)[٢].

والكتاب العزيز يعلن بصراحة عن وجود طائفة تستمع إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآلهولكن طبع الله على قلوبهم لأنهم اتبعوا الهوى فقال تعالى :

(ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم)[٣].

كما أعلن تعالى لعن طائفة منهم وهم الذين في قلوبهم مرض والذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم(أولئك الذين لعنهم الله فأصمتهم وأعمى أبصارهم*أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)[٤].

أجل أين ذهب أولئك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وقد جرعوه الغصص في حياته ، ودحرجوا الدباب ، فهل انقلبت حالهم بعد موتهصلى‌الله‌عليه‌وآلهمن النفاق إلى الإيمان؟ ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الشك إلى اليقين ، فأصبحوا في عداد ذوي العدالة من

[١]سورة المجادلة : الآية ١٦.

[٢]سورة النساء : الآيتان ١٤٢ـ ١٤٣.

[٣]سورة محمد(ص) : الآية ١٦.

[٤]سورة محمد(ص) : الآيتان ٢٣ـ ٢٤.


صفحه 134

الصحابة الذين طبعت نفوسهم على التقى والورع ، وعفة النفس والعلم ، والحلم ، والتضحية في سبيل الله وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله :

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)[١].

فنحن لا نرتاب في ديننا ، ولا نخالف قول الحق في تمييز منازل الصحابة ، ودرجاتهم فنتبع الصادقين منهم ، ونوالي من اتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله ورسوله ، كما أنا لا نأتمن أهل الخيانة لله ورسوله ، ففي ذلك جناية على الدين وخيانة لأمانة الإسلام ولا نركن لمن ظلم منهم ، ولا نواد من حاد الله ورسوله.

هذا هو قوله الحق. والحق أحق أن يتبع[٢].

* * *

الصحابة في حدود الكتاب والسنة

وهل تجاوزت الشيعة في نقد أعمال بعض الصحابة حدود الكتاب والسنة؟ إذ وجدوا في أعمالهم مخالفة ظاهرة ، لا يمكن لها التأويل والتسامح ، لأن عموم الصحبة لا يمنحهم سلطة التصرف بالأحكام ، ولا تسوغ لهم مخالفة تلك الحدود وإن الاجتهاد في مقابلة النص هو في الحقيقة طرح للأحكام ، ونبذ للقرآن وراء الظهور ، وإن كثيراً منهم حديثو عهد في الإسلام ، قد ألفت نفوسهم أشياء وطبعت عليها ، ومن الصعب أن تتحلل منها بسرعة.

[١]سورة الحجرات : الآية ١٥.

[٢]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٥٩٣ ـ ٥٩٦.


صفحه 135

وليس من الإنصاف أن يكون هؤلاء بمنزلة أهل السبق ، ومن رسخ الإيمان في قلوبهم فنشروا الإسلام ، وحملوا ألوية العدل ، ونشروا العقيدة الإسلامية ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم عن نية صادقة ، وهاجروا عن إيمان خالص.

وقد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله:

« إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه »[١].

وسأله ناس من أصحابه فقالوا : يارسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله:

« أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به ، ومن أساء أخذ في الجاهلية والإسلام »[٢].

وعن صهيب مرفوعاً :

« ما آمن بالقرآن من استحل محارمه »[٣].

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآلهبلفظ : « من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام اخذ في الأوّل ، والأخر »[٤].

وعن ابن عمر قال :

صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال :

[١]صحيح مسلم : ٦/٤٨.

[٢]صحيح مسلم : ١/ ٧٧.

[٣]صحيح الترمذي : ٢/١٥١.

[٤]صحيح مسلم : ١/٧٧.


صفحه 136

« يا معشر من اسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم. من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»[١].

وهكذا يتضح لنا على ضوء الأحاديث النبوية وآي القرآن الكريم مساواة الناس وشمول الأحكام لهم ، وأن ثبوت العدالة بالعمل ، ولا أثر لها بدونه ، والصحابة هم أولى بتنفيذها ، والقول في اجتهادهم مطلقاً يحتاج إلى مشقة في الإثبات ، والنتيجة عقيمة لا تثمر كثير فائدة ، والتأويل في مقابلة النص معناه طرح للأحكام. فلا يصح أن يتأولوها على خلاف ظاهرها ، ثم يستبيحوا لأنفسهم مخالفة الظاهر منها ، بل الأحكام شرعة واحدة بين الناس لتشملهم عدالتها. فلا مجال لأحد عن الخضوع لها وتطبيقها.

ولنا في سياسة الإمام علي بن أبي طالب ، وسيرته في عصر الخلفاء ، وفي عصره لأكبر دليل على ما نقول :

فقد كان يقيم الحد على من تعدّى حدود الله ، ويعامل كل واحد بما يقتضيه عمله ، وبقدر منزلته عند الله تعظم منزلته عنده.

وكم كان يدعو على أولئك الذين وسموا بالصحبة ، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله ، ونصبوا له الحرب.

وقد أعلنعليه‌السلامالبراءة منهم على منبره لأنهم خالفوا كتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم.

ومن وقف على عهودهعليه‌السلاملعماله ، ووصاياه لأمراء جيشه ، ورسائله لولاة أمره ، يعرف هناك عدم الالتزام بما ألزموا الأمة

[١]صحيح الترمذي : ١/٣٦٥.


صفحه 137

به ، من القيود التي فرضتها ظروف خاصة ، وهو القول بعدالة الصحابي ، وإن ارتكب ما حرّم الله.

والتحدث عن سيرة علي لا يتسع له مجال هذا الموضوع الذي خضناه بهذه العجالة ، والغرض أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لا بد أن يلتزموا باجتناب ما حرم الله تعالى ويهتدوا بهدي رسوله صلى الله عليه وآله ، ولم يفتحوا المجال لمتأول في مقابلة النص ، وللاجتهاد شروط ، ولعل في قصة قدامة أكبر دليل على ذلك قدامة بن مضعون :

قدامة بن مضعون بن حبيب المتوفى ( سنة ٣٦هـ ) كان من السابقين الأولين ، وهاجر الهجرتين ، واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين ، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين ، وشهد على قدامة أنه شرب الخمر فسكر ، فقال : من يشهد معك فقال الجارود : أبو هريرة.

فقال عمر لأبي هريرة : بم تشهد؟ قال : لم أره شرب الخمر ولكن رأيته سكران يقيء.

فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين فقدم ، فقال الجارود : أقم على هذا حدّ الله.

فقال عمر : أخصم أنت أم شهيد؟

فقال شهيد.

فقال : قد أديت شهادتك.

ثم غدا الجارود على عمر فقال :

أقم على هذا حدّ الله.

فقال عمر :

ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد.


صفحه 138

فقال الجارود : أنشدك الله.

فقال عمر : لتمسكن لسانك أو لأسوانك.

فقال : يا عمر ما ذالك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني.

فقال ابو هريرة : يااميرالمؤمنين إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الواليد فأسألها ـ وهي امرأة قدامة ـ فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها.

فقال عمر لقدامة : إني حادّك ، فقال قدامة :

لوشربت كما تقول ما كان لكم أن تحدّني.

فقال عمر : لم؟

قال قدامة : قال الله عزوجل :(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا...)الآية.

فقال عمر : أخطأت التأويل أنت إذا اتقيت الله اجتنبت ماحرّم الله ، ثم أقبل عمر على الناس فقال :

ماترون في جلد قدامة؟

فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً. فسكت على ذلك أيّاماً ثم أصبح وقد عزم على جلده فقال : ما ترون في جلد قدامة. فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً.

فقال عمر : لأن يلقى الله تحت السياط أحب إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي ، ائتوني بسوط تام. فأمر به فجلد[١].

هذه قصة قدامة ، وإقامة الحد عليه ، وتأويله فيما ارتكبه ، ولم نوردها لنحط من كرامته ، أو نطعن عليه في دينه ، فله شرف الهجرة

[١]الإصابة في تمييز الصحابة : ٣/٢٢٨.


صفحه 139

والسبق ، ولكنّا ذكرناها ليتضح لنا عدم صحة ما يقولون ، بعدم مؤاخذة المتأول ، وإن خالف الإجماع ، وما هو معلوم بالضرورة كقضيّة أبي الغادية وقتله لعمار بن ياسر مع اعترافه بأن ما ارتكبه جريمة توجب دخول النار.

وهناك جماعة من الصحابة تأوّلوا فأخطأوا ، فلم يدرأ تأويلهم الحد لوقوعهم في الخطأ. منهم :

أبو جندل ، وضرار بن الخطاب ، وأبو الأزور فقد وجدهم أبوعبيدة قد شربوا الخمر فأنكر عليهم. فقال أبو جندل :

(ليس على الذين آمنوا جناح فيما طعموا ...)الآية ، ولم ينفعهم ذلك وأقام عليهم الحد.

فأين العدالة من إقامة عليهم الحد.

وكان عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر بمصر فأقام الحد عليه عمرو بن العاص إلى كثير من ذلك[١].

* * *

سياسة عمر تجاه بعض الصحابة

وهذا عمر بن الخطاب لم يثبت العدالة لأبي هريرة عندما استعمله على البحرين فقدم بعشرة آلاف فقال له عمر :

استأثرت بهذه الأموال يا عدوّ الله ، وعدو كتابه.

فقال أبوهريرة :

لست بعدوّ الله ، ولا عدوّ كتابه ، ولكن عدوّ من عاداهما.

[١]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٦٠٢ـ ٠٥