الجرائم من المنافقين ، وفيهم مجهول الحال ، فنحن نحتج بعدولهم. ونتولاهم في الدنيا والآخرة.
أماالبغاة على الوصّي ، وأخي النبيصلىاللهعليهوآلهوسائر أهل الجرائم كابن هند ، وابن النابغة ، وابن الزرقاء ، وابن عقبة ، وابن أرطأة ، وأمثالهم فلا كرامة ولا وزن لحديثهم ، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره.
هذا راينا في حملة الحديث من الصحابة والكتاب والسنة بنينا على هذا الرأي كما هو مفصل في مظانه من أصول الفقه. لكنّ الجمهور بالغوا في تقديس كلّ من يسمونه صحابياً ، حتّى خرجوا عن الاعتدال ، فاحتجوا بالغثّ منهم والسمين ، واقتدوا بكل مسلم سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو رآه اقتداء أعمى ، وأنكروا على كل حد من الحدود ، وما أشدّ إنكارهم علينا حين يروننا نرّد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال ، عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينّية ، والبحث عن الصحيح من الآثار النبويّة.
وبهذا ظنوا بنا الظنونا ، فاتهمونا ، رجماً بالغيب ، وتهافتاً على الجهل ، ولو ثابت إليهم أحلامهم ، ورجعوا إلى قواعد العلم ، لعلموا أن أصالة العدالة في الصحابة ممّا لا دليل عليها ، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم. وحسبك منه سورة التوبة والأحزاب[١].
[١]الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ١| ٥٨٩ ـ ٥٩٢ ط بيروت.
درجـات الصحـابة
لم يكن الصحابة طرازاً واحداً في الفقه والعلم ، ولا نمطاً متساوياً في الإدراك والفهم ، وإنّما كانوا في ذلك طبقات متفاوتة ، ودرجات متباينة ، شأن الناس جميعاً في هذه الحياة على مرّ الدّهور :
(سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
قال ابن خلدون في مقدمته :
« إن الصحابة كلّهم لم يكونوا أهل فتيا ، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم ، وإنما كان مختصاً بالحاملين للقرآن ، العارفين بناسخه ، ومنسوخه ، ومتشابهه ومحكمه ، وسائر دلالته ، بما تلقوه من النبى صلّى الله عليه وسلم ، أو ممّن سمعه منهم ، وعن عليتهم ، وكانوا يسمّون لذلك ( القراء ) ، أي الذين يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أميّة ، فاختصّ من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ ، وبقي الأمر كذلك صدر الملّة ».
وعن محمد بن سهل بن أبي خيثمة عن أبيه[١]قال :
« كان الذين يفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر من المهاجرين ، وثلاثة نفر من الأنصار ، عمر وعثمان وعليّ ، وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ».
وعن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن أبابكر الصديق رضي الله عنه كان إذا نزل به أمر يريد فيه مشاورة أهل الرأي ، دعا رجالاً من المهاجرين ، والأنصار ، دعا عمر وعثمان وعليّاً ، وعبدالرحمن بن عوف ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت.
وكلّ هؤلاء كان يفتي في خلافة أبي بكر ، وإنّما تصير فتوى الناس
[١]طبقات ابن سعد ٤|١٦٧.
ألى هؤلاء ، فمضى أبوبكر على ذلك.
ثم ولى عمر فكان يدعو هؤلاء النفر.
وفي مسلم : عن مسروق قال :
« شاممت أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى ألى ستة :
إلى عمر وعلي وعبد الله ، ومعاذ[١]وأبي الدرداء وزيد بن ثابت ، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي وعبد الله »[٢].
وروى ابن القيم في أعلام الموقعين عن مسروق قال :
« جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا كالإخاذة :
الإخاذة : تروي الراكب ، والإخاذة : تروي الراكبين : والإخاذة : لو نزل بها أهل الأرض لأصدرهم ، وإن عبدالله من تلك الإخاذة ».
وروى البخاري ومسلم عن النبي قال :
« إن مثل ما بعثني به الله من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقية[١]قبلت الماء فأنبتت الكلأ ، والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا ، وسقوا ، وزرعوا ، وأصاب بها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ».
وعن عامر قال :
« كان علماء هذه الأمة بعد نبيّها ستة :
عمر وعبدالله وزيد بن ثابت. فإذا قال عمر قولاً ، وقال هذان
[١]رواية ابن القيم في أعلام الموقعين ، وابي بن كعب بدل معاذ.
[٢]هو عبدالله بن مسعود.
[٣]وفي رواية طائفة طيبة. ارجع في هذه الأخبار كلها إلى طبقات ابن سعد ٢ق | ١٠٩ ـ ١١٠.
قولاً ، كان قولهما لقوله تبعاً ، وعليّ ، وأبي بن كعب ، وأبو موسى الأشعري ، فإذا قال على قولاً ، كان قولهما لقوله تبعاً ».
وقال : « قضاة هذه الأمة أربعة :
عمر وعلى وزيد ، وأبو موسى الأشعري.
ودهاة هذه الأمة أربعة :
عمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبي سفيان ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد ».
تفاوت الصحابة في صدق الرواية
فبعضهم أصدق من بعض
صدّق عمر عبد الرحمن بن عوف وقال له : أنت عندنا العدل الرضا ـ
قال الذهبي في شرح الخبر : فأصحاب رسول الله ، وإن كانوا عدولاً ، فبعضهم أعدل من بعض ، فها هنا عمر قنع بخبر عبدالرحمن ، وفي قصة الاستئذان يقول لأبي موسى الأشعري :
ائت بمن يشهد معك[١].
رواية الصحابة بعضهم عن بعض وروايتهم عن التابعين
ليس كل ما جاء من الأحاديث عن الصحابة مما رووه عن رسول الله ، ودوّن في الكتب ، قد سمعوه كلّه بآذانهم من النبي صلوات الله عليه مشافهة ، ولا اخذوه عنه تلقيناً ، وإنما كان يروي بعضهم عن بعض ، فمن لم يسمع من الرسول ، كان يأخذ ممّن سمع منه صلّى الله
[١]سير اعلام النبلاء للذهبي : ١|٤٨ ، راجع ص ٥٨.
عليه وسلم ، وإذا رواه غيره لم يعزه إلى الصحابي الذي تلقاه عنه ـ بل يرفعه إلى النبي بغير أن يذكر اسم هذا الصحابي ـ ذلك أن مجالس الرسول كانت متعددة ، وتقع في أزمنة وأمكنة مختلفة ، ولا يمكن أن يحضر الصحابة جميعاً كلّ مجلس من مجالسه ، فما يحضره منها بعض الصحابة لا يحضره البعض الآخر.
وقد ذكر الآمدي في كتاب « الإحكام في أصول الإحكام »[١]:
أن ابن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث لصغر سنه ، ولما روى عن النبي صلّى الله عليه وسلم « إنّما الربا في النسيئة » وأن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى رمي حجر العقبة ، قال في الجزء الأول لما روجع فيه قال :
أخبرني به أسامة بن زيد وفي الخبر الثاني : أخبرني به أخي الفضل بن العباس. ولما روى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال :
من أصبح جنباً في رمضان فلا صوم له ، راجعوه في ذلك فقال :
ما أنا قتله ورب الكعبة ولكن محمداً قاله! ثم عاد فقال :
حدثني به الفضل بن العباس[٢].
وروي عن البراء بن عازب قال :
« ما كل ما نحدثكم به سمعناه من رسول الله صلّى الله عليه
[١]ص ١٧٨ـ ١٨٠ ج ٢. وقال ابن القيم في ( الوابل الصهيب ) : إنّ ما سمعه ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يبلغ العشرين حديثاً. وعن أبن معين ، والقطان ، وأبي داود ، وفي السنن ، أنه روى تسعة أحاديث ، وذلك لصغر سنه ، ومع ذلك فقد أسند له أحمد في مسنده ١٦٩٦ حديثاً.
[٢]لهذا الحديث قصة شائقة تقرؤها في تاريخ أبي هريرة الذي طبعناه باسم ( شيخ المضيرة ) مرتين.
وسلم! ولكن سمعنا بعضه وحدثنا أصحابنا ببعضه ».
وأما التابعون : فقد كان من عادتهم إرسال الأخبار ، ويدل على ذلك ما روي عن الأعمش أنّه قال :
قلت لابراهيم النخعيّ : إذا حدثتني فأسند[١]. فقال :
إذا قلت لك : حدثني فلان عن عبدالله فهو الذي حدثني ، وإذا قلت : حدثني عبدالله ، فقد حدثني جماعة عنه ، وقد قال الآمدي بعد ذلك ، ولم يزل ذلك مشهوراً فيما بين الصحابة والتابعين من غير نكير فكان إجماعاً[١]اهـ.
وكما كان الصحابة يروي بعضهم عن بعض فإنّهم كذلك كانوا يروون عن التابعين وهذا أمر نص عليه علماء الحديث في كتبهم فارجع إليه إن شئت.
وفي كلام ابن الصلاح وغيره في باب « رواية الأكابر عن الأصاغر » أن إبن عباس والعبادلة الثلاثة وأبا هريرة وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم خداعاً في عهد عمر وعدوّه من كبار التابعين ثم سوّده بعد ذلك على المسلمين. وهاك ماقاله السيوطي في ألفيّته[٣]:
وقد روى الكبار عن صغار
في السنّ أو في العلم والمقدار
ومنه أخذ الصحب عن أتباع
وتابـع عن تابـع الأتبـاع
كالحبرعن كعب وكالزهري
عن مالك ويحيى الأ نصاري
[١]الحديث المسند ما اتصل سنده إلى منتهاه ، وكان التابعون يتبعون في ذلك سبيل الصحابة فيما يروون من الأحاديث التي لم يسمعوها من النبي ، وإنما تلقوها من إخوانهم ، فإنهم كانوا لا يذكرون أسماء من تلقوا عنهم.
[٢]ص ١٧٨ـ ١٨٠ ج ٢.
[٣]ص ٢٣٧.
وقال شارح الألفية الشيخ أحمد محمد شاكررحمهالله:
ومن هذا النوع رواية الصحابة عن التابعين كرواية الحبر عبد الله بن عباس وسائر العبادلة وأبي هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم عن كعب الأحبار!
على أن الصحابة في روايتهم عن إخوانهم أو عن التابعين لم يكونوا ـ كما رأينا ـ يذكرون أن أحاديثهم قد جاءت من سبيل الرواية عن غيرهم ، بل يروون ما يروون في المناسبات التي تستدعي ذكر الحديث مهما طال الزمن من غير عزو إلى من سمعوا منه ثقة بهم ، ويرفعونها إلى النبي ، وظلوا على ذلك إلى أن وقعت الفتنة ، ومن ثم قالوا : سمّوا لنا رجالكم!
قال ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة[٣]قالوا : سموا لنا رجالكم.
وأخرج مسلم عنه : لقد أتى على الناس زمان وما يسأل عن إسناد حديث ، فلما وقعت الفتنة ، سئل عن إسناد الحديث ..
في سنن الترمذي عنه :
كانوا في الزمن الأول لا يسألون عن الإسناد! فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، إن الرجل ليحدثني فما اتهمه ، ولكن أتهم من هو فوقه.
وقد روى التابعون عن « تابعي التابعين » ومن رواية التابعين عن تابعي التابعين ... رواية الزهري ، ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك وهو تلميذها.
ومن الطريف للفطن كما قال السيوطي في الفيّته :