و فيه: اولا انه لا دليل على هذه الدعوى و هي أن الامور الواقعة فى الخارج بعادته تعالى و ثانيا: ان الامور الواقعة في الخارج اما امور تكوينية كاحتراق الخشب بالنار و أمثاله، و اما افعال اختيارية للعباد، أما القسم الاول، فهو من باب السنخية بين العلل و المعاليل، و أما القسم الثاني، فمن باب كون العبد مختارا في فعله و المؤثر في تحقق الفعل اختياره و أرادته، مضافا الى أنه ينقل الكلام الى اول ما وجد في العالم من المعاليل و من افعال العباد اذا لعادة تحصل بالتكرر، و في اول الأمر لا تحصل العادة و عليه، نسأل ما هو المؤثر في الامر؟ و هل يمكن أن يقال في اول الأمر يكون المعلول حصوله بالعلة من باب السنخية و اما بعد تحقق العادة فلا، و هل يمكن أن يقال: اول فعل اختياري يكون صادرا من فاعله بتأثير الاختيار و الارادة و أما بعد تحقق العادة فلا و هل يمكن التفكيك بين المعاليل و الأفعال في علل وجودها بأن يقال: المؤثر في تحققها قبل تحقق العادة عللها التكوينية و الاختيار و اما بعد حصول العادة المؤثر ارادة اللّه.
و اضف الى ذلك: انه هل يعقل تحقق العادة في ساحته المقدسة و هل يكون ذاته الاقدس موضوعا و معرضا لهذه العوارض، و يضاف الى جميع ذلك كله:
انا نسأل و ننقل الكلام فى هذه العادة المشار اليها فان هذه العادة من الأمور الموجودة او من الامور المعدومة.
أما على الثانى فكيف يكون المعدوم مؤثرا في الايجاد، و أما على الاول فتلك العادة المذكورة، هل تكون مستندة الى غير ذاته الأقدس أو تكون مستندة اليه؟ أما على الاول فيلزم الشرك و الكفر و تعدد المؤثر في العالم الى اللّه و الى رسوله، و الى اوليائه المشتكى من هذه الاباطيل.
و أما على الثاني فهل توجد تلك العادة بدون اختياره و بعبارة اخرى هي معلولة لذاته أو تكون من افعاله الاختيارية أما على الاول فيلزم قدمها لامتناع
انفكاك المعلول عن العلة. و أما على الثاني فهل يحتاج في الخلق الى العادة المذكورة أو لا يحتاج اليها أما على الاول فيلزم عجزه و يلزم الالتزام بخلاف صريح الكتاب«إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»[1].
و أما على الثاني: فيلزم العبث اعاذنا اللّه من الخرافات و الترهات و حيث ذكرنا ان صاحب الكفاية و تلميذه الشيخ الاصفهاني قائلان بالجبر نذكر عبارتهما كى يعلم مرامهما من عبارتهما.
قال في الكفاية: «ان قلت: اذا كان الكفر و العصيان و الاطاعة و الايمان بارادته تعالى التي لا تكاد تتخلف عن المراد، فلا يصح أن يتعلق بها التكليف، لكونها خارجة عن الاختيار المعتبر فيه عقلا.
قلت: انما يخرج بذلك عن الاختيار، لو لم يكن تعلق الارادة بها مسبوقة بمقدماتها الاختيارية، و إلّا فلا بد من صدورها بالاختيار، و إلّا لزم تخلف ارادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
ان قلت: ان الكفر و العصيان من الكافر و العاصي و لو كانا مسبوقين بارادتهما إلّا أنهما منتهيان الى ما لا بالاختيار، كيف؟ و قد سبقهما الارادة الازلية و المشية الالهية، و معه كيف تصح المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
ت: العقاب انما يتبع الكفر و العصيان التابعين للاختيار الناشئ عن مقدماته الناشئة عن شقاوتهما الذاتية اللازمة لخصوص ذاتهما، فان (السعيد سعيد في بطن أمه و الشقي شقي في بطن أمه)[2]و (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة)، كما في الخبر[3]، و الذاتي لا يعلل، فانقطع سؤال أنه لم جعل السعيد سعيدا و الشقي شقيا؟ فان السعيد سعيد بنفسه و الشقي شقي كذلك، و انما أوجدهما
[1]يس/ 82
[2]ورد بهذا المضمون فى توحيد الصدوق، ص 356 الباب 58، الحديث: 3
[3]الروضة من الكافى، ج 8 ص 177، الحديث: 197
اللّه تعالى (قلم اينجا رسيد سر بشكست)[1]انتهى موضع الحاجة من كلامه.
و هذه العبارة كما ترى صريحة في كون أفعال العباد لا تكون اختيارية لهم بل يكونون مجبورين و في عين الحال مختلفة و مضطربة فتارة: يرى ان المؤثر في افعالهم الارادة الازلية، و اخرى يرى ان المؤثر الشقاوة الذاتية و السعادة الذاتية و يعترف صريحا بأن القدرة الالهية لا تتعلق بالذاتيّات و يشير بهذا البيان الى قولهم ما جعل اللّه المشمشة مشمشة بل أوجدها.
و بعبارة واضحة: ان اللّه خلق السعيد و الشقي و المؤثر في الفعل الحسن و القبيح السعادة الذاتية و الشقاوة كذلك.
و في آخر الكلام يعجز عن حل الاشكال و يتوسل الى قوله (قلم اينجا رسيد سر بشكست). و يرد على ما أفاده: ان الاشكال ناش من الالتزام بكون الارادة أمرا غير اختياري و كونها من صفات الذات و أما لو قلنا ان الارادة من الافعال بلا فرق بين ذات الواجب و الممكن و ان الافعال الاختيارية كلها تنتهي الى الارادة و الارادة بنفسها تحت القدرة، لا يتوجه الاشكال.
نعم يبقى في المقام شيء و هو ان صاحب الكفاية افاد: بأن القبيح الذي يصدر من الانسان يكون ناشيا من سوء السريرة و سوء السريرة أمر ذاتي و الذاتي لا يعلل و استشهد بما ورد عنهم(عليهم السلام)بأن (السعيد سعيد في بطن أمه، و الشقي شقي في بطن أمه)[2]و (الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة)[3]فكل فعل حسن صادر من المكلف منشؤه سعادته و كل قبيح يصدر منه منشؤه شقاوته، فلا مجال للسؤال فان اللّه لم يجعل المشمش مشمشا بل أوجدها.
و في مقام الجواب عن هذه الشبهة يقع الكلام تارة فيما يقتضيه البرهان،
[1]كفاية الاصول، ج 1 ص 52
[2]سفينة البحار للقمى، ج 1 ص 709
[3]الروضة من الكافى، ج 8 ص 177، الحديث: 197
و اخرى فيما يرجع بالمروي عنهم(عليهم السلام)، فيقع الكلام فى مقامين:
فنقول: اما المقام الاول فالذاتي، اما ذاتي باب الايساغوجي، و اما ذاتي باب البرهان اما ذاتي باب الايساغوجي أي الكليات الخمس، فلا تكون السعادة و الشقاوة منها، اذ لا اشكال انهما لا تكونان ذاتيا بهذا المعنى للانسان، فان السعادة و الشقاوة لا تكونان جنسا و لا فصلا و لا نوعا للانسان.
و أما ذاتي باب البرهان فهو عبارة عما ينتزع عن مقام الذات بلا ضم ضميمة على الذات كالزوجية بالنسبة الى الأربعة و كالامكان بالنسبة الى الممكن و الوجوب بالنسبة الى الواجب و هكذا، و السعادة و الشقاوة لا تكونان ذاتيين للانسان بهذا المعنى بل السعادة تنزع عن الانسان بلحاظ عروضها على الانسان.
و بعبارة اخرى: انما تنزع عن الانسان في الزمان الذي يكون سعيدا، و الشقاوة تنزع عنه في الزمان الذي يكون شقيا و الحال ان ذاتي باب البرهان لا تنفك عن الذات، و لا يفرق فيه بين الازمنة المتعددة و الحالات المختلفة و يدل على ما ذكرنا بعض النصوص ففي الخبر المروى عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد اللّه «(عليه السلام)» قال: من قرأ(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)في فريضة من الفرائض غفر اللّه له و لوالديه و ما ولدا و ان كان شقيا محي من ديوان الأشقياء و أثبت في ديوان السعداء، و أحياه اللّه سعيدا و أماته شهيدا و بعثه شهيدا[1].
و مثله: في المعنى، خبر آخر في نفس المصدر فان المستفاد من الخبرين ان السعادة و الشقاوة قابلتان للارتفاع بعد العروض، و بعبارة اخرى: يستفاد من الخبرين بالصراحة انهما لا تكونان من الذاتي في باب البرهان.
و أما المقام الثانى فقد روى المحدث القمي في المجلد الاول من سفينة البحار ص 709 «الشقي من شقي في بطن أمه» و قد روى الصدوق باسناده
[1]الوسائل، الباب 34، من ابواب القراءة فى الصلاة، الحديث: 5
الى محمد بن أبي عمير قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر(عليهما السلام)، عن معنى قول رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)«الشقي شقي في بطن أمه و السعيد سعيد في بطن أمه» فقال: الشقي من علم اللّه عزّ و جل و هو في بطن أمه انه سيعمل أعمال الاشقياء و السعيد من علم اللّه و هو في بطن أمه انه سيعمل اعمال السعداء، قلت فما معنى قوله(صلى اللّه عليه و آله)اعملوا فكل ميسر لما خلق له، فقال: ان اللّه عزّ و جل خلق الجن و الانس ليعبدوه و لم يخلقهم ليعصوه و ذلك قوله عزّ و جل«وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»فيسر كلا لما خلق له فالويل لمن استحب العمى[1]و في هذه الرواية بين الامام(عليه السلام)المراد بالسعادة و الشقاوة في بطن الأمّ بان اللّه ان علم انه سيعمل عملا حسنا يكون سعيدا في بطن أمه و ان علم اللّه انه سيعمل عملا قبيحا يكون شقيا في بطن أمه فالرواية لا يستفاد منها ما رامه صاحب الكفاية.
نعم يستفاد من حديث منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
ان اللّه خلق السعادة و الشقاء قبل ان يخلق خلقه فمن خلقه اللّه سعيدا لم يبغضه ابدا و ان عمل شرا ابغض عمله و لم يبغضه و ان كان شقيا لم يحبه ابدا و ان عمل صالحا احب عمله و ابغضه لما يصير اليه، فاذا احب اللّه شيئا لم يبغضه ابدا و اذا ابغض شيئا لم يحبه ابدا[2]، ان اللّه يخلق السعيد سعيدا و الشقي شقيا، لكن لا يستفاد من الحديث مدعى صاحب الكفاية، و هو ان السعادة و الشقاوة ذاتيان للانسان، مضافا الى أنه لو دل حديث على الجبر نرد علمه الى اهله لأنه مخالف للوجدان و مخالف للكتاب و السنة القطعية.
[1]معالم الزلفى، ص 361
[2]الاصول من الكافى، ج 1 ص 152، باب السعادة و الشقاوة، الحديث: 1
و أما حديث الناس معادن كمعادن الذهبة و الفضة، فقد نقله المحدث القمى في المجلد الثاني من سفينة البحار (ص) 168 و يقول راوي الحديث ابو هريرة و هذا الحديث اولا ضعيف سندا، و ثانيا: لا يستفاد منه ان الناس مجبورون في أفعالهم بل يدل على أن المعادن كما انها تختلف من حيث الجودة و الرداءة كذلك نفوس الناس مختلفة، من حيث الغرائز المستودعة فيهم و لا يرتبط الحديث بما نحن بصدده، هذا ما يرجع الى كلام صاحب الكفاية.
و اما تلميذه المحقق الاصفهانى فقال: لا ريب عند اهل النظران مفاهيم الصفات ...
الخ[1].
فان المستفاد من كلامه ان الارادة أمر غير اختياري بلا فرق بين ارادته تعالى و ارادة العباد و بلا فرق بين الارادة الذاتية أو الفعلية من هذه الجهة و من اراد الوقوف على على ما أفاده على نحو التفصيل فليراجع كلامه في الموضع الذي اشرنا اليه.
و الجواب: ان الارادة كما تقدم منا امر اختيارى، فان الوجدان اصدق شاهد على المدعى، كما ان المستفاد من اللغة و الاخبار كذلك.
و صفوة القول: ان الالتزام بالجبر يستلزم الالتزام بما ينافي الوجدان كما انه ينافى الآيات القرآنية، و الاحاديث الشريفة و ما يستفاد من اللغة كما انه يستلزم الالتزام بكون ارسال الرسل و انزال الكتب عبثا و لغوا و ان خلق الجنة و النار خلاف الحكمة و ان العقاب بلا وجه و انه مصداق للظلم، إلّا أن يقال ان القائل بالجبر قائل بأن جميع الموجودات دنيوية و اخروية كلها امور خارجة عن الاختيار فلا مجال للبحث و لا مجال لبيان التوالى الفاسدة و قد قيل ان حمار الاشعري اشعر و أعقل منه لأن حماره حين يصل في الطريق الى نهر الماء يدرك انه يمكنه أن تقف و لا يديم في المشي و لا يقع في الماء و أما الاشعري فلا يدرك هذا المقدار.
[1]نهاية الدراية فى شرح الكفاية، ج 1 ص 164 الى 173
بقى شيء فى المقام و هو ان ظاهر كلام سيدنا الاستاد، ان الارادة تكون من الصفات لا من الأفعال و لا تكون الارادة علة لتحقق الافعال الاختيارية، قال في جملة كلام له[1]اما النقطة الاولى فلا ريب فى ان كل واحد الى ان قال و قد تحصل من مجموع ما ذكرنا امران، الاول: ان الفعل الاختياري انما يصدر باعمال قدرته لا بالارادة و من أراد الوقوف على تفصيل ما أفاده فليراجع كلامه في الموضع الذي اشرنا اليه.
و يرد عليه: ان الارادة كما سبق من الافعال لا من الصفات، و قد ذكرنا ان كون الارادة من الافعال مضافا الى الوجدان يدل عليه النص الوارد عن الأئمة(عليهم السلام)و صراحة كلام اهل اللغة هذا اولا.
و ثانيا: سلمنا ان الارادة من الصفات و أن الفعل الخارجي لا يتحقق بعد الارادة بل قلنا ان المؤثر فى صدور الفعل الاختيار و فرضنا ان الاختيار غير الارادة لكن ننقل الكلام الى الاختيار و نسأل هل الفعل بعد تحقق الاختيار اختياري و يمكن ان لا يتحقق ام لا يكون اختياريا و يجب تحققه؟
أما على الاول، فكيف يتحقق مع كونه تحت الاختيار بعد و بعبارة اخرى:
بعد تحقق الاختيار ما الوجه في عدم تحققه و ما السبب في حالة الانتظار و أما على الثاني فاللازم كون الفعل واجب الوجود بعد الاختيار و ينسد باب العدم فاى فرق بين القول بأن المؤثر هي الارادة كما نقول و بين قوله ان المؤثر هو الاختيار غير تغيير العبارة، و الحال ان وجوب الفعل بهذا النحو لا يخرجه عن الاختيارية، و بعبارة اخرى: المناط في الاختيارية ان زمام الفعل بيد النفس و هذا المناط و الملاك باق بحاله و لا ينافي وجوب الفعل بعد الارادة كما نقول او بعد الاختيار كما يقول.
[1]محاضرات فى اصول الفقه، ج 1 ص 53 الى 60
و ثالثا: ان قولهم ان الشيء ما لم يجب لم يوجد لا يختص بالمعاليل التكوينية بل يعم الافعال الاختيارية و السر في العموم ان الممكن من قبل نفسه لا يصير واجبا و لا يصير موجودا فلا بد في وجوده من مؤثر فيه، فاذا فرض تحقق ذلك المؤثر يجب وجوده و ان فرض عدم تحققه يجب عدمه، و قلنا ان الوجوب بهذا التقريب لا ينافي الاختيارية، هذا تمام الكلام فيما يرجع الى الجبر.
و في قبال هذا المسلك، مسلك المعتزلة، فانهم قالوا بأن اللّه تبارك و تعالى، فوض الامر الى العباد و انهم مختارون في أفعالهم و لا مؤثر في أفعالهم غيرهم و هم يفعلون ما يشاءون و يعملون ما يريدون من دون استعانة بقدرة اخرى، و لا يخفى انهم و ان احتفظوا بعدالة الباري و ان الكفار و العصاة مختارون في افعالهم و اعمالهم لكن وقعوا في محذور آخر و هو الافراط في نفي السلطنة عن اللّه و اثبات الشريك له تعالى في امر الخلق و لذا وردت نصوص في ذمهم و انهم مجوس هذه الامة فان المجوس قائلون بتعدد الإله و ذهبوا أن المؤثر في العالم يزدان و اهريمن، و قالوا خالق النور يزدان فان يزدان خالق الخير و النور و اهريمن خالق الشر و الظلمة، و بعبارة واضحة:
انهم قائلون بأن كل واحد من آحاد البشر موجد لافعاله و لا يحتاج في خلقه الى غيره.
و الدليل على هذه المقالة ان احتياج الممكن الى المؤثر حدوثه و اما بعد حدوثه فلا يحتاج في بقائه الى العلة و المؤثر، و على هذا الاساس الانسان اذا وجد في الخارج لا يكون بقائه محتاجا الى الغير فيكون تمام التأثير و تمام المؤثر في افعاله و اعماله.
و يرد عليه: ان الممكن بعد وجوده و بعد حدوثه هل ينقلب الى الواجب أو يكون باقيا على ما هو عليه من الامكان أما على الاول فكيف ينقلب الممكن الى الواجب؟ فانه امر مستحيل. و بعبارة اخرى: يلزم أن يكون الواجب حادثا و هذا خلف.