و بعبارة واضحة: اما نفرض انحصار مكان المصلي في المغصوب بلا مندوحة و اما نفرض مع المندوحة، أما على الاول فيدخل في باب التزاحم فاما يقدم جانب الوجوب فلا حرام و اما يقدم جانب الحرام فلا واجب، و أما على الثاني فلا مانع من اجتماع كلا الحكمين فان المكلف اختار الفرد الملازم مع الحرام بسوء اختياره.
نعم لو كان المأمور به من قبل المولى له ملازم كاستدبار الجدي بالنسبة الى استقبال القبلة فلا يمكن أن يكون الاستقبال واجبا و الاستدبار حراما أو مكروها.
ثم ان ما أفاده الميرزا(قدس سره)على فرض تماميته انما يتم فيما يكون المشخص للواجب وجود غير وجود ذلك الواجب كبياض الجسم فان وجود البياض في قبال وجود الجسم و اما عنوان الصلاة و الغصب فكلاهما عنوانان انتزاعيان فان صدقا على وجود واحد لا يجوز الاجتماع و ان لم ينتزعا عن وجود واحد بل كان كل منهما عنوانا لوجود غير ما هو مصداق الآخر يجوز الاجتماع على ما هو الحق من ابتناء الجواز و عدمه على كون التركيب انضماميا أو اتحاديا، نعم على ما رامه الميرزا(قدس سره)يمكن التفصيل الذي أفاده فلاحظ.
الجهة الرابع عشرة في النسخ:
وقع الكلام بين القوم في أنه اذا نسخ الوجوب من قبل المولى فما هو الوظيفة؟ ربما يقال بأن الوجوب عبارة عن جواز الفعل مع المنع من الترك و بالنسخ يرتفع المنع عن الترك و يبقى جواز الفعل بحاله.
و يرد عليه: اولا انه ليس الوجوب عبارة عن جواز الفعل مع المنع من الترك بل الوجوب اعتبار الفعل في ذمة المكلف و ابرازه بمبرز من قول أو فعل بداعي ان يقوم به و بعبارة واضحة: الأمر الوجوبي عبارة عن اعتبار المولى الفعل الفلاني كالصوم مثلا في ذمة المكلف و انشاء ذلك الاعتبار بمبرز خارجي ليصير داعيا
للعبد لأن يوجد ذلك الفعل في الخارج و الأمر الاستحبابي عبارة عن اعتبار الفعل الفلاني كصلاة الليل مثلا في ذمة المكلف و ابراز ذلك الاعتبار بمبرز و ترخيص المكلف في ترك ذلك الفعل فالفرق بين الوجوب و الاستحباب فى أن الاستحباب متضمن للاذن في الترك و الوجوب ليس فيه اذن في الترك فعلى هذا الاساس لا مجال للتقريب المتقدم و ان شئت قلت: لا دلالة في النسخ على بقاء الجواز لا في الدليل الناسخ و لا في الدليل المنسوخ، أما دليل الناسخ فيدل على ارتفاع الوجوب و أما دليل المنسوخ فهو دال على الوجوب لا على ارتفاعه.
و ثانيا: ان النسخ في الشريعة المقدسة عبارة عن التخصيص الزماني و معناه بيان أمد الحكم، و بعبارة واضحة النسخ الشرعي لا يكون رفعا بل يكون دفعا فلا موضوع لهذا البيان فعلى هذا بعد تحقق النسخ يؤخذ بالدليل الاجتهادي من الاطلاق أو العموم ان كان و إلّا فيؤخذ بالأصل العملي و مقتضاه الجواز بلحاظ اصالة الاباحة الجارية في الاشياء و لو تنزلنا و قلنا الوجوب عبارة عن تجويز الترك لا مجال لاستصحابه اذ قد ذكرنا مرارا ان الاستصحاب الجاري في الحكم الكلي معارض باستصحاب عدم الجعل الزائد فلاحظ.
الجهة الخامس عشرة فى تحقيق الواجب التخييرى
فنقول وقع الكلام بين القوم في تعريف الواجب التخييرى و فيه مذاهب:المذهب الاول:ان الواجب التخييرى ما يختاره المكلف في مقام الامتثال و يرد عليه: اولا انه مخالف لظواهر الادلة فان ظواهرها تعين الواجب على المكلف و عدم اختيار الواجب بيد المكلف، و ثانيا: انه مخالف لقاعدة الاشتراك في التكاليف اذ من يختار القصر مثلا يجب عليه القصر و من يختار التمام يجب عليه التمام، إلّا أن يقال الاشتراك في أن الاختيار بيد المكلف، و ثالثا: ان لازم هذا القول عدم كون المكلف مكلفا عند
عدم اختياره فردا فان الوجوب المشروط لا يتحقق قبل حصول شرطه إلّا أن يقال يجب عليه اختيار احد الامرين، و رابعا: انه ما المراد من الاختيار فان كان المراد به ايجاده في الخارج فيلزم تحصيل الحاصل و هو محال و ان كان المراد عزمه على الاتيان و لا أثر للانصراف أو الترديد بعد العزم فمرجعه الى تعين ذلك الفرد فلا تخيير بعده و هذا خلاف ان المكلف مخير بين الأمرين أو الامور.
المذهب الثاني:ان كل واحد من الطرفين او الاطراف واجبا تعينيا فكل واحد من الأمرين أو الامور واجب غاية الأمر اذا أتى المكلف بواحد من أفراد الواجب يسقط الباقي و قد تصدى بعض الاساطين لتصحيح هذا القول بأحد نحوين:
النحو الاول: ان المصلحة الملزمة قائمة بكل واحد من الفعلين و لذا يجب كل من الفعلين أو الافعال لكن لو أتى المكلف بواحد منهما او منها يسقط الوجوب عن الباقي ارفاقا.
و يرد عليه: اولا أنه خلاف ظاهر الادلة فان المستفاد منها ان الواجب واحد من الأمرين أو الامور و الشاهد على ما نقول ان الدليل متضمن لكلمة (أو) فيلزم القول بخلاف ما يستفاد من الدليل، و ثانيا: انه لا طريق لنا الى اثبات وجود المصلحة في كل واحد اذ الطريق الى الواقع ليس إلّا تعلق الأمر بفعل و حيث ان المتعلق للوجوب أمر واحد فلا سبيل الى كشف المصلحة في كل واحد على نحو الاستقلال و ان شئت قلت: من أين نعلم بأن في كل من الفعلين مصلحة و ملاكا تباين المصلحة في الآخر و من الظاهر أنا لا نعلم الغيب، و ثالثا: ما معنى الارفاق الذي أفاده فان الارفاق ان كان مقتضيا لسقوط الوجوب فلا وجه لجعله من أول الأمر و بعبارة اخرى: ان كانت مصلحة الارفاق بحد تزاحم مصلحة الجعل فلا وجه للجعل و ان لم تزاحم فلا وجه للسقوط، و رابعا: يلزم انه لو ترك كلا الأمرين أو الامور يتعدد العقاب لأنه ترك واجبين، و خامسا: أنه لو ترك الأمرين الى زمان لا يمكنه إلّا
الاتيان بواحد منهما فأتى بذلك الواحد يلزم أن يعاقب على ترك الآخر اذ المفروض فى كلامه ان سقوط الواجب الآخر بعد الاتيان بواحد منهما و أيضا يلزم سقوطه عن العدالة ان كان عادلا اذ المفروض أنه ترك الواجب على ما رامه.
النحو الثاني: ان الغرض المترتب على المتعدد واحد بالنوع و يترتب على كل واحد من الأمرين أو الامور لكن يكفي وجود واحد من تلك المصلحة و عليه يجب كل واحد لأن ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح و الواحد المردد لا واقع له لكن حيث يكفي الوجود الواحد من ذلك الغرض يسقط الوجوب لو قام بواحد من تلك الأفراد.
و يرد عليه: اولا: أنه خلاف ظاهر الدليل حيث ان المستفاد منه وجوب احد الأمرين أو الامور، و ثانيا: ما افيد في تقريب المدعى يتوقف على العلم بالغيب فانه من أين يعلم أن الغرض واحد بالنوع و يحصل بوجود واحد، و ثالثا: على هذا يلزم أن يجب واحد من الأمرين أو الامور لا أن يجب كلا الامرين أو الامور
ان قلت: لا مناص منه اذ ايجاب الكل غير لازم و وجوب واحد معين ترجيح بلا مرجح و ايجاب الواحد المردد غير معقول اذ المردد لا واقع له فلا مناص من ايجاب كلا الأمرين أو الامور.
قلت: يمكن الوصول الى المطلوب بطريق آخر و هو ايجاب الجامع بين الأمرين أو الامور بأن يتعلق الحكم بعنوان أحد الأمرين أو الامور و لا مانع، و رابعا يلزم على مسلك الخصم أنه لو ترك المكلف جميع الأفراد يكون عقابه متعددا لأنه ترك الواجب المتعدد و أيضا يلزم أنه لو أخر الاتيان الى أن لا يبقى من الوقت الا مقدار واحد من الأمرين أو الامور فأتى بذلك الواحد يعاقب على ترك الآخر اذ المفروض وجوب كلا الأمرين و قد فرض عدم الاتيان باحدهما بلا عذر و الخصم لا يلتزم بهذا اللازم الفاسد فلاحظ.
المذهب الثالث:ما اختاره صاحب الكفاية و هو ان الأمر باحد الأمرين ان كان بلحاظ انه هناك غرض واحد يقوم به كل واحد من الفعلين يكون في الحقيقة هو الجامع بينهما لأن الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد فالغرض الواحد يكشف عن المؤثر الواحد و هو الواجب فيكون التخيير عقليا و أما ان كان الغرض متعددا لترتب كل من الغرضين على فعل بحيث لا يكون الجمع بين الغرضين ممكنا يكون التخيير شرعيا، و بعبارة اخرى: يسقط الواجب بوجود واحد من الفعلين.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأن قانون ان الواحد لا يصدر إلّا عن الواحد و قاعدة عدم صدور الكثير عن الواحد يختصان بالواحد الشخصي، و أما الواحد النوعي فلا يتم فيه البيان المذكور و لذا نرى ان الحرارة التي واحدة بالنوع تصدر عن النار تارة و عن الشمس اخرى و عن القوة الكهربائية ثالثة و عن الغضب رابعة و عن الحركة خامسة و هكذا، و ثانيا: لو فرض تمامية التقريب المذكور فانما يتم فيما يكون بين أفراد الواجب التخييري جامع حقيقي و يكون الأفراد جميعا داخلة تحت مقولة واحدة و الحال ان الواجب التخييري ربما لا يكون كذلك و يكون كل فرد منه داخلا تحت مقوله مباينة لمقولة اخرى و من الواضح ان المقولات متباينة، و ثالثا: فرضنا الجامع المذكور لكن الجامع بين أفراد الواجب هو الجامع العرفي القابل لأن يخاطب به و أما الجامع الدقي الفلسفي فهو غير قابل لان يخاطب به العرف و الكلام في بيان الوجوب التخييري، و رابعا: ان ما أفاده مخالف لظواهر الادلة فان الظاهر منها ان الواجب واحد من الأفراد لا كل واحد منها، و خامسا: انه يمكن للمكلف أن يجمع بين التركين أو التروك فلا بد من كون عقابه متعددا.
و سادسا: ان عدم امكان الجمع بين الغرضين اما يختص بصورة تعاقب الفردين بأن يوجدا على التدريج و أما لا يختص بل يتضادان حتى في صورة أن يوجدا دفعة
اما على الفرض الاول: فيلزم على المولى أن يوجب ايجادهما دفعة كى لا يفوت الغرض الملزم و اما على الفرض الثاني فيلزم عدم تحقق الامتثال اذ فرض التضاد بين الغرضين و لا يمكن الالتزام باللازم المذكور.
المذهب الرابع:أن يكون الواجب كل من الفردين بشرط عدم الاتيان بالفرد الآخر.
و يرد عليه: انه لو لم يأت بأفراد الواجب يلزم وجوب كلا الأمرين لحصول شرط الواجب و يترتب عليه تعدد العقاب و الحال انه لا يمكن الالتزام به.
المذهب الخامس:و هو المذهب الحق ان الوجوب يتعلق بالجامع بين أمرين أو الامور، و تقريب المدعى انه لا اشكال في تعلق الأمر الاعتباري بالعنوان الانتزاعي هذا من ناحية و من ناحية اخرى اذا كان الغرض مترتبا على وجود واحد من امور لا جامع ذاتي بينها كالعتق و الاطعام و الصيام فلا مناص عن تعلق الأمر بالجامع الانتزاعي بينها فيوجب المولى احد الأمور المذكورة فيكون الواجب هو الجامع بين الأمور و تكون النتيجة انه لو أتى بها دفعة تكون مصداقا للواجب و لو أتى بواحد منها يكون ممتثلا و لو ترك جميع الافراد يكون عقابه واحدا و ان شئت فقل ان التخيير الشرعي و العقلي لا فرق بينهما الا في مقام الاثبات و الدلالة و إلّا فلا فرق بينهما بحسب مقام الثبوت و الواقع فلاحظ.
بقي شيء، و هو انه هل يمكن التخيير بين الاقل و الاكثر استدل على عدم الامكان بأن الاقل اذا كان من أفراد الواجب يحصل الامتثال به فلا مجال للاكثر و الظاهر ان ما افيد تام فانه لو كان الأقل من أفراد الواجب يكون انطباق الطبيعي عليه قهريا و يكون الاجزاء عقليا و بعد تحقق الاجزاء لا مجال للامتثال، و ربما يتوهم انه يجوز التخيير بين الأقل و الاكثر فيما قيد الاقل بشرط لا عن الزائد كما لو دار الأمر بين الاتيان بالتسبيحات الاربع بين الواحدة بشرط لا و الثلاثة، قلت في
الحقيقة يكون التخيير بين المتباينين لأن النسبة بين بشرط لا و بشرط شىء التباين فلاحظ.
نعم اذا كان الاكثر يوجد دفعة في الخارج لا مانع من التخيير بين الاقل و الاكثر مثلا يمكن أن يوجب المولى ايجاد خط بمقدار ذراع مثلا و لكن يلزم ايجاده دفعة فالمكلف له أن يوجد خطا بقدر ذراع و له أن يوجد خطا بمقدار ذراعين.
الجهة السادس عشرة فى الواجب الكفائى:
الواجب الكفائى هو الواجب الذي يكفي الاتيان به من قبل مكلف واحد و بعبارة اخرى الواجب الكفائي هو الواجب الذي لو أتى به الجميع يسقط و يستحق الجميع الثواب لصدق صدور الواجب عن كل واحد و ان لم يأت به احد يستحق الجميع العقاب لصدق ترك الواجب بالنسبة الى كل واحد من آحاد المكلفين و ان أتى به بعض المكلفين دون الباقين يسقط الواجب عن التاركين لتحقق الغرض و عدم الموضوع بعد اتيان ذلك البعض.
اذا عرفت ذلك نقول: وقع الكلام بين القوم في تصوير الواجب الكفائى و ان المكلف بحسب الجعل اي شخص و في هذا المقام يمكن تصوير مذاهب:
المذهب الاول: أن يقال: ان المكلف واحد معين عند اللّه لكن اذا أتى به غيره يسقط التكليف عن ذلك المكلف.
و يرد عليه: اولا، انه خلاف ظاهر الادلة حيث ان الظاهر منها ان جميع الآحاد مكلفون لا واحد معين منهم، و ثانيا: انه لا وجه لسقوط الواجب بفعل غير المكلف الا مع قيام دليل على السقوط و اي دليل دل على هذا المدعى، و ثالثا: ان مقتضى ادلة البراءة العقلية و النقلية عدم وجوبه على احد اذ كل واحد من المكلفين له أن يأخذ بالبراءة و لا يقوم بالعمل و هل يمكن الالتزام بهذا اللازم؟
المذهب الثاني: أن يقال ان الوجوب الكفائي متوجه الى مجموع المكلفين من حيث المجموع.
و يرد عليه: اولا ان لازمه انه لو قام واحد منهم بالواجب لا يحصل الامتثال و الحال انه ليس الأمر كذلك في الوجوب الكفائي، و ثانيا: انه كيف يمكن صدور الواجب عن مجموع آحاد المكلفين فاذا فرض ان أفرادهم كثيرة كيف يمكن قيام كلهم بعمل واحد بحيث يصدر كل جزء منه من شخص و كيف كان هذا القول ساقط عن درجة الاعتبار مضافا الى أنه خلاف ظاهر الادلة.
المذهب الثالث: ان الواجب الكفائي واجب بالنسبة الى كل مكلف و لكن مشروط بعدم اتيان الآخرين فيجب على كل واحد منهم بشرط ترك بقية المكلفين.
و يرد عليه: اولا ان الشرط ان كان ترك بعض المكلفين فلازمه أن يتعين الوجوب على الجميع لتحقق الشرط فيصير الواجب الكفائي عينيا و هذا خلف و ان كان المراد ترك الجميع فلازمه انه لو أتى به الجميع لا يحصل الامتثال لأن شرط الواجب ترك الجميع و المفروض عدم تحقق الشرط.
المذهب الرابع: أن يكون الواجب الجامع بين المكلفين و لازمه حصول الامتثال بفعل واحد و بفعل الجميع و هذا هو الحق.
الجهة السابع عشرة فى الموسع و المضيق:
ينقسم الواجب باعتبار تحديده بزمان خاص و عدم تحديده الى موقت و غير موقت، و ينقسم الموقت الى الموسع و المضيق، فان الوقت اذا كان أزيد من مقدار زمان الواجب يكون الواجب موسعا كالصلوات اليومية بالنسبة الى أوقاتها و اذا لم يكن أزيد بل كان مساويا له يكون الواجب مضيقا كصوم شهر رمضان فان اليوم بتمامه ظرف للصوم و لا يكون أزيد منه.