الالتزام بهذا اللازم.
و سادسا انه لو كان الفرق باللحاظ يلزم أن لا يكون فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي من حيث الذات فيمكن أن يكون جميع المعاني الاسمية حرفية و بالعكس و هو كما ترى.
فانقدح ان القول الاول المنسوب الى المحقق الرضي و تبعه صاحب الكفاية غير تام.
القول الثاني: ما نسب الى المحقق الرضى ايضا على ما في بعض الكلمات[1]
و هو انه لا معنى للحروف و انما شأنها شأن الاعراب و بعبارة اخرى ان الحرف علامة لارادة المعنى الفلاني من مدخوله فكما ان الرفع علامة كون المرفوع فاعلا كذلك يكون الحرف الفلاني علامة لكون المراد من مدخوله كذا مثلا لفظ الدار من الأسماء و له المعنى الاسمي فان الدار من الجواهر و لها حيثيات و تلاحظ تلك الحيثيات.
فتارة يلاحظ كونها مصداقا للجوهر و يقال الدار جوهر من الجواهر و اخرى تلاحظ من حيث كونها عينا لزيد و ثالثة تلاحظ من حيث كونها مبدءا للسير و رابعة تلاحظ من حيث كونها منتهى السير و هكذا و هكذا.
فاذا قلنا: الدار جوهر اريد من اللفظ المعنى الاسمي و اذا قيل سرت من الدار الى السوق اريد من اللفظ الابتداء و يكون لفظ (من) علامة للمراد. و القول الثاني في طرف التفريط كما أن القول الاول في طرف الافراط.
و يرد عليه ان المعاني المستفادة من هذه الحروف لا تستفاد من الأسماء بل تستفاد من نفس الحروف فتلك المعاني معانى تلك الحروف و الحروف وضعت بازائها و بعبارة واضحة الخصوصيات المستفادة من هذه الحروف لم توضع لها
[1]مصابيح الاصول للسيد علاء آل بحر العلوم: ص 44
الأسماء فالموضوع لها هي نفس الحروف و الكلام في المقيس عليه و هو الاعراب كذلك فلا يمكن الالتزام بكون الاعراب علامة محضة فان الخصوصية الفاعلية تستفاد من الرفع.
القول الثالث: ما ذهب اليه المحقق النائيني(قدس سره)
و هو أن المعنى الحرفى يغاير و يباين المعنى الاسمي و لا يقوم احدهما مقام الآخر فان المعنى الاسمي اخطاري و المعنى الحرفي ايجادي و بعبارة اخرى المعاني الاسمية في عالم المفاهيم كالجواهر في الامور الخارجية و المعاني الحرفية في عالم المفاهيم كالأعراض في الخارجيات فكما ان الجوهر وجوده في نفسه لنفسه و لا يكون عارضا للغير كذلك معاني الاسماء امور مستقلة في عالم المفاهيم و كما أن الاعراض موجودات قائمة بغيرها و وجودها في الموضوع كذلك المعاني الحرفية لا تكون اخطارية مستقلة في عالم المفاهيم بل متدلية بغيرها و ايجادية أي توجد الارتباط بين الالفاظ و يدل على المدعى ما[1]عن علي(ع)من أن الحرف ما اوجد معنى في غيره و نعم ما قال اهل الادب حيث قالوا (في) للظرفية و لم يقولوا هي الظرفية و بعبارة واضحة ان الحروف ليست معان اخطارية بل ايجادية و لا يكون المراد من الايجاد فيها ما هو المراد من الايجاد في الانشائيات فان قول البائع بعت و كذلك قول الزوجة زوجت يوجد الملكية و الزوجية في عالم الاعتبار.
و أما في المقام فهي توجد الارتباط بين الالفاظ و لولاها لا يكون ربط بين الألفاظ و لأجل ان الحروف معانيها غير مستقلة و متدلية بالغير يشبه بها كل ما يكون منظورا اليه بالنظر الآلي بخلاف المعنى الاسمي حيث يشبه به كل ما ينظر اليه بالنظر الاستقلالي.
و بكلمة واضحة ان المعنى الاسمي يباين المعنى الحرفي و يغايره فان المعنى
[1]نقله المحقق السيد الرامهرمزى عن كتاب العوالم، القواعد الفقهية: ص 44
الاسمي اخطاري و المعنى الحرفي ايجادي و توضيح المدعى يتوقف على مقدمات.
الاولىان المعاني على قسمين احدهما اخطاري فان الأسماء بجواهرها و اعراضها عند التكلم بها تخطر معانيها في الذهن سواء كان في ضمن تركيب كلامي أم لم يكن بخلاف الحروف فانها لا توجب خطور معانيها في ذهن السامع الا في ضمن تركيب كلامي.
الثانية:ان المعاني غير الاخطارية على نحوين فانه تارة يوجد فرد منها عند الاستعمال كحروف النداء و التمني و الترجي و اخرى المعاني النسبية فان بين الاعراض و موضوعاتها نسبا و تلك النسب معان حرفية فالعرض حيث ان وجوده في نفسه عين وجوده لغيره و موضوعه و إلّا لم يكن وجوده لموضوعه رابطيا بل استقلاليا يحتاج الى رابط آخر و لا بد من وضع الفاظ تدل على تلك النسب الخاصة.
الثالثة:ان الموضوع للنسب تارة يكون مستقلا في عالم اللفظ كلفظ من و الى و اخرى لا يكون مستقلا في عالم اللفظ كالهيئات فتلخص ان المعاني الحرفية في عالم المفهوم كالاعراض في وجوده الخارجى فكما ان العرض لا يتحقق في الخارج الا في الموضوع و لا يكون مستقلا في الوجود كذلك المعاني الحرفية في عالم المفاهيم متدلية بغيرها و لا استقلال لها و نتيجة هذه التفرقة انه لا يمكن أن يقوم كل من الحرف و الاسم مقام الآخر فان المعنى الاسمي اخطاري بلا فرق بين كونه مفردا أو في ضمن تركيب كلامي و أما المعنى الحرفي فايجادي غاية الامر ربما يكون موجدا للارتباط بين المعاني الاسمية و ربما يوجب الايجاد الخارجي كحرف النداء مثلا و الى هذا المعنى يشير ما نسب[1]الى المولى(ع)من ان الحرف ما اوجد المعنى في غيره و اجاد اهل الصرف حيث قالوا (في) للظرفية و لم يقولوا هي الظرفية.
[1]القواعد الفقهية للسيد الرامهرمزى(قدس سره): ص 44 نقل الرواية عن العوالم
فحاصل الفرق بين الاسم و الحرف مبتن على اركان اربعة الاول: ان المعنى الاسمي اخطاري و المعنى الحرفي ايجادي الثاني: ان المعنى الحرفي لا موطن له الا في عالم الألفاظ و أما المعنى الاسمي فهو مستقل في عالم المفهومية. الثالث:
انه لا فرق في الهيئات بين الاخبار و الانشاء فان الهيئة على الاطلاق معنى ايجادي الرابع: ان المعاني الحرفية حالها حال الالفاظ فكما ان المتكلم حين التكلم ينظر الى اللفظ بالنظر الآلي كذلك يكون النظر الى المعاني الحرفية نظرا آليا و يستفاد من مجموع ما أفاده امور:
الاول:ان المعنى الحرفي يباين المعنى الاسمي و لا مجال لقيام احدهما مكان الآخر و ما أفاده تام.
الثاني:ان المعاني الحرفية بذاتها متدلية بالغير و لا استقلال لها و هذا ايضا تام.الثالث:ان المعاني الحرفية ايجادية و المعاني الاسمية اخطارية و هذا الذي افيد لا بد فيه من التفصيل فان المعنى الاسمي اخطاري بلا اشكال و أما المعنى الحرفي فليس ايجاديا و لا توجد ارتباطا بين الألفاظ فان الألفاظ لا ربط بينها كي يكون موجد ذلك الارتباط الحروف و لا ينحصر التقسيم بهذين القسمين كي يقال اذا لم يكن الحرف اخطاريا فايجادي بل هنا قسم ثالث و هي المعاني غير المستقلة التي تكون متدلية لغيرها فالحروف موضوعة بازائها.
الرابع:ان النظر الى معنى الحروف نظر آلي و ليس الأمر كذلك فان النظر الى المعنى الحرفي استقلالي كالنظر الى المعنى الاسمي فاذا نخبر بقيام زيد أو قعوده أو مرضه أو صحته يكون النسب الخاصة منظورة بالنظر الاستقلالي.
الخامس:انه استشهد بكلام المولى(عليه السلام)و الحال ان كلامه(عليه السلام)لا يدل على ما رامه اذ لا ارتباط بين أجزاء الكلام بما هو كلام بل الحروف موضوعة لتلك النسب الموجودة بين المعاني و على فرض التسليم فما هو الموضوع لتلك
النسب.
ان قلت فما معنى قوله(عليه السلام)الحرف ما أوجد معنى في غيره و ما المراد من الايجاد. قلت نبين المراد من كلامه(عليه السلام)ارواحنا فداه فانتظر.
السادس:انه ايد كلامه كلام اهل الادب و الحال ان كلامهم لا يدل على مقصوده بل يمكن أن يكون كلامهم ناظرا الى كون الحروف حاكيات.
السابع:انه افاد بأنه لا وعاء للمعاني الحرفية الا عالم الالفاظ و قد ظهر انه ليس الأمر كذلك. الثامن: انه(قدس سره)أفاد باشتراك الحروف و الجملة الانشائية بكونهما مشتركة في الايجاد غاية الامر ان وعاء ايجاد الحروف الألفاظ و وعاء وجود الامور الاعتبارية وعاء الاعتبار و قد ظهر ان الحروف ليست ايجادية و نعترض إن شاء اللّه في بعض الأبحاث الآتية ان الجملة الانشائية لا تكون ايجادية.
التاسع:انه فرق بين المعنى الاسمي و الحرفي بكون المعنى الاسمي استقلاليا و المعنى الحرفي آليا و قد ظهر انه ليس الامر كذلك و ان المعاني الحرفية لا تكون آلية.
القول الرابع: ما ذهب اليه المحقق الاصفهاني
و هو ان الموضوع له للحروف الوجود لا في نفسه بتقريب ان الوجود على اقسام.
منها:الوجود في نفسه لنفسه بنفسه و هو وجود الواجب فان وجود الواجب وجود في نفسه و لنفسه أي لا يكون محتاجا الى الموضوع.
و منها:الوجود في نفسه لنفسه بغيره.
و منها:الوجود في نفسه لغيره بغيره.
و منها:الوجود لا في نفسه.
أما القسم الاول فهو الوجود الواجب فان وجوده في نفسه و مستقل و لنفسه أي لا يكون في الموضوع و بنفسه أي لا يكون معلولا لعلة و لا يكون قائما بغيره
و محتاجا الى غيره.
و أما الثاني فهو وجود الجواهر فان وجودها في نفسها أي مستقل وجودها و لنفسها أي لا يكون في الغير و رابطا و لكن بغيرها أي محتاج الى الغير.
و أما القسم الثالث فهو وجود الاعراض فان وجودها في نفسها و مستقل و لكن لغيره و من شئون الغير و بغيره أي محتاج الى العلة فوجود العرض في حدوثه يحتاج الى العلة و ايضا يحتاج الى موضوع يكون قائما به.
و أما القسم الرابع فهى النسب الموجودة بين المعاني الاسمية و هذا الوجود وجود لا في نفسه.
اذا عرفت تقسيم الوجود الى هذه الاقسام فاعلم انه لا بد اولا من اثبات القسم الرابع و ثانيا لا بد من اثبات ان الحروف موضوعة بازاء القسم الرابع.
فنقول أما الدليل على اثبات القسم الرابع فهو انا تارة نعلم بوجود الجوهر و ايضا نعلم بوجود العرض كالقيام مثلا و مع ذلك نشك في قيام زيد فيعلم ان وجود النسبة وجود آخر غير وجود الجوهر و وجود العرض و إلّا يلزم أن يكون الوجود الواحد معلوما و مشكوكا فيه و هو غير ممكن.
و أما الدليل على أن هذا الوجود وجود لا في نفسه فهو ان ثبوت شيء لشيء ليس امرا مستقلا و إلّا كان محتاجا الى رابط فيقع الكلام في ذلك الرابط فوجودات النسب وجودات رابطية بخلاف وجود الاعراض فان وجودها رابطي و أما هذه الوجودات غير المستقلة وضعت الحروف بازائها فلأن حكمة الوضع كما تقتضي وضع الالفاظ بازاء الجواهر و الاعراض كذلك تقتضي وضع الفاظ بازائها للافادة و الاستفادة مضافا الى أن تلك النسب مستفادة من الحروف و صفوة القول ان الأسماء وضعت للمفاهيم المستقلة في عالم الذهن و الحروف وضعت للمفاهيم غير المستقلة و بعبارة اخرى الاسماء موضوعة للجواهر و الاعراض و الحروف
وضعت للنسب الموجودة بين الجواهر و الأعراض.
و يرد عليه اولا ان البرهان القائم على القسم الرابع مخدوش فان مجرد اجتماع اليقين و الشك في افق النفس لا يدل على تعدد الوجود في الخارج مثلا انا نعلم بوجود انسان في الدار و نشك في أنه زيد أو عمرو و الحال ان وجود الطبيعي عين وجود الفرد و ايضا في موارد العلم الاجمالي بوجود نجس بين الإناءين نشك في أن النجس ايهما فالتعدد في افق النفس لا يكون دليلا على التعدد الخارجي.
و ثانيا: البرهان قائم على بطلان هذه الدعوى و ذلك لأن القسم الرابع الذي يدعيه هذا المحقق اما واجب أو ممكن أو ممتنع لا سبيل الى الأول و الثالث كما هو ظاهر فيكون ممكنا.
فنقول قد ثبت في الفلسفة التي هو من اهلها بل من فحولها ان كل ممكن زوج تركيب له ماهية و وجود و كل ماهية اما داخلة تحت الجواهر و اما داخلة تحت الاعراض و على كلا التقديرين يكون نسبته الى الافراد نسبة الطبيعي الى اشخاصه.
و ثالثا: لو سلم القسم الرابع لكن لا يمكن تصديق ان القسم الرابع موضوع له للحروف فان الموضوع له لا بد من كونه قابلا للحضور في الذهن و الوجود الخارجي غير قابل لان يحضر في الذهن و إلّا يلزم الخلف.
ان قلت: وضعت الحروف للمفاهيم قلت: تلك المفاهيم اما مفاهيم اسمية أو غيرها أما على الاول فيلزم الخلف و على الثاني فما هي؟
و رابعا: لا يعقل تصور القسم الرابع في جملة من الموارد مثلا نقول ان اللّه على العرش استوى فهل يمكن أن يكون ذاته معروضا و موردا لهذه الخصوصيات كلا.
أو نقول شريك الباري مستحيل أو ان الضد مع الضد لا يجتمع أو النقيض لا يجتمع مع نقيضه أو أن الامكان في نفسه مفهوم من المفاهيم و هكذا و على الجملة
في كثير من الموارد تستعمل الحروف بلا عناية و رعاية و الحال ان الالتزام بوجود القسم الرابع في هذه الموارد لا يمكن فتحصل ان هذا القول ايضا لا يرجع الى محصل صحيح.
القول الخامس: ما اختاره المحقق العراقي
و هو ان الحروف موضوعة للاعراض النسبية توضيح المدعى ان الاعراض على قسمين: قسم يكون قائما بموضوع واحد كالكيف و الكم و قسم يكون متقوما بموضوعين كمقولة الأين و المتى و الاضافة و يسمى بالاعراض النسبية و الحروف موضوعة للقسم الثاني فلو قلنا زيد في الدار يكون لفظ زيد حاكيا عن جوهر زيد و لفظ الدار يكون حاكيا عن جوهر الدار و لفظ (في) يدل على النسبة الأينية و لو لا الحروف لم تكن مناسبة بين الألفاظ الكلامية و ان شئت قلت: ان المعاني منحصرة فى الجواهر و الأعراض و ربطها لمحالها و لا رابع و الحروف لم توضع للقسم الاول كما هو ظاهر و لا للقسم الثاني ايضا فان الموضوع للقسمين المذكورين الاسماء و لا للقسم الثالث فان الموضوع له الهيئة فينحصر في أن الحرف يكون موضوعا للعرض النسبي.
و بعبارة اخرى الفرق بين الحروف و الهيئات ان الحروف تدل على العرض النسبي مهملا و الهيئة تدل على مصداق تلك النسبة و بعبارة ثالثة الحروف موضوعة للعرض المنتسب الى موضوع ما و الهيئة تدل على ربط ذلك العرض الى موضوع معين.
و يرد عليه اولا: ان الحروف تستعمل في جميع الموارد على نحو واحد و كيف يمكن الالتزام بهذه المقالة على النحو الكلي مثلا نقول ان اللّه على العرش استوى و الحال انه لا يمكن ان نلتزم بقيام العرض بذاته تعالى فانه اجل من ان يعرضه عرض من الأعراض و ايضا تستعمل الحروف في الأمور المستحيلة و الامور الاعتبارية و الامور الانتزاعية و كيف يعقل قيام العرض بالأمر المستحيل أو الأمر