تكون العبادة فاسدة بلا فرق بين القولين فلا أثر للنزاع.
اذا عرفت ما تقدم نقول: أفاد صاحب الكفاية انه لا اصل في المسألة بالنسبة الى اصل الملازمة و عدمها اذ الملازمة على تقدير تحققها أمر ازلي و لا تكون مسبوقة بالعدم كى يستصحب عدمها و أما في المسألة الفرعية فمقتضى الاصل عدم وجوب المقدمة.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه: لا مجال للاصل العملي لا للبراءة و لا للاستصحاب أما الأول، فان البراءة العقلية انما تجري لدفع العقاب و المفروض انه لا عقاب على ترك الواجب الغيري، و أما البراءة الشرعية فائضا لا تجري لانها لرفع الكلفة امتنانا و لا امتنان في رفع الوجوب الغيري اذ لا كلفة في وجوده و بعبارة اخرى وجوده و عدمه سيان.
و أما الاستصحاب، و ان كان اركانه تامة لكن لا أثر لاستصحاب عدم الوجوب فان العقل حاكم بلزوم الاتيان بالمقدمة مقدمة للاتيان بالواجب، و ان شئت قلت بعد عدم ترتب اي اثر على وجوب المقدمة لا مجال لجريان الاستصحاب و اثبات عدمه، و لقائل ان يقول: ان مقتضى الاطلاق رفض القيود و الرفض خفيف المئونة و حيث ان دليل الأصل أعم من البراءة و الاستصحاب باطلاقه شامل للمقام فلا مانع من الالتزام بإباحة المقدمة و عدم وجوبها ببركة اصالتي البراءة و الاستصحاب.
ان قلت: ان الملازمة على تقديرها تقتضي عدم الانفكاك بين اللازم و الملزوم فكيف يحكم بعدم الوجوب ببركة الأصل.
قلت: الملازمة على تقديرها بين أمرين واقعيين و الأصل يقتضي التفكيك في مقام الظاهر، و صفوة القول انه لا تنافي بين الحكم الواقعي و الظاهري فلاحظ هذا تمام الكلام بالنسبة الى الأصل العملي.
و أما مقتضى الأصل اللفظي فقد استدل على وجوب المقدمة شرعا بوجوه
ثلاثة:
الوجه الأول: ما عن الاشعري، و هو أنه لو أوجب المولى شيئا يجب عليه أن يوجب مقدمات ذلك الشيء و إلا جاز تركها فيلزم احد المحذورين، اذ الوجوب مع ترك المقدمات اما يبقى بحاله فيلزم التكليف بما لا يطاق و اما يسقط فيلزم اناطة الوجوب بالاتيان بالمقدمات و مرجعه الى الوجوب المشروط.
و يرد عليه: ان المقدور مع الواسطة مقدور و من ناحية اخرى يلزم العقل المكلف بالاتيان فلا يتوقف لزوم الاتيان على ايجاب المقدمة.
الوجه الثاني: ان الأوامر الغيرية في الشرعيات و العرفيات تدل على لزوم ايجاب المقدمة من قبل المولى فان الشارع الأقدس أمر في كتابه و سنته المقدسة بالوضوء بقوله«إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»و قوله(عليه السلام)«اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» الى غير ذلك، و الامر المتعلق بالمقدمة في هذه الموارد اما ناش من ملاك نفسي و اما ناش من ملاك غيري أما على الأول فيلزم أن يكون الوجوب نفسيا و هذا خلف، و أما على الثاني فيلزم الايجاب من قبل المولى بالنسبة الى المقدمة و هذا هو المطلوب.
و فيه: ان الاوامر الواردة في هذه الموارد أوامر ارشادية الى الشرطية أو المانعية و لا تكون اوامر مولوية، و لذا نرى ان جملة من الأوامر تعلقت في الشريعة بالاجزاء و الحال ان الجزء لا يكون واجبا بالوجوب المولوي.
الوجه الثالث: ان الانسان اذ اشتاق الى شيء اشتاق الى مقدماته و ما يتوقف عليه ذلك الشيء، و الوجدان أصدق شاهد على هذه الدعوى و لا فرق في تعلق الاشتياق الى المقدمة بين الارادة التكوينية و الارادة التشريعية.
و يرد عليه: اولا انه على فرض تمامية الدعوى انما يتعلق الاشتياق الى خصوص المقدمة الموصلة لا الى مطلق المقدمة و ثانيا: ان الاشتياق امر تكويني غير اختياري
للمولى و الكلام في الوجوب الذي هو فعل اختياري للمولى و لا وجه لايجاب المقدمة بعد فرض عدم موضوعية لها و من ناحية اخرى يكون الواجب مقدورا للمكلف و لو مع الواسطة و العقل يلزم المكلف باتيان الواجب اذ فرض كونه اختياريا له و لو مع الواسطة بل لقائل ان يقول: ان الايجاب الشرعي للمقدمة أمر مستحيل لأن العقل يلزم المكلف باتيان المقدمة للايصال الى ذيها فلا وجه لايجاب المولى، و ان شئت قلت كما ان الأمر بالاطاعة من قبل المولى لا يمكن أن يكون مولويا بل ارشاد الى حكم العقل كذلك الامر بالمقدمة على فرض تحققه ارشادي لا مولوي.
فتحصل مما تقدم انه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب، و أما مقدمة المستحب فالأمر فيها كمقدمة الواجب بلا فرق و الملاك واحد و المناط فارد فلاحظ.
و أما مقدمة الحرام فربما يقال ان مقدمة الحرام تارة تكون علة تامة لارتكاب الحرام بحيث لا تبقى قدرة الترك للمكلف و اخرى لا تكون كذلك، أما على الاول فتكون المقدمة محرمة اذ المفروض ان ذا المقدمة خارج عن القدرة بعد الاتيان بمقدمته فالمقدور هي المقدمة و يشترط القدرة في متعلق التكليف، و أما مع بقاء القدرة فتارة يأتي المكلف بالمقدمة للايصال الى ذيها و اخرى لا يكون قاصدا للاتيان بالحرام، أما على الاول فائضا تكون المقدمة محرمة و لو من باب التجري و أما على الثاني فلا تكون محرمة لعدم المقتضي للحرمة.
و يرد على هذا التفصيل: انه لا مقتضي للحرمة على الاطلاق، أما القسم الاول فان الحرمة تتعلق بنفس الحرام لا بمقدمته لأن المفروض كونه مقدورا و لو مع الواسطة فلا وجه لتعلق الحرمة بالمقدمة، و أما القسم الثاني، فائضا لا وجه لحرمة المقدمة لعدم المقتضي لها، نعم الآتي بمقدمة الحرام بقصد الاتيان بالمحرم يتعنون بعنوان المتجري، و التجري يوجب استحقاق العقاب و أما الفعل المتجرى به فلا يكون حراما، فالنتيجة انه لا مقتضي لحرمة مقدمة الحرام كما لا مقتضي لوجوب
مقدمة الواجب، و أما مقدمة المكروه، فهي كمقدمة الحرام فلاحظ.
الجهة الحادية عشرة: [هل يقتضي الأمر بشيء النهي عن ضده؟]
في أن الأمر بشيء هل يقتضي النهي عن ضد ذلك الشيء ام لا؟ قال في الكفاية:
الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده أولا؟ فيه أقول و البحث في هذه المسألة يقع في مواضع: الموضع الاول في أن البحث في هذه المسألة بحث عقلي و بحث عن التلازم بين وجوب شيء و حرمة ضده فلا يكون داخلا في الأبحاث اللفظية.
الموضع الثانى: الاقتضاء المذكور في عنوان المسألة أعم من أن يكون بنحو العينية أو الجزئية أو اللزوم كى يعم النزاع جميع الأقوال فان من الأقوال قولا بكون الأمر بشيء عين النهي عن ضده، و من الأقوال ان النهي عن الضد جزء من مدلول الأمر، و منها ان الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.
الموضع الثالث: ان المراد بالضد المبحوث عنه في محل الكلام أعم من الضد الخاص و المراد بالضد مطلق ما ينافي الشيء بلا فرق بين الخاص و العام اذا عرفت ما تقدم نقول يقع الكلام تارة في الضد الخاص و اخرى في الضد العام فالكلام يقع في موردين:
أما المورد الاول: فقد استدل على المدعى بوجهين: الوجه الاول: ان ترك احد الضدين مقدمة للضد الآخر و مقدمة الواجب واجبة، فاذا كان الترك واجبا يكون الفعل حراما و هذا هو المدعى و توضيح الاستدلال ان العلة التامة مركبة من المقتضي و الشرط و عدم المانع و حيث ان التمانع موجود بين الضدين يكون عدم كل منهما دخيلا في تحقق الآخر و بعبارة اخرى: عدم احد الضدين مقدمة للضد الآخر هذا من ناحية، و من ناحية اخرى قد ثبت في بحث مقدمة الواجب ان المقدمة واجبة فاذا كان ترك الضد مقدمة للضد الآخر يكون واجبا بالوجوب المقدمي فيكون الفعل
حراما و هذا هو المطلوب، و النتيجة ان الدليل المذكور مركب من امرين: احدهما:
ان عدم احد الضدين مقدمة للضد الآخر.
ثانيهما: ان مقدمة الواجب واجبة، و قد اورد على المقدمة الاولى بايرادات:
الاول ما أورده الميرزا النائيني على الاستدلال باستحالة المقدمية بتقريب ان العلة مركبة من المقتضي و الشرط و عدم المانع و هذه الثلاثة ليست فى الرتبة الواحدة بل طولية مثلا اذا لم تكن النار موجودة و كان المحل مرطوبا لا يقال عدم الاحتراق ناش من رطوبة المحل أو اذا لم تكن النار موجودة لا يستند عدم الاحتراق بوجود الرطوبة و ايضا اذا كانت النار موجودة لكن لم تتحقق المحاذاة لا يستند عدم الاحتراق الى وجود الرطوبة فاستناد عدم المعلول الى وجود المانع يتوقف على وجود المقتضي و وجود الشرط فلا يتصف المانع بالمانعية الا بعد وجود المقتضي و وجود الشرط فعلى هذا الاساس لا يمكن أن يكون احد الضدين مانعا عن الضد الآخر لأن اتصافه بالمانعية يتوقف على تحقق المقتضي للضد المعدوم و مع وجود احد الضدين في الخارج يستحيل تحقق المقتضي للضد الآخر فانه كما يستحيل اجتماع الضدين كذلك يستحيل اقتضاء الاجتماع فان اقتضاء المحال محال، و صفوة القول: انه لا وجه لدعوى مقدمية عدم احد الضدين لوجود الآخر الا المنافرة بينهما و الحال ان المنافرة بين الضدين لو كانت مقتضية لصحة الدعوى لكان تحقق احد النقيضين متوقفا على عدم الآخر و الحال ان بطلانه أوضح من أن يخفى فان طرفي النقيضين في رتبة واحدة.
و بعبارة واضحة: ان عدم عدم زيد عبارة عن وجوده فلو توقف وجود زيد على عدم نقيضه يكون وجوده متوقفا على نفسه، فتحصل: انه لا يمكن الالتزام بكون احد الضدين مانعا عن الضد الآخر كى يقال ان وجود احدهما يتوقف على عدم الآخر توقف وجود الشىء على عدم مانعة.
الثاني من الايرادات الواردة على المقدمة الاولى من الاستدلال: انه لو فرض وجود المقتضي للضد المعدوم يكون عدمه مستندا الى وجود المقتضي للضد الآخر، بيان ذلك ان الصور المتصورة في المقام ثلاثة لا رابع لها:
الاولى: أن يكون المقتضي لكلا الضدين موجودا، الثانية: أن لا يكون المقتضي لشيء من الضدين موجودا عكس الاولى، الثالثة: أن يكون المقتضي لاحدهما موجودا و لا يكون المقتضي للآخر موجودا، أما الصورة الثانية و الثالثة فالأمر فيهما واضح اذ عدم ما لا مقتضي له مستند الى عدم المقتضي و أما الصورة الاولى فاما يكون المقتضيان لضدين متساويين في القوة و الضعف و اما يكون احدهما أقوى أما في الشق الأول فلا يؤثر شيء منهما لاستحالة تأثير كليهما و ترجيح احدهما على الآخر بلا مرجح على الفرض و أما في الشق الثاني فيؤثر الأقوى و يكون مانعا عن تأثير مقتضي الضد الآخر فعلى كلا التقديرين لا يكون المانع عن الوجود الضد الآخر أما في الشق الاول فكل من المقتضيين يمنع عن تأثير الآخر و أما في الشق الثاني فالمقتضي الأقوى يكون مانعا عن تأثير المقتضي الضعيف فعلى كلا التقديرين لا يكون الضد مانعا عن الضد الآخر بل المانع في كلا الشقين المقتضي، و ان شئت قلت: تأثير كل مقتضي فيما يقتضيه مشروط بعدم المزاحم و مع وجود المزاحم يكون العدم مستندا الى عدم الشرط.
الايراد الثالث على الاستدلال المذكور: هو ان هذا الاستدلال يستلزم الدور، فان التمانع بينهما لو كان موجبا لتوقف وجود احدهما على عدم الآخر كان عدم الضد الآخر متوقفا على وجود ضده، و بعبارة اخرى: لو كان وجود احد الضدين متوقفا على عدم الضد الآخر توقف وجود الشيء على عدم مانعة كان عدم الضد الآخر متوقفا على وجود الضد توقف عدم الشيء على وجود مانعة، فكل من العدم و الوجود يتوقف على الآخر و هذا دور و محال.
و قد اورد على التقريب المذكور بأن التوقف من طرف الوجود فعلي حيث فرض وجود مقتضيه و تحقق شرطه و الوجه في عدم وجوده وجود مانعة فيلزم فرض عدمه كى تتم العلة التامة و يتحقق المعلول، و أما التوقف من طرف العدم فشأني اذ يمكن كون العدم مستندا الى عدم مقتضيه بيان ذلك: ان الارادة المتعلقة بالضدين اما صادرة من الشخص الواحد و اما صادرة من شخصين أما على الأول فلا يمكن تعلق الارادة من الشخص الواحد الا بواحد من الضدين و أما تعلقه بكلا الضدين فأمر غير ممكن فعدم الضد المعدوم مستند الى عدم ما يقتضيه و أما اذا كانت الارادة من شخصين فيمكن تعلق ارادة كل منهما باحد الضدين غير ما تعلقت به الاخرى و في مثله أيضا يكون المانع عن الوجود قوة الطرف المقابل.
و بعبارة واضحة: قوة المقتضي في احداهما تمنع عن تأثير الاخرى فدائما يكون العدم مستندا اما الى عدم المقتضي و اما الى قوة المقتضي الآخر المزاحم و لكن هذا التقريب لا يرفع اشكال الدور اذ لو سلمنا امكان كون وجود الضد واقعا في سلسلة علة الضد الآخر و سلمنا كونه صالحا لذلك فكيف يمكن أن يكون معلولا له و ان شئت قلت: كيف يعقل أن يكون جزء علة الشيء معلولا له و بعبارة واضحة:
اما نسلم امكان استناد عدم احد الضدين الى وجود الضد الآخر و اما لا نسلم امكانه أما على الاول فيلزم الدور لتوقف كل منهما على الآخر، و أما على الثاني فلا يمكن استناد وجود احدهما الى عدم الآخر و عدم امكان المانعية.
الايراد الرابع على الاستدلال المذكور: انه كما لا يمكن اجتماع الضدين في الخارج كذلك لا يمكن اجتماعهما في الرتبة فلا يمكن أن يكون الضدان في رتبة واحدة و ان شئت قلت: لا فرق بين وعاء الخارج و وعاء الرتبة من هذه الجهة هذا من ناحية و من ناحية اخرى التقدم الزماني ملاكه الزمان كما هو ظاهر و أما التقدم الرتبي فهو متوقف على ملاكه كتقدم العلة و الشرط و عدم المانع على المعلول و أما مع فقدان الملاك فيكون كل شيء مع غيره في رتبة واحدة و بعبارة اخرى:
المعية في الرتبة فرع عدم ما يقتضي التقدم و حيث ان ملاك التقدم لا يكون بين ضدين يكون الضدان متحدين رتبة و لكن قد تقدم آنفا ان اجتماع الضدين محال في الرتبة، فيلزم أن يكون عدم احد الضدين في رتبة الضد الآخر اذ لو لم يكن يلزم احد المحذورين اما اجتماع الضدين في الرتبة و هو محال و اما ارتفاع النقيضين عن الرتبة و هو ايضا محال، فالنتيجة ان عدم احد الضدين في رتبة الضد الآخر فلا يعقل أن يكون عدم احد الضدين في سلسلة وجود الضد الآخر اذ يلزم الخلف.
و ان شئت قلت: ان عدم كل شيء في رتبة وجود ذلك الشيء فعدم كل من الضدين في رتبة ذلك الضد، فاذا كان الضدان في رتبة واحدة لكان عدم كل كل واحد منهما في رتبة الضد الآخر و ليس هذا من باب قياس المساواة بأن يقال الف مساو ل «ب» و «ب» مساو ل «ج» ف ج مساو ل «الف» كى يقال هذا يتم في التقدم و التأخر الزمانيين و أما في الرتبة فكل من التقدم و التأخر يتوقف على ملاك التقدم و التأخر و لذا العلة مقدمة رتبة على المعلول و عدم العلة لا يكون مقدما على المعلول و الحال ان عدم العلة في رتبة العلة و عدم المعلول متأخر عن عدم العلة و المعلول لا يكون متأخرا عنه و الحال ان المعلول في رتبة عدمه بل الوجه فيه ان اجتماع الضدين في الرتبة محال فعلى هذا اما يكون عدم احدهما في تلك الرتبة و اما يلزم ارتفاع النقيضين عن الرتبة و حيث ان ارتفاعهما محال فالعدم البديل في تلك الرتبة فاذا فرض ان عدم الضد فى رتبة الضد الآخر كيف يمكن أن يكون مقدما عليه رتبة و يكون من أجزاء علته كما هو مبنى الاستدلال المذكور.
و فيه: ان الاشكال المذكور مبني على أصل فاسد و هو استحالة اجتماع الضدين في الرتبة لأن الصفات المذكورة، اي المضادة و المماثلة و المناقضة صفات عارضة على الموجود الخارجي و لذا نرى انه لا فرق بين كون الرتبة واحدة ام لا، مثلا