الذي يرشد الى مانعية شيء في المنهي عنه فلا اشكال في دلالته على الفساد فان النهي عن الصلاة فيما لا يؤكل لحمه و أيضا النهي عن بيع الغرر يدل على فساد الصلاة في الاول و على فساد البيع في الثاني، و الوجه فيه ان النهي الارشادي يدل على تقيد المتعلق أو الموضوع بعدم ذلك المانع، و بعبارة اخرى: يكشف عن أن المولى رتب حكمه بالطبيعة التي لا يكون ذلك المانع فيه فلا ينطبق المأمور به على الواجد لذلك المانع فلا يجزي الواجد لذلك المانع فلا يصح كما ان الامر كذلك في الامور الوضعية فان الامضاء رتب على البيع غير الغرري فلا يعقل ان يكون البيع الغرري صحيحا فلاحظ.
الخامسة:
ان المراد بالعبادة في محل الكلام المركب الذي لو امر به لكان أمره أمرا عباديا لا العبادة بالفعل اذ كيف يمكن ان العبادة الفعلية تكون منهيا عنها فعلا مع استحالة اجتماع الحب و البغض مضافا الى أنه في الفرض المزبور لا يبقى مجال للبحث اذ مع فرض كون العبادة الفعلية منهيا عنها نعلم عدم التنافي بين الأمرين فان أدل دليل على امكان شيء وقوعه في الخارج فالمراد بالعبادة المركب الذي لو أمر به كان أمره عباديا.
و أما المراد بالمعاملة فكل امر اعتبارى قصدي يبرز بمبرز أعم من أن يكون عقدا أو ايقاعا.
السادسة:
ان البحث يختص بالعبادات و المعاملات بالمعنى الاخص أي العقود و الايقاعات و أما المعاملات بالمعنى الاعم التي لا مدخلية لفعل المكلف فيه كتطهير البدن مثلا الذي يحصل بوصول الماء الى المحل النجس فهي خارجة عن محل الكلام و الوجه فيه ان فعل المكلف لا مدخل له فيها فلا يفرق بين الحرام و الحلال، و أما العبادة فربما يقال بعدم دلالة النهي فيها على الفساد اذ النهي يتعلق بما يلازم المأمور به و لا يتعلق به بنفسه في مقابل قول من يقول اذا تعلق النهي
بالعبادة يدل على فسادها لعدم امكان اجتماع الحب و البغض، و أما المعاملات بالمعنى الاخص كالبيع فيمكن أن يقال أن النهي عنه لا يدل على فساده لعدم تناف بين الحرمة التكليفية و الصحة الوضعية و يمكن أن يقال ان النهي عنه يوجب سلب القدرة و مع عدم القدرة لا يمكن للمكلف أن يأتي به و بعبارة اخرى يدعي المدعي ان النهى مانع عن تحقق الفعل في الخارج.
السابعة:
أنه يدخل في محل النزاع ما يكون قابلا للصحة تارة و للفساد اخرى كالصلاة مثلا و أما ما لا يكون قابلا لكلا الامرين فلا يقع البحث فيه كالاتلاف الموجب للضمان فلا يقع فيه النزاع، و ببيان واضح: ان النزاع يختص بمورد قابل لأن يتصف بالصحة تارة و بالفساد اخرى كى يقع الكلام و يبحث في أنه هل النهي يدل على الفساد أم لا و أما ما لا يتصف بهذين الوصفين فلا مجال لهذا البحث فيه.
الثامنة:
لو شك في دلالة النهى على الفساد فلا أصل يعول عليه اذ لو كان تلازم بين الحرمة و الفساد يكون التلازم المذكور من الازل و إلّا لم يكن كذلك فلا مجال لأن يجري فيه الاصل، و أما في المسألة الفرعية، فنقول لو تعلق النهي بمعاملة و شك في أن تعلق النهي به هل يوجب فسادها أم لا فعلى تقدير وجود عموم أو اطلاق يؤخذ به و يحكم بصحة تلك المعاملة اذ لا منافاة بين الصحة و الحرمة في باب المعاملات و على تقدير احتمال التنافي يكون اطلاق الدليل أو عمومه محكما و أما مع عدم عموم أو اطلاق فمقتضى الأصل العملي هو الفساد.
و بعبارة واضحة: في كل معاملة يشك في صحتها و فسادها حكمية كانت الشبهة أم موضوعية اذا لم يكن دليل اجتهادي يقتضي صحتها يكون مقتضى الأصل العملي فساد تلك المعاملة و الوجه فيه ان الصحة امر يحدث باعتبار الشارع و مع الشك فيه يكون مقتضى الاستصحاب عدم حدوثه و هذا ظاهر واضح فلاحظ.
و أما بالنسبة الى العبادة فلا يمكن الحكم بالصحة اذ مع فرض تعلق النهي بها لا يمكن أن يكون مأمورا بها فلا دليل على صحتها و احتمال كونها واجدة للملاك لا أثر له اذ لا طريق الى كشف الملاك الا من ناحية الامر و مع عدم الأمر كيف يكشف الملاك.
و يرد على هذا التقريب: انه لا مانع من تعلق الامر مع النهي الا من ناحية التضاد و مع تحقق التضاد لا مجال لكون الملاك مؤثرا اذ لا يمكن أن يكون شيء واحد محبوبا و مبغوضا فعلى فرض التضاد لا يمكن ان يتحقق قصد القربة و مع عدم التضاد لا مانع من شمول الأمر للمنهي عنه، فالحق أن يقال ان الفارق بين العبادة و المعاملة ان النهي عن المعاملة تكليفا لا ينافي كونها صحيحة فمع وجود اطلاق أو عموم يؤخذ به و يحكم بالصحة في مورد الشك و أما العبادة المنهي عنها فلا يعقل ان تقع صحيحة لاستحالة اجتماع الضدين.
التاسعة:
ان الصحة و الفساد من الامور الاضافية التي تختلف بحسب الانظار و الاضافات و لا تنافي بين كون شيء أمرا واقعيا و مع ذلك يكون مختلفا بحسب الانظار و الاضافات مثلا لا اشكال في أن الفوقية من الامور الواقعية و مع ذلك يمكن أن يكون جسم واحد فوقا بالنسبة الى ما تحته و تحتا بالنسبة الى ما فوقه و قس عليها التحتية و غيرها من الامور المختلفة باختلاف الاضافات.
العاشرة:
انه هل الصحة و الفساد أمر ان واقعيان أو أمر ان مجعولان و الكلام هنا تارة يقع في الصحة و الفساد بحسب الواقع، و اخرى في الصحة الظاهرية و الفساد كذلك، فالكلام يقع في مقامات ثلاثة:
[البحث في مقامات ثلاثة]
المقام الاول: في الصحة الواقعية و الفساد كذلك بالنسبة الى العبادات
فنقول الصحة و الفساد في العبادات أمران واقعيان و لا تكونان قابلتين للجعل فان المأمور به كالصلاة مثلا اذا انطبق على المأتي به في الخارج تتحقق الصحة و تنزع منه
و لذا يحكم العقل بالاجزاء و اما لو لم ينطبق لفقدان المأتي به جزءا أو شرطا يتحقق الفساد و ينتزع منه و لذا يحكم العقل بعدم الاجزاء.
المقام الثاني: في الصحة و الفساد بالنسبة الى المعاملات،
فنقول الصحة و الفساد في المعاملات يكونان أمرين مجعولين و السر فيه ان المولى يحكم بكونه مملكا مثلا و حكمه بكون البيع مملكا يكون على نحو القضية الحقيقية فما دام لم يقع بيع في الخارج لا يعقل الحكم بالتمليك الا فرضا و تقديرا و بعد تحققه في الخارج ان حكم الشارع بكونه مملكا اي حكم بكونه صحيحا يصح و إلّا فلا، فيكون الحكم بالملكية عبارة اخرى عن الحكم بالصحة فالصحة أمر مجعول و عدم الصحة ايضا بيد المولى أي لا يحكم و هذا بخلاف باب التكاليف فان الحكم من قبل المولى يتعلق بالمادة و يتحقق الوجوب، و بعبارة اخرى الفرق بين باب التكليف و باب الوضع ان التكليف يتعلق بفعل المكلف قبل وجوده و الأمر الوضعي يتعلق بالموضوع بعد وجوده فلا يعقل أن تكون الصحة في باب التكاليف مجعولة كما انه لا يعقل أن تكون الصحة في باب المعاملات أمرا واقعيا، فالصحة في باب العبادات و ما يلحق بها من كل مركب تعلق به الوجوب و لو كان وجوبه توصليا أمر واقعي و كذلك فسادها و أما الصحة و الفساد في العقود و الايقاعات و ما يلحق بهما من بقية الموضوعات المترتبة عليها الأحكام أمران مجعولان، هذا تمام الكلام في المقام الثاني.
و أما المقام الثالث و هي الصحة الظاهرية المستفادة من قاعدة الفراغ أو التجاوز أو الصحة أو غيرها
فلا نفهم لها معنى معقولا الا الترخيص في عدم الاحتياط في ظرف الشك مثلا لو شك المصلي في صحة صلاته بعد الفراغ يكون مقتضى الاشتغال العقلي أو الاستصحاب الشرعي الاحتياط و لكن الشارع الأقدس يجوز ترك الاحتياط و يرخص في ترك الاعادة أو القضاء، و هذا أمر معقول و أما حكم
الشارع بأنها صحيحة فلا يرجع الى محصل و الأمر في جميع موارد الحكومة كذلك فانه لا معنى للحكومة الا الأمر بشيء او النهي عن شيء أو الترخيص في شيء و أما الحكومة بمعنى جعل الناقص تاما و أمثاله فلا يرجع الى محصل صحيح إلّا أن يرجع الى جعل الامارة اي الشارع يجعل الفراغ امارة على الاتيان و بعبارة اخرى يجعل الشك في بعض الموارد علما تعبديا فلاحظ.
[تعلق النهى بالعبادة على اقسام]
اذا عرفت ما تقدم نقول: تعلق النهي بالعبادة على اقسام:
القسم الاول: أن يتعلق النهي بنفس العبادة
و لا اشكال في دلالته على الفساد اذ الكلام في النهي التحريمي و المفروض ان المنهي عنه مبغوض للمولى و لا يعقل أن يكون المبغوض محبوبا و تصحيح العبادة بالملاك و لو مع عدم الأمر مدفوع بأن كشف الملاك من ناحية الأمر و مع عدم الأمر لا طريق الى كشف الملاك مضافا الى أن الملاك لا يؤثر في المحبوبية اذا كان مغلوبا لملاك النهي و المفروض فعلية النهى و بعبارة اخرى ان الفعل مبغوض فلا اثر للملاك.
القسم الثاني: ان يتعلق النهي بجزء العبادة،
افاد في الكفاية انه لا اشكال في أنه يوجب فساده بعين التقريب المتقدم لكن لا يقتضي فساد المركب إلّا أن يكتفى بالجزء المنهي عنه فتبطل العبادة للنقيصة و أما لو اتى بجزء آخر غير منهي عنه فلا وجه للفساد و على الجملة النهي عن جزء العبادة بما هو لا يوجب فساد العبادة إلّا أن يتحقق الفساد من ناحية النقيصة أو الزيادة او غيرهما.
و أورد عليه الميرزا النائيني بما حاصله: ان جزء العبادة اما أن يؤخذ فيه عدد خاص كالوحدة المعتبرة في السورة و اما لا يؤخذ، أما على الاول فلو تعلق به النهي يقتضي فساده لأن المكلف اما يقتصر فيه بذلك المنهي عنه و اما يأتي بفرد آخر، أما على الأول فيلزم نقصان المركب لأن الجزء المنهي عنه غير قابل لأن يكون جزءا للمركب و أما في صورة عدم الاقتصار يترتب البطلان من جهة القران
بين السورتين مضافا الى أنه لو لم يمنع من القران يكون النهي عن الجزء مقتضيا لعدم جواز القران بالنسبة الى الفرد المنهي عنه و يضاف الى ذلك كله ان الجزء لو صار منهيا عنه يقيد المركب بغيره فالاتيان به و لو في غير محله يوجب البطلان و يترتب على ما ذكرنا امور كلها موجبة للبطلان: الأول: كون العبادة مقيدة بعدم ذلك الجزء فالاتيان به يوجب البطلان. الثاني: كونه زيادة في الفريضة فتوجب البطلان و لا يعتبر في الزيادة قصد الجزئية اذا كان الزائد من جنس الواجب و انما قصد الزيادة يشترط فيما لا يكون من جنسه. الثالث: خروجه عن ادلة مطلق الذكر فيندرج الفرد المحرم في ادلة بطلان الصلاة بالتكلم العمدي، و أما لو لم يؤخذ فيه عدد خاص فقد اتضح حاله مما ذكر و انه يوجب البطلان.
و قال سيدنا الاستاد على ما في التقرير: نحلل ما أفاده الى عدة نقاط: الاولى بطلان الصلاة في صورة الاقتصار على المنهي عنه و ما أفاده تام، اذ على فرض الاقتصار تبطل العبادة للنقصان و لا فرق فيما ذكر بين أن يؤخذ الجزء لا بشرط أو بشرط لا.
الثانية: ان حرمة الجزء توجب تخصيص جواز القران بغير الفرد المنهي عنه، و يرد عليه: انه لا دليل عليه فان القران لو لم يكن مانعا كما هو المفروض لا يكون وجه لفساد الصلاة بالاتيان بالجزء المحرم.
الثالثة: ان النهي عن جزء لا محالة يوجب اشتراط العبادة بعدمه.
و يرد عليه: انه لا وجه لما ذكر و إلّا كان النظر الى الاجنبية ايضا يوجب الفساد و هو بديهي البطلان.
الرابعة: انه لا يشترط في الزيادة قصد الجزئية اذا كان من جنس العبادة و فيه:
ان تحقق الزيادة متقوم بقصدها و إلّا لا يصدق مفهوم الزيادة نعم في خصوص الركوع و السجود يكون الأمر كذلك اي يتحقق الزيادة فيهما و لو مع عدم قصد الزيادة بالتعبد مضافا الى أن بطلان العبادة بالزيادة يختص بالصلاة.
الخامسة: ان المنهي عنه خارج عن عموم ما دل على جواز مطلق الذكر، و يرد عليه: ان الكلام الآدمي لا يصدق على الذكر و لو كان محرما مضافا الى أنه يختص بباب الصلاة.
و ما أورده سيدنا الاستاد على استاده تام و على الجملة ما أفاده صاحب الكفاية في المقام تام لا غبار عليه.
القسم الثالث: أن يتعلق النهي بشرط العبادة
كما لو تعلق النهي بالوضوء، أفاد صاحب الكفاية ان النهي اذا تعلق بالشرط و كان الشرط عبادة كالوضوء يقتضي النهي فساد الشرط و مع فرض فساد الشرط يفسد المشروط و أما اذا كان الشرط توصليا فلا يقتضي النهي عنه فساد العبادة اذ لا فرق في تحقق الغرض من الشرط بين أن يكون حلالا أو حراما.
و أفاد الميرزا النائيني على ما في التقرير بأن شرط العبادة عبارة عن اسم المصدر الحاصل من المصدر و عليه الذي يكون متعلق النهي هو المصدر و الذي يكون شرطا هو الحاصل من المصدر الذي نعبر عنه باسم المصدر فما تعلق به النهي ليس شرطا و ما يكون شرطا ليس منهيا عنه مثلا الصلاة مشروطة بالستر فاذا نهى الشارع عن لبس الحرير مثلا، فتارة ينهى عن الصلاة في الحرير فلا اشكال في اقتضائه بطلان الصلاة و اخرى ينهى عن نفس اللبس فلا وجه لبطلان الصلاة بل يكون من قبيل النظر الى الاجنبية في الصلاة هذا من ناحية و من ناحية اخرى ان شرائط الصلاة بأجمعها توصلية لا يشترط فيها قصد القربة، فالنتيجة ان النهي ان تعلق بنفس العبادة يوجب الفساد و إلّا فلا.
و قال سيدنا الاستاد يستفاد من كلامه امور: الأول: ان النهي المتعلق بالشرط متعلق بالمصدر و هو ليس شرطا و ما يتولد من المصدر الذي هو شرط لا يكون متعلقا للنهي و يرد عليه: ان المراد من المصدر و اسم المصدر ان كان السبب
و المسبب فلا يمكن المساعدة عليه فان السب غير المسبب و انهما متغايران وجودا بخلاف المصدر و اسم المصدر فانهما متحدان ذاتا و وجودا و الفرق بينهما بالاعتبار و ان شئت قلت: الفرق بين المصدر و اسم المصدر هو الفرق بين الايجاد و الوجود و على هذا الاساس لا يعقل أن يكون المصدر حراما و اسم المصدر لا يكون حراما.
الثاني: ان الشرط في الطهارات الثلاث الأمر المتولد من تلك الأفعال لا نفس تلك الأفعال، و يرد عليه: انا ذكرنا في الفقه ان الشرط نفس هذه الأفعال.
الثالث: ان شرائط الصلاة كلها توصلية، و يرد عليه: ان الأمر ليس كذلك فان الطهارات الثلاث امور تعبدية و هي شرائط الصلاة انتهى.
اذا عرفت ما تقدم نقول: يرد على الميرزا انه سلمنا ان اسم المصدر مغاير مع المصدر و هما متغايران وجودا كالسبب و المسبب لكن لو تعلق النهي بالمصدر على مبناه و صار المصدر حراما فان كان المنهي عنه عبادة كالطهارات الثلاث تصير العبادة المشروط بها باطلة لأن المفروض ان العبادة الباطلة وجودها كالعدم فلا يمكن أن يكون المتولد منها شرطا للعبادة فالعبادة المشروطة فاقدة للشرط و مع فقد الشرط تكون العبادة فاسدة.
و صفوة القول: ان ما أفاده صاحب الكفاية صحيح فان الشرط اذا كان عبادة و تعلق به النهي يوجب بطلان المشروط و اما اذا لم يكن عبادة و كان أمرا توصليا و صار متعلقا للنهي لا يكون النهي المتعلق به موجبا لفساد المشروط لعدم المقتضي للفساد بعبارة اخرى: ان كان الشرط توصليا و تعلق به النهي كالنهي عن الستر بالحرير لا يكون النهي مقتضيا لفساد العبادة اذ المفروض ان النهي تعلق بأمر خارج عن الصلاة فلا تنافي بين حرمة التستر بالحرير أو الغصب و محبوبية الصلاة المقيدة بالتستر في الصلاة و ببيان أوضح: تارة ينهى المولى عن التستر بالحرير حال الصلاة بأن ينهى عن التقيد الخاص بأن تكون الصلاة المتقيدة بالقيد الكذائي مبغوضة عنده و اخرى