١١ـ وأخرجا النسأئي في صحيحه عن ابن عباس في نزول قوله تعالى :
(ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين)أنه قال :
كانت امرأة تصلّي خلف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهحسناء من أحسن الناس ، وكان بعض القوم يتقدّم لئلا يراها ، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر ، فإذا ركع نظر من تحت إبطه ليراها. فأنزل الله فيهم ذلك.
١٢ـ وأخرج ابن حنبل من طريق ابن عباس ، وابن عمر أنها سمعا النبيصلىاللهعليهوآلهعلى منبره يقول :
لينتهين اقوام عن ودعهم الجماعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكتبن من الغافلين[١].
١٣ـ وأخرج أحمد في مسنده : عن عبدالله بن مسعود عن النبيصلىاللهعليهوآلهأنه قال لأصحابه : أنا فرطكم على الحوض ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول : يا ربي اصحابي ، فيقول :
إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك[٢].
وأخرج عن ابن مسعود ايضاً بلفظ : وأني ممسك بحجورك إن تهافقوا في النار كتهافت الفراش[٣].
وأخرج الترمذي عن النبي (ص) ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين ، وذات الشمال فأقول : ياربي أصحابي فيقال : إنك لا تدري
[١]مسند أحمد : ٥/٤٠.
[٢]مسند أحمد : ٥/٢٣١.
[٣]مسند أحمد : ٦/٥١.
ما أحدثوا بعدك ، فإنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ، فأقول كما قال العبد الصالح : إن تعذبهم فإنّهم عبادك[١]
وأخرج مسلم من طريق عائشة بلفظ :
إني على الحوض انتظر من يرد عليّ منكم فوالله لينقطعن رجال فلأقولن أي ربي ... الحديث. وأخرج مثله من طريق أم سلمة[٢].
ولعلّ الاستمرار بذكر الشواهد ـ وما أكثرها ـ يوجب الإطالة ، والإطالة توجب الملل فلهذا نكتفي بالقليل من البيان حول الشواهد على نفي العدالة المزعومة :
« لكل من هب ، ودرج ».
والحق أن الصحبة بما هي فضيلة جليلة لكنها غير عاصمة ، فإن فيهم العدول ، والأولياء والصديقون ، وهم علماء الامة ، وحملة الحديث ، وفيهم مجهول الحال ، وفيهم : المنافقون وأهل الجرائم كما أخبر تعالى بقوله :
(وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم)[٣].
وفيهم : من كان يؤذي رسول اللهصلىاللهعليهوآله:
(والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم)[٤].
[١]صحيح الترمذي : ٢/٦٧.
[٢]صحيح مسلم : ٤/٦٥ ـ ٦٧.
[٣]سورة التوبة : الآية ١٠١.
[٤]سورة التوبة : الآية ٦١.
فإلى الله نبرأ من هؤلاء ، وممن(اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين)[١].
والذين(يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً*مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلاً)[٢].
والكتاب العزيز يعلن بصراحة عن وجود طائفة تستمع إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهولكن طبع الله على قلوبهم لأنهم اتبعوا الهوى فقال تعالى :
(ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أتوا العلم ماذا قال آنفاً أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم)[٣].
كما أعلن تعالى لعن طائفة منهم وهم الذين في قلوبهم مرض والذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم(أولئك الذين لعنهم الله فأصمتهم وأعمى أبصارهم*أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)[٤].
أجل أين ذهب أولئك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ وقد جرعوه الغصص في حياته ، ودحرجوا الدباب ، فهل انقلبت حالهم بعد موتهصلىاللهعليهوآلهمن النفاق إلى الإيمان؟ ومن الفساد إلى الصلاح ، ومن الشك إلى اليقين ، فأصبحوا في عداد ذوي العدالة من
[١]سورة المجادلة : الآية ١٦.
[٢]سورة النساء : الآيتان ١٤٢ـ ١٤٣.
[٣]سورة محمد(ص) : الآية ١٦.
[٤]سورة محمد(ص) : الآيتان ٢٣ـ ٢٤.
الصحابة الذين طبعت نفوسهم على التقى والورع ، وعفة النفس والعلم ، والحلم ، والتضحية في سبيل الله وهم الذين وصفهم الله تعالى بقوله :
(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)[١].
فنحن لا نرتاب في ديننا ، ولا نخالف قول الحق في تمييز منازل الصحابة ، ودرجاتهم فنتبع الصادقين منهم ، ونوالي من اتصف بتلك الصفات التي ذكرها الله ورسوله ، كما أنا لا نأتمن أهل الخيانة لله ورسوله ، ففي ذلك جناية على الدين وخيانة لأمانة الإسلام ولا نركن لمن ظلم منهم ، ولا نواد من حاد الله ورسوله.
هذا هو قوله الحق. والحق أحق أن يتبع[٢].
* * *
الصحابة في حدود الكتاب والسنة
وهل تجاوزت الشيعة في نقد أعمال بعض الصحابة حدود الكتاب والسنة؟ إذ وجدوا في أعمالهم مخالفة ظاهرة ، لا يمكن لها التأويل والتسامح ، لأن عموم الصحبة لا يمنحهم سلطة التصرف بالأحكام ، ولا تسوغ لهم مخالفة تلك الحدود وإن الاجتهاد في مقابلة النص هو في الحقيقة طرح للأحكام ، ونبذ للقرآن وراء الظهور ، وإن كثيراً منهم حديثو عهد في الإسلام ، قد ألفت نفوسهم أشياء وطبعت عليها ، ومن الصعب أن تتحلل منها بسرعة.
[١]سورة الحجرات : الآية ١٥.
[٢]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١/٥٩٣ ـ ٥٩٦.
وليس من الإنصاف أن يكون هؤلاء بمنزلة أهل السبق ، ومن رسخ الإيمان في قلوبهم فنشروا الإسلام ، وحملوا ألوية العدل ، ونشروا العقيدة الإسلامية ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم عن نية صادقة ، وهاجروا عن إيمان خالص.
وقد قال النبيصلىاللهعليهوآله:
« إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه »[١].
وسأله ناس من أصحابه فقالوا : يارسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟
فقالصلىاللهعليهوآله:
« أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ به ، ومن أساء أخذ في الجاهلية والإسلام »[٢].
وعن صهيب مرفوعاً :
« ما آمن بالقرآن من استحل محارمه »[٣].
وعنهصلىاللهعليهوآلهبلفظ : « من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ، ومن أساء في الإسلام اخذ في الأوّل ، والأخر »[٤].
وعن ابن عمر قال :
صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال :
[١]صحيح مسلم : ٦/٤٨.
[٢]صحيح مسلم : ١/ ٧٧.
[٣]صحيح الترمذي : ٢/١٥١.
[٤]صحيح مسلم : ١/٧٧.
« يا معشر من اسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ، ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم. من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله»[١].
وهكذا يتضح لنا على ضوء الأحاديث النبوية وآي القرآن الكريم مساواة الناس وشمول الأحكام لهم ، وأن ثبوت العدالة بالعمل ، ولا أثر لها بدونه ، والصحابة هم أولى بتنفيذها ، والقول في اجتهادهم مطلقاً يحتاج إلى مشقة في الإثبات ، والنتيجة عقيمة لا تثمر كثير فائدة ، والتأويل في مقابلة النص معناه طرح للأحكام. فلا يصح أن يتأولوها على خلاف ظاهرها ، ثم يستبيحوا لأنفسهم مخالفة الظاهر منها ، بل الأحكام شرعة واحدة بين الناس لتشملهم عدالتها. فلا مجال لأحد عن الخضوع لها وتطبيقها.
ولنا في سياسة الإمام علي بن أبي طالب ، وسيرته في عصر الخلفاء ، وفي عصره لأكبر دليل على ما نقول :
فقد كان يقيم الحد على من تعدّى حدود الله ، ويعامل كل واحد بما يقتضيه عمله ، وبقدر منزلته عند الله تعظم منزلته عنده.
وكم كان يدعو على أولئك الذين وسموا بالصحبة ، وخالفوا كتاب الله وسنة رسوله ، ونصبوا له الحرب.
وقد أعلنعليهالسلامالبراءة منهم على منبره لأنهم خالفوا كتاب الله وسنة نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم.
ومن وقف على عهودهعليهالسلاملعماله ، ووصاياه لأمراء جيشه ، ورسائله لولاة أمره ، يعرف هناك عدم الالتزام بما ألزموا الأمة
[١]صحيح الترمذي : ١/٣٦٥.
به ، من القيود التي فرضتها ظروف خاصة ، وهو القول بعدالة الصحابي ، وإن ارتكب ما حرّم الله.
والتحدث عن سيرة علي لا يتسع له مجال هذا الموضوع الذي خضناه بهذه العجالة ، والغرض أن أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لا بد أن يلتزموا باجتناب ما حرم الله تعالى ويهتدوا بهدي رسوله صلى الله عليه وآله ، ولم يفتحوا المجال لمتأول في مقابلة النص ، وللاجتهاد شروط ، ولعل في قصة قدامة أكبر دليل على ذلك قدامة بن مضعون :
قدامة بن مضعون بن حبيب المتوفى ( سنة ٣٦هـ ) كان من السابقين الأولين ، وهاجر الهجرتين ، واستعمله عمر بن الخطاب على البحرين ، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين ، وشهد على قدامة أنه شرب الخمر فسكر ، فقال : من يشهد معك فقال الجارود : أبو هريرة.
فقال عمر لأبي هريرة : بم تشهد؟ قال : لم أره شرب الخمر ولكن رأيته سكران يقيء.
فقال عمر : لقد تنطعت في الشهادة ، ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين فقدم ، فقال الجارود : أقم على هذا حدّ الله.
فقال عمر : أخصم أنت أم شهيد؟
فقال شهيد.
فقال : قد أديت شهادتك.
ثم غدا الجارود على عمر فقال :
أقم على هذا حدّ الله.
فقال عمر :
ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد.
فقال الجارود : أنشدك الله.
فقال عمر : لتمسكن لسانك أو لأسوانك.
فقال : يا عمر ما ذالك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني.
فقال ابو هريرة : يااميرالمؤمنين إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الواليد فأسألها ـ وهي امرأة قدامة ـ فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها.
فقال عمر لقدامة : إني حادّك ، فقال قدامة :
لوشربت كما تقول ما كان لكم أن تحدّني.
فقال عمر : لم؟
قال قدامة : قال الله عزوجل :(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصّالحات جناح فيما طعموا...)الآية.
فقال عمر : أخطأت التأويل أنت إذا اتقيت الله اجتنبت ماحرّم الله ، ثم أقبل عمر على الناس فقال :
ماترون في جلد قدامة؟
فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً. فسكت على ذلك أيّاماً ثم أصبح وقد عزم على جلده فقال : ما ترون في جلد قدامة. فقالوا : لا نرى أن تجلده ما دام وجعاً.
فقال عمر : لأن يلقى الله تحت السياط أحب إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي ، ائتوني بسوط تام. فأمر به فجلد[١].
هذه قصة قدامة ، وإقامة الحد عليه ، وتأويله فيما ارتكبه ، ولم نوردها لنحط من كرامته ، أو نطعن عليه في دينه ، فله شرف الهجرة
[١]الإصابة في تمييز الصحابة : ٣/٢٢٨.