في المفهوم اذ قد مر في أول البحث ان المفهوم عبارة عن الحكم غير المذكور و هذا التعريف ينطبق على المقام، إلّا أن يقال ان دلالة لفظ (انما) على الحصر كدلالة لفظ (الا) عليه و قد مر ان دلالتها بالمنطوق و كيف كان الأمر سهل، و أما لو رتب الحكم على عدد خاص كما لو قال المولى «اكرم اربعا من العلماء» فلا اشكال في أنه لا مفهوم لكلامه و أما عدم حصول الامتثال باكرام الاقل فهو ليس من باب المفهوم بل من باب عدم الاتيان بالمأمور به فانه ما دام لم ينطبق المأمور به على المأتي به لا يحصل الامتثال و هذا واضح ظاهر، هذا بالنسبة الى طرف النقيصة و أما بالنسبة الى الزيادة فتارة يفهم من قرينة ان العدد الخاص مأمور به بحيث اخذ بشرط لا، و اخرى يكون العدد المأمور به لا بشرط، أما على الأول فلا بد من الاقتصار على المقدار المأمور به و لا يحصل الامتثال لو زيد عليه لعدم تحقق المأمور به في الخارج على الفرض، و أما على الثاني فلا مانع من الزيادة اذ فرض العدد لا بشرط و أما الدليل فلا تعرض فيه لنفي الحكم عن الزائد كما انه غير متعرض للاثبات و علي الجملة الحكم المترتب على العدد الخاص غير متعرض لحكم الاقل و الاكثر و بعبارة واضحة لا مفهوم له.
[منها: كلمة بل]
و من أداة الحصر كلمة (بل) و لا يخفى ان هذه الكلمة قد تستعمل لافادة ان المضرب عنه أتى به غفلة أو لأجل سبق اللسان كما لو أخبر أحد بأنه «جاء زيد ثم قال بل خالد» و لا اشكال في عدم دلالة هذا الكلام على الحصر بل المستفاد من مثله ان المتكلم لا يكون في مقام الاخبار عن مجيء زيد بل في مقام الأخبار عن مجىء خالد و قد تستعمل في مقام التأكيد و الترقي كما لو قال أحد فلان فاضل بل مجتهد، و لا اشكال أيضا في عدم دلالة مثل هذا الكلام على الحصر و قد تستعمل لاثبات ابطال المضرب عنه كما في قوله تعالى«وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً» بَلْ
عِبادٌ مُكْرَمُونَ[1]و لا اشكال في افادة الحصر و نفي المضرب عنه فان الآية الشريفة تنفي كون الملائكة أولادا لذاته المقدسة.
[منها: تعريف المسند اليه باللام]
و مما يعد في عداد ما يفيد الحصر تعريف المسند اليه باللام كقول القائل «الفقيه زيد» و انكر دلالة المسند اليه المعرف باللام على الحصر صاحب الكفاية بتقريب ان الظاهر من اللام الجنس و الظاهر من الحمل الشائع الذي ملاكه الاتحاد في الوجود فلا مقتضي لاستفادة الحصر، نعم لو كان اللام للاستغراق أو تمت مقدمات الاطلاق و لوحظ مدخول اللام مرسلا أو قامت قرينة على كون الحمل حملا اوليا ذاتيا يستفاد الحصر و إلّا فلا هذا ملخص كلامه.
و الانصاف أنه لا يبعد أن يستفاد من الجملة الحصر و لذا لو قيل بالفارسي «زننده زيد است» لا يبعد أن يستفاد من الجملة حصر الضارب في زيد.
الموضع الخامس فى مفهوم اللقب:
فنقول الحق عدم دلالته على المفهوم فان اثبات حكم لموضوع خاص لا يدل على نفي سنخ ذلك الحكم عن غيره، ان قلت، لو لا المفهوم فما فائدة ذكر اللقب بالخصوص.
قلت: يمكن أن يكون الوجه فيه مزيد اهتمام المولى بالشخص الفلاني.
و ربما يستدل على المفهوم بقول القائل مخاطبا لغيره لا أنا زان و لا اختي، فانه يفهم منه اثبات كون المخاطب و اخته من الزواني.
و يرد عليه: ان دلالة الكلام مع القرينة لا تقتضي الالتزام بالدلالة على الاطلاق و على اللّه التوكل هذا تمام الكلام في المفاهيم.
[1]مريم/ 88
المقصد الرابع فى العام و الخاص و فيه فصول:
الفصل الاول: [ان مفهوم العام من المفاهيم الظاهرة]
لا اشكال فى ان مفهوم العام من المفاهيم الظاهرة الواضحة عند الكل و لا حاجة الى تحقيق معناه و تعريفه حدا و رسما اذ ليس غرض للاصولي في معرفة حده و رسمه بل يكفى الاشارة اليه بأي نحو ممكن و ربما يتوهم أنه يلزم معرفة العام و أقسامه و تحقيق كل واحد منها كى يقدم فيما يكون مقتضى الجمع العرفي تقديمه على غيره، و لكن التوهم المذكور غير تام لأن الميزان في تقديم أحد الدليلين على الدليل الآخر كونه قرينة عرفية و كونه حاكما و شارحا للدليل الآخر و لذا نرى أنه يقدم المطلق الذي يحرز اطلاقه بمقدمات الحكمة على الوضع كما في قول القائل «رأيت اسدا يرمى» فانه يستفاد من هذه الجملة ان المرئي كان رجلا شجاعا يرمي بالسهام مع ان استفادة الرمي بالسهام من الاطلاق و استفادة الحيوان المفترس من لفظ الاسد بالوضع لكن العرف يرى قول القائل يرمي قرينة على كون المراد من لفظ الاسد الرجل الشجاع.
[العموم الاستغراقي و المجموعى و البدلي]
ثم ان العموم ينقسم الى الاستغراقى و المجموعي و البدلي و منشأ انقسامه الى هذه الأقسام اختلاف الاغراض اذ ربما يتعلق الغرض بكل فرد من الأفراد بحيث يكون كل فرد على حياله و استقلاله مورد الغرض و يرتبط أحد الأفراد بالآخر كما لو تعلق غرض المولى باكرام كل عالم فيأمر عبده أن يكرم كل أحد من العلماء فيقول لعبده اكرم العلماء فيكون لاكرام كل واحد من العلماء وجوب خاص به و له اطاعة و عصيان و قد يتعلق الغرض باكرام مجموع العلماء بحيث يكون اكرام الجميع واجبا واحدا فلو اكرم العبد جميع العلماء الا واحدا منهم لا يحصل غرض المولى و لا يحصل الامتثال و قد يتعلق الغرض باكرام واحد منهم فيأمر عبده باكرام واحد منهم أو يأمر بعتق عبد واحد و يتحقق الامتثال باكرام واحد من العلماء
و يتحقق العصيان بترك اكرام الجميع و الظاهر أنه لا فرق بين تعلق الحكم بالطبيعة و بين تعلقه بالفرد المنتشر فكما يحصل امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة بأول فرد يوجد من الطبيعي كذلك يحصل به فيما يكون الأمر متعلقا بالفرد المنتشر إلّا أن يفهم من الدليل ان الفرد المأمور به مقيد بالوحدة و اخذ بشرط لا، فلا يحصل الامتثال الا بهذا النحو.
ثم ان الأقسام المذكورة للعموم هل تتصور في جانب المحرمات كما تتصور في جانب الواجبات؟ أما العموم الاستغراقي فهو متصور في المحرمات كما يتصور في الواجبات بل اكثر المحرمات كذلك فان كل فرد من أفراد الكذب حرام و قس عليه كثيرا من المحرمات كالزنا و اللواط و الغيبة و التهمة و هكذا، و أما العام المجموعي فهو ايضا يتصور في المحرمات اذ يمكن أن يتعلق غرض المولى بخلو صفحة الوجود عن الطبيعة الخاصة بحيث لو أتى و لو بفرد واحد منها لاختل غرضه، و أما العموم البدلي فلا بد فيه من التفصيل بأن يقال تارة يكون المبغوض اول وجود من الطبيعة بحيث لو أتى به لا يكون الاتيان بغيره من الأفراد مبغوضا، و اخرى يتعلق الغرض بعدم تحقق فرد منتشر بين الأفراد، أما على الأول فلا بد من تعلق النهي بأول وجود من الطبيعة اذ من الظاهر ان اول الوجود منها مقدور للعبد و قابل لأن يتحقق فى الخارج و المفروض ان المفسدة قائمة به و هو مبغوض للمولى فتعلق النهي به على طبق القاعدة، و أما على الثاني فلا مجال لتعلق النهي به اذ هو حاصل بلا تعلق النهي و تحصيل الحاصل محال، و ان شئت قلت يكون النهي عنه لغوا و هو لا يصدر عن الحكيم.
ثم ان الفرق بين العام و المطلق الشمولي بالوضع و مقدمات الحكمة و بعبارة اخرى لا اشكال في انه كما انه يستفاد الاستغراق من قول المولى اكرم العلماء و هو وجوب اكرام كل عالم كذلك يستفاد من المطلق الشمولي الحكم الاستغراقي فان
المستفاد من قوله تعالى«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»جواز كل بيع وجد في الخارج و صحته و الفرق بين العموم و الاطلاق بأن العام كلفظ كل موضوع للسريان و العموم و السريان يفهم من الوضع و أما السريان المستفاد من المطلق فهو مستفاد من مقدمات الحكمة و هل يترتب أثر على الفرق بين المقامين أم لا و يظهر فيما بعد إن شاء اللّه فانتظر.
ثم ان صيغ العموم وضعت للدلالة على سراية الحكم الى كل واحد من الأفراد التي يصدق عليه العنوان الذي يكون مدخولا للفظ العموم فلو قال المولى «اكرم كل عالم» يفهم من كلامه وجوب اكرام كل شخص يكون عالما، و ان شئت قلت:
صيغة العموم بنفسها تفيد شمول الحكم لجميع أفراد مدخوله و لا يتوقف انعقاد العموم على جريان مقدمات الحكمة، و مما ذكرنا يعلم ان أسماء الأعداد كلفظ العشرة مثلا لا تكون من صيغ العموم بل لفظ العشرة كبقية أسماء الأجناس فكما ان الرقبة لو وقعت موضوعا للوجوب كقول المولى لعبده «اعتق رقبة» تدل على الجنس و ببركة مقدمات الحكمة نلتزم بحصول الامتثال في عتق اية رقبة من الرقاب كذلك لو قال المولى لعبده «اكرم عشرة رجال» يفهم وجوب اكرام عدد خاص و ببركة مقدمات الحكمة نلتزم بحصول الامتثال باكرام العدد المذكور بلا تقيده بقيد من القيود.
و بعبارة واضحة: لا يدل لفظ العشرة في المثال المذكور على سراية الحكم الى كل ما يصدق عليه عنوان المدخول، نعم لا اشكال في دلالة لفظ العشرة في المثال المذكور على تعلق الحكم بكل واحد من آحاد العشرة لكن هذه الدلالة ليست كدلالة صيغة العموم بل من باب دلالة كل مركب على أجزاء ذلك المركب و ببيان آخر: ان دلالة لفظ العشرة على وجوب اكرام العدد الخاص كدلالة لفظ الصلاة على وجوب أجزائها فيما لو قال المولى لعبده صل، و لذا نقول دلالة صيغة العموم على الأفراد الداخلة تحته تكون دلالة مستقلة و أما دلالة لفظ العشرة على العدد
الخاص دلالة ضمنية.
ان قلت: ان استغراق العشرة باعتبار الواحد و عنوان واحد ينطبق على كل فرد، فما الفرق بين قول المولى «اكرم عشرة رجال» و بين قوله «اكرم العلماء» فكما ان لفظ العشرة لا ينطبق على رجل واحد كذلك لفظ العلماء لا ينطبق على عالم واحد.
قلت: الامر ليس كذلك فان لفظ العشرة موضوع لمركب خاص و مجموع من العدد المخصوص و بعبارة اخرى: كل واحد من آحاد العشرة جزء لهذا الكل و الكل لا يصدق على جزئه و لا يعقل و لذا نرى اختلال صدق هذا المفهوم بالزيادة و النقيصة اي لا يصدق عنوان العشرة على الزائد عليها و لا يصدق على الناقص عنها، و أما مدخول لفظ العموم فيشمل كل واحد من أفراد مدخوله على نحو الاستقلال و لا يكون الفرد جزءا للمفهوم العام و لذا لا يؤثر فى صدقه الزيادة و النقيصة.
و ببيان آخر ان نسبة الواحد الى العشرة ليست كنسبة العالم الى العلماء فان هيئة الجمع المحلى تعرض على العالم و تفيد شمول العالم لكل من يكون قابلا لأن يصدق عليه عنوان العالم، و أما لفظ العشرة بما له من المعنى فيكون مركبا من الآحاد و يكون مباينا للواحد و لا ينطبق عنوان العشرة على واحد.
و صفوة القول: ان شمول الحكم للآحاد في قول المولى لعبده «اكرم عشرة رجال» من باب شمول كل مركب لأجزائه فكل واحد من آحاد العشرة جزء لهذا المركب و أما عنوان العالم فليس جزءا لكل عالم في قول المولى «اكرم كل عالم» فتحصل مما ذكرنا ان كل واحد من المقامين اجنبي عن المقام الآخر.
الفصل الثانى: [للعموم صيغة تخصه]
لا اشكال في أن للعموم صيغة تخصه كلفظ كل في لغة العرب و كلفظ (همه) في لغة الفرس، و بعبارة اخرى: صيغ العموم في لغة العرب و بقية اللغات موضوعة
للعموم، و ربما يقال كون صيغة العموم موضوعة للخاص أولى لأن الخاص مراد قطعا.
و يرد عليه: ان كون الخاص مرادا قطعا لا يقتضي أن يكون اللفظ موضوعا بازائه بالخصوص، و ببيان واضح: كون الفاظ العموم موضوعة للعموم ليس مورد الشك و الترديد فلا تصل النوبة الى البيان المذكور مضافا الى أنه ما المراد من الخاص الذي يكون موضوعا له بحسب الدعوى المذكورة فان الخاص المعلوم كونه مرادا هل هو الواحد أو غيره مثلا لو قال المولى «اكرم العلماء» لا اشكال في ارادة واحد منهم فيكون لفظ كل و ما يرادفه موضوعا للواحد و هل يمكن الالتزام به و ببيان واضح: ما المراد من هذا الكلام فانه لو اريد ان صيغة العموم موضوعة للمفهوم الخاص و بازاء هذا المفهوم فبطلانه أوضح من أن يخفى، و ان اريد انها موضوعة لمرتبة خاصة من الخاص فما هي اذ كل مرتبة من المراتب مرتبة خاصة، نعم لا اشكال في ارادة بعض المراتب من لفظ العموم لكن تحقق بعض المراتب لا يقتضي رفع اليد عن ظهور الكلمة في العموم و صفوة القول: انه لا اشكال في تبادر العموم من صيغه.
ان قلت: قد اشتهر عند القوم انه ما من عام إلّا و قد خصص، فالعام يستعمل في الخاص أكثر من استعماله في معناه و عليه يناسب أن يكون اللفظ موضوعا للخاص قلت اولا كثرة التخصيص لا تستلزم كون استعمال العام في الخاص بل يمكن أن يكون الاستعمال في معناه العام و بعبارة اخرى: فرق بين الارادة الاستعمالية و الارادة الجدية، و ثانيا: انه يمكن الالتزام بكون الاستعمال المجازي كثيرا للدواعي المختلفة لكن كثرة الاستعمال مع قيام القرينة لا توجب رفع اليد عن المعنى الحقيقي و لذا نرى ان لفظ اسد يستعمل في الرجل الشجاع مجازا كثيرا و مع ذلك يكون ظاهرا في الحيوان المفترس.
و ثالثا: لا يكون استعمال العام في الخاص مشخصا و معينا اذ يستعمل لفظ العام على تقدير تسليمه في مراتب مختلفة فعلى تقدير تمامية الاشكال يلزم اما القول يكون اللفظ موضوعا للجامع بين المراتب و اما القول باشتراك اللفظ بين المراتب و بطلانه اظهر من أن يخفى.
ثم ان استفادة العموم من لفظ (كل) و بقية صيغ العموم كما اشرنا اليه سابقا لا تتوقف على اجراء مقدمات الحكمة في مدخولها بل يستفاد العموم من نفس الألفاظ مثلا لو قال المولى «اكرم كل عالم» يستفاد العموم من لفظ كل، و بعبارة اخرى: وضع لفظ كل لشمول الحكم لكل فرد قابل لأن يكون مصداقا لعنوان المدخول فلا يتوقف استفادة العموم على جريان مقدمات الحكمة بأن نقول وضع لفظ كل لشمول الحكم لما يراد من المدخول كى يقال اذا لم تتم المقدمات لا يمكن أن يستفاد العموم. و قال سيدنا الاستاد في هذا المقام انه لو كان استفادة العموم متوقفا على المقدمات لم تكن حاجة الى الاتيان بلفظ كل بل ذكره لغو.
لكن يرد عليه: انه لو لم يذكر لفظ كل أو ما يقوم مقامه في افادة العموم لا يستفاد العموم الاستغراقي من الطبيعة و لو مع جريان مقدمات الحكمة مثلا لو قال المولى «اكرم العالم» لا يستفاد من كلامه وجوب اكرام جميع العلماء بل يستفاد وجوب اكرام طبيعي العالم، و صفوة القول: ان صيغ العموم وضعت لافادة العموم بلا حاجة الى جريان مقدمات الحكمة و الدليل عليه التبادر الذي يكون آية الحقيقة و ببيان أوضح: ان لفظ العموم موضوع لتفهيم استغراق الحكم لكل فرد يكون معنونا بعنوان المدخول و لا يتوقف على جريان مقدمات الحكمة و لذا لو تكلم المولى و أمر باكرام العلماء بقوله «اكرم كل عالم» و قال اني في مقام الاهمال و الاجمال لعل كلامه يعد من التناقض إلّا ان يقال: انه يمكن ان يكون المراد من الاهمال عدم الاتيان بالمخصص و مثل لفظ (كل) الجمع المحلي باللام و اما المفرد المعرف باللام