فالنتيجة: ان الامتثال في باب الأوامر يحصل بوجود الطبيعة في الخارج بلا قيد. نعم فرق بين الأفراد العرضية و الطولية فان مقتضى الإطلاق جواز الامتثال في الأفراد العرضية و لو في ضمن المتعدد فيجوز امتثال أمر المولى باكرام العالم باكرام علماء متعددين في عرض واحد و أما بالنسبة الى الأفراد الطولية فلا مجال لهذا التقريب اذ المفروض تحقق الامتثال بالفرد الاول فلا موضوع للامتثال بعد الامتثال الاول.
نعم قد وقع الكلام في أنه يجوز تبديل الامتثال بالامتثال؟ و الحق انه لا مجال للامتثال بعد تحققه بلا فرق بين بقاء الغرض و عدم بقائه، لأن وظيفة العبد بحكم العقل خروجه عن التكليف و المفروض الاتيان بما تعلق به التكليف و بعد الاتيان بالواجب لا موضوع للامتثال، و بعبارة اخرى: تحصيل غرض المولى ليس وظيفة للعبد و انما وظيفته الخروج عن عهدة التكليف، فالنتيجة انه لو تمت مقدمات الاطلاق يحكم بكفاية الاتيان بما تعلق به الوجوب بلا قيد.
هذا بالنسبة الى الأصل اللفظي و أما الأصل العملي فهو ايضا يقتضي عدم وجوب الزائد، فان البراءة تنفي القيود المحتملة كما هو المقرر هذا كله بالنسبة الى الأمر.
و أما النهى، فالظاهر بحسب الفهم العرفي تعدده بحسب تعدد الموضوع فاذا قال المولى «يحرم الخمر» يفهم عرفا ان كل خمر يحرم شربه و يمكن تقريب المدعى بوجه آخر و هو انه اذا لم تقيد الطبيعة بخصوصية من الخصوصيات يلزم الاجتناب عن جميع أفرادها، و بعبارة اخرى: المستفاد من النهي الاجتناب عن شرب الخمر مثلا و لا يصدق الاجتناب على الاطلاق إلّا بالاجتناب عن جميع الأفراد و يمكن الاستدلال على المدعى ايضا بوجه آخر، و هو انه لا اشكال في أن العبد لا يرتكب جميع الأفراد المنهية و لا ريب انه تارك لجملة منها، فلو كان المطلوب من النهي و الغرض من التحريم ترك بعض الأفراد لكان الغرض حاصلا بلا التوسل
بالنهي، فيعلم ان الغرض و المقصد من النهي الزجر عن جميع الأفراد.
الجهة الثامنة: [في الفور و التراخي]
في أن صيغة الأمر هل تقتضي الفور أو التراخي أو لا تقتضي شيئا من الأمرين الحق أن يقال: ان الصيغة لا تقتضي الفور و لا التراخى فان صيغة الأمر مركبة من المادة و الهيئة، أما المادة فهي موضوعة للطبيعة بلا تقيدها بقيد من القيود كما سبق، و أما الهيئة فتدل على أن المولى في مقام بيان ابراز اعتباره النفساني و هو اعتبار الفعل في ذمة المكلف فلا مقتضي لأحد الأمرين بل مقتضى الاطلاق اللفظي ان تمت مقدمات الحكمة عدم تقيد المطلوب بشيء من الأمرين فان مقتضى الاطلاق عدم تقيد الواجب بالفورية كما ان مقتضاه عدم دلالة الصيغة على وجوب التراخي و لا على جوازه، كما ان مقتضى الأصل العملي البراءة عن القيد الزائد هذا بالنسبة الى ما هو المستفاد من الصيغة مادة و هيئة.
و ربما يستفاد من الدليل الخارجي وجوب الفور و الذي ذكروا في مقام الاستدلال آيتان، الاولى قوله تعالى«فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ*[1]بتقريب ان الوصول الى الخيرات بالاستباق الى اسبابها فيجب الاستباق الى الواجبات و يمكن أن يراد من الخيرات الأفعال و الأمور الخيرية في مقابل الأفعال التي لا تكون خيرا، فعلى كلا التقديرين يكون الاستباق الى الواجبات واجبا و هذا هو المطلوب و تكون النتيجة ان الفور واجب، فلو عصى في الزمان الاول يجب الفور في الزمان الثاني و هكذا اذ يصدق عنوان الخير على الواجب فيجب الاستباق اليه.
و يرد عليه: اولا ان الاستباق بمعنى المسابقة أي تجب المسابقة على المكلفين في الأمور الخيرية فتكون الآية اجنبية عن المقام فان الكلام في وجوب الفور و البدار لا في وجوب السبقة الى بقية المكلفين فلا ترتبط الآية بها نحن بصدده.
و ثانيا: يلزم تخصيص الأكثر المستهجن اذ جميع الافعال المستحبة خارجة
[1]البقرة/ 148 و المائدة/ 48
كما ان جميع الواجبات الموسعة خارجة، كما أن جميع الواجبات المضيقة التي لها وقت معين خارجة فيبقى تحت الآية الواجب الذي يكون مطلوبا فورا ففورا كصلاة الآيات عند الزلزلة و على الجملة لا يترتب على الآية الشريفة المدعى لأنه لا اشكال في عدم وجوب المبادرة الى المستحبات كما لا يجب الفور في الواجبات الموسعة و المضيقة.
فالنتيجة: ان الآية لا تكون مرتبطة بالمقام بل الظاهر منها الارشاد الى الاستباق الى الخيرات بلحاظ أن في التأخير آفات و ان شئت قلت المستفاد من الآية ان الأمور الواجبة أو المستحبة التي يتوجه التكليف بها الى الجميع يلزم الاستباق اليها كى لا تفوت فالنتيجة ان الآية الشريفة لا تصلح لاثبات المدعى.
الثانية: قوله تعالى«وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ»[1]بتقريب ان المسارعة الى المغفرة من الرب الاتيان بالخيرات فتجب المسارعة الى الواجبات.
و يرد عليه: انه لا اشكال في عدم وجوب المسارعة الى المستحبات و ايضا لا تجب المسارعة الى الواجبات الموسعة و ايضا لا تجب بل لا يجوز المسارعة الى الواجب المضيق مضافا الى أنه لا يبعد أن تكون الآية الشريفة ناظرة الى وجوب التوبة كما عن بعض فلا ترتبط الآية بالمقام و قد ذكرنا في رسالة التوبة عدم وجوب التوبة مولويا بل لا يبعد أن يستفاد من الآية الارشاد الى المسارعة كى لا يفوت ذلك الخير.
الجهة التاسعة: في الأجزاء، و يقع الكلام في هذه الجهة من نواحي عديدة:
الناحية الأولى: في أن بحث الأجزاء عقلي أو لفظي؟
[1]آل عمران/ 133
أفاد سيدنا الاستاد في أول بحث الأجزاء انه لا صلة لهذا البحث بعالم الألفاظ بل بحث الأجزاء من الابحاث العقلية كبحث مقدمة الواجب و بحث الضد و امثالهما و السر فيه ان الحاكم بالأجزاء و عدمه هو العقل فيكون البحث عقليا و الذي يختلج بالبال أن يقال لا بد من التفصيل فان الحاكم باجزاء كل مأمور به عن أمره هو العقل و لذا اشتهر فيما بين القوم ان انطباق المأمور به على المأتى به طبعي و اجزائه عنه عقلي و أما اجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي و كذلك اجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الأمر الواقعي و عدمه فيمكن أن يكون بالدليل اللفظي كما انه يمكن أن يكون بالاجماع كما انه يمكن أن يكون بالعقل احيانا.
و لذا نرى ان الفقهاء يستدلون على الأجزاء في باب الصلاة عند فقدان الجزء أو الشرط غير الخمسة بدليل لا تعاد فعليه لا بد من التفصيل.
نعم لا اشكال في أن الاتيان بالمأمور به يكون مجزيا عن ذلك الأمر بحكم العقل.
الناحية الثانية: [المراد بالوجه في العنوان]
في أن المراد من وجه في عنوان المسألة حيث يقولون الاتيان بالمأمور به على وجهه هو النهج الذي يكون معتبرا أعم من أن يكون دليل الاعتبار الشرع أو العقل و ان شئت قلت لا وجه لتخصيص الوجه بالمعتبر الشرعي.
الناحية الثالثة: [معنى الاقتضاء]
ان الاقتضاء الوارد في العنوان بقولهم هل يقتضي الاتيان يراد به العلية و التأثير لا الدلالة و الكشف و لذا ينسب الى الاتيان لا الى الصيغة، و بعبارة اخرى الاتيان الخارجي بالمأمور به يكون علة لسقوط الأمر.
ان قلت: الأمر علة للاتيان فكيف يمكن أن يكون الاتيان علة لسقوط الأمر اذ مرجعه الى التناقض فانه كيف يمكن أن يكون المعلول علة لعدم علته.
قلت: اولا ان الأمر بوجوده الخارجي لا يكون علة للاتيان بل الأمر بوجوده
العلمي يؤثر في الاتيان و لذا نرى في كثير من الموارد ان الأمر موجود و لا يترتب عليه الاتيان كما لو جهل المكلف به و ربما يتحقق الاتيان و لا أمر في الخارج كما لو تخيل المكلف وجوده.
و ثانيا: انه يمكن أن يقال ان الأمر بحدوثه يؤثر في الاتيان و الاتيان يؤثر في عدمه بقاء فلا تناقض لاختلاف الزمان و ثالثا: يمكن أن يقال ان الاتيان يوجب حصول الغرض و مع تحقق الغرض لا مجال لبقاء الأمر فان الأمر يحدث و يبقى بالملاك.
و ان شئت قلت: ان امد الحكم بحصول الغرض منه و إلّا يلزم الخلف أو عدم امكان الامتثال فلاحظ، بل يمكن أن يقال ان المولى لو أمر يفعل فاما يمكن امتثال امره و اما لا يمكن أما مع عدم الامكان فلا مجال لحكم العقل بالامتثال اذ المفروض كونه محالا و أما مع امكان امتثاله فيحكم العقل بالاجزاء بعد تحقق الامتثال اذ مع تحقق الامتثال يكون بقاء الأمر خلفا و محالا و عليه لو فرض عدم غرض في أمر المولى يحصل الامتثال و يتحقق الاجزاء بل الامتثال يحصل بانطباق المأمور به على المأتي به و ان كان الغرض باقيا كما تقدم سابقا.
فالنتيجة: انه لا يرتبط هذا البحث بمقام الدلالة بل بحكم العقل هذا بالنسبة الى اجزاء كل مأمور به عن أمره، و أما في بحث اجزاء المأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهرى عن الواقعي فيمكن أن يكون البحث لفظيا اذ يبحث في ذلك البحث في أنه هل لنا دليل على الاجزاء أم لا، مثلا دليل لا تعاد يدل على الاجزاء و قس عليه قاعدة الفراغ أو التجاوز على القول بها.
نعم لو دل دليل على كون العمل الاضطراري وافيا بتمام الغرض يكون الحاكم بالاجزاء هو العقل اذ بعد تحقق الغرض لا مجال لبقاء الأمر كما تقدم.
الناحية الرابعة: [معنى الإجزاء]
ان الاجزاء عبارة عن الكفاية و ليس فيه اصطلاح
خاص بل المراد منه ذلك المعني اللغوي، غاية الامر الاختلاف في متعلقه فتارة يضاف بالنسبة الى الاعادة و القضاء و اخرى بالنسبة الى القضاء فقط و المرجع دلالة الدليل و هذا ظاهر.
الناحية الخامسة: [الفرق بين هذه المسألة و مسألة المرة و التكرار]
ان الفرق بين هذه المسألة و مسألة المرة و التكرار واضح، فان البحث في تلك المسألة في تشخيص المأمور به و البحث في هذه المسألة في الكفاية بعد تشخيص المأمور به فلا ارتباط بين المقامين كما انه لا علاقة بين هذا البحث و مسألة تبعية القضاء للاداء فان البحث هناك في أن الأمر بالاداء هل يدل على وجوب القضاء على نحو تعدد المطلوب أو لا؟ و البحث في هذه المسألة في أن الاتيان بالمأمور به هل يقتضي الأجزاء عن القضاء أم لا فالبحث هناك في الثبوت و في المقام في السقوط.
اذا عرفت ما تقدم نقول: يقع البحث تارة في اجزاء الاتيان بكل مأمور به عن أمره، و أخرى يقع البحث في أجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري أو الظاهري عن الأمر الواقعي فيقع الكلام في مقامين:
أما المقام الأول فنقول: لا اشكال في الأجزاء اذ المولى اذا أمر بشيء فلا بد من لحاظ غرض مترتب على ذلك الفعل و بعد الاتيان به اما يحصل ذلك الغرض و اما لا يحصل، أما على الأول فاما يسقط الأمر بسقوط الغرض و اما لا يسقط أما على الأول فهو المطلوب، و أما على الثاني فيلزم بقاء المعلول بلا علة و أما ان قلنا بأن الغرض لا يحصل فيلزم الخلف اذ فرض الاتيان بما يكون وافيا به، بل يمكن أن يقال بالأجزاء بتقريب آخر و هو ان البعث نحو فعل عبارة عن جعل ذمة المكلف مشغولة بالعمل فاذا أتى المكلف بالعمل فاما تفرغ ذمته و اما لا تفرغ.
أما على الاول فلا مجال لعدم الاجزاء و بعبارة اخرى المدعى سقوط الامر، و أما على الثاني فلا يحصل الامتثال و لو باتيان العمل مرات عديدة اذ حكم الامثال
واحد فلا بد من الالتزام بعدم امكان الامتثال فالقول بامكان الامتثال يلازم مع القول بالاجزاء بالاتيان بأول فرد من الطبيعة.
ثم انه بعد فرض تحقق الامتثال هل يكون مجال لتبديل الامتثال بالامتثال الآخر ام لا؟ الظاهر انه لا مجال له فان الامتثال يوجب سقوط الأمر و مع سقوطه لا مجال للامتثال و لا موضوع له، فلو فرض قيام دليل على جوازه فلا بد من حمله على خلاف ظاهره بل لا بد من حمله على الاستحباب كما في الصلاة المعادة جماعة.
و أما المقام الثاني فتارة يقع الكلام في اجزاء العمل الاضطرارى عن الأمر الواقعي و اخرى في اجزاء المأمور به بالأمر الظاهرى عن الامر الواقعي أما المقام الأول فنقول تتصور للعمل الاضطراري صور:
الصورة الاولى: أن يكون العمل الاضطراري وافيا بتمام الغرض و يكون الاضطرار كالسفر موضوعا للحكم، و بعبارة اخرى كما ان المكلف ينقسم أي قسمين الى الحاضر و المسافر كذلك يكون المكلف منقسما الى المضطر و المختار ففي هذه الصورة يجوز البدار بلا اشكال لأن المفروض عدم الفرق بين عمل المضطر و عمل المختار.
ان قلت: عليه يجوز للمكلف تعجيز نفسه كما أنه يجوز له السفر. قلت:
لا يلزم ذلك اذ يمكن أن يكون المستفاد من الدليل ان الموضوع العجز العارض بلا اختيار.
الصورة الثانية: أن يكون العمل الاضطراري مشتملا على مقدار من الملاك مع عدم امكان استيفاء الباقي لكن الباقي بمقدار لا يلزم تداركه و حكم هذه الصورة حكم الصورة الاولى.
الصورة الثالثة: هي الصورة بعينها و لكن المقدار الباقي يلزم تداركه ففي
هذه الصورة لا اشكال في الاجزاء و لكن لا يجوز البدار اذ المفروض لزوم تدارك ذلك المقدار و المفروض عدم امكان تداركه بعد الاتيان بالعمل الاضطراري فلا يجوز البدار الا في صورة استيعاب العذر لتمام الوقت. نعم يجوز البدار عند احتمال بقاء العذر الى آخر الوقت بالاستصحاب الاستقبالي.
الصورة الرابعة: ما يكون الباقي بمقدار يلزم تداركه و يمكن تداركه و في هذه الصورة هل يجوز البدار بأن يقال: المكلف مختار بين أن يصلي صلاته مع التيمم في اول الوقت و يصلي مع الوضوء في آخره و بين أن ينتظر ارتفاع العذر و يصلي مع الوضوء بعد ارتفاع العذر؟ اختار صاحب الكفاية هذا القول، و أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه غير معقول بدعوى: ان المقام داخل في التخيير بين الأقل و الاكثر و هو محال.
و يرد عليه: انه لا نرى مانعا منه، فان التخيير بين الاقل و الاكثر انما يكون محالا لأجل انه اذا وجد الاقل يحصل الامتثال فلا مجال للاتيان بالباقي، و أما في المقام فقد فرض بقاء الملاك الملزم و لا يحصل إلّا بالاتيان بالعمل الاختياري فلا مجال لقياس احد المقامين على الآخر و عليه لا مانع من أن المولى يأمر بالجامع بين الأمرين و يكون المكلف مختارا بينهما، و بعبارة اخرى لا وجه لالزام خصوص الاختياري لأن المفروض حصول الغرض باحد نحوين فلا وجه لترجيح احدهما على الآخر.
نعم هذا ما يتصور في مقام الثبوت و لا دليل عليه في مقام الاثبات فان المستفاد من دليل التيمم ان المكلف اذا لم يجد الماء بين المبدأ و المنتهى يتيمم، فاذا كان المكلف واجدا للماء و لو في آخر الوقت لا يشمله دليل التيمم فاذا بادر اليه بمقتضى الاستصحاب أو اعتقاد بقاء العذر و في آخر الوقت انكشف الخلاف تجب عليه الصلاة مع الطهارة المائية اذ ينكشف عدم كونه مكلفا بذلك العمل