الاستدلال بالحديث هو التقريب الذي ذكرناه في تلك الرواية و الجواب ان الحديث المذكور ساقط من حيث السند فلا يكون قابلا للاستناد مضافا الى أنه لا يمكن الالتزام بمفاده فانه خلاف الاجماع و التسالم القطعي فلا دليل على قاعدة الميسور الا في باب الصلاة حيث استفيد من النص ان الصلاة عماد الدين و لا تسقط بحال اضف الى جميع ما ذكرنا انه لو قرض قيام دليل على قاعدة الميسور لا بد من رد علمه الى اهله او توجيهه بنحو اذ عدم وجوب الميسور من الواجبات من الواضحات الاولية فانه كما تقدم لا يمكن الالتزام بوجوب الاتيان بالمقدار الممكن من الواجبات بعد عدم امكان القيام بالفرد التام فلا فائدة في هذا البحث و لا يترتب عليه اثر عملي.
التنبيه الرابع: [لو دار الامر بين كون الجزئية أو الشرطية على الاطلاق أو حال الذكر]
انه اذا ثبت كون شيء جزءا لمركب او شرطا له في الجملة و دار الامر بين كون الجزئية أو الشرطية على الاطلاق حتى في حال النسيان أو يختص بحال الذكر كى يختص البطلان بحال الترك العمدي فهل يكون مقتضى القاعدة الاطلاق و التقييد يحتاج الى الدليل أم مقتضى القاعدة الاختصاص بحال الذكر و لا يكون المنسي جزءا في حال النسيان وجهان و تحقيق الحال يقتضي البحث عن امكان تكليف الناسي بغير ما نسيه من الاجزاء و الشرائط و اذا ثبت صحة العمل الفاقد كما ثبت في الصلاة في الجملة يقع البحث في أن صحة العمل من باب انطباق المأمور به على المأتي به أو من باب وفاء المأتي به بالملاك و من الظاهر انه لا أثر للبحث مع قيام الدليل على الصحة كما في باب الصلاة و انما يظهر الاثر فيما لا يكون دليل على صحة الفاقد حال النسيان ففي المقام قولان: احدهما انه لا يمكن توجيه الخطاب الى الناسي اذ لا يعقل توجهه الى كونه ناسيا
و مع ذلك يبقى نسيانه بحاله فالصحة لعمله على فرض تحققها من ناحية وفاء العمل بتمام الغرض.
في مقابل القول المذكور قول آخر و هو امكان توجيه التكليف الى الناسي و قد ذكر في تقريب امكانه وجهان الوجه الاول: ان يخاطب بالعنوان الملازم كما لو خوطب بعنوان بارد المزاج.
و اورد في هذا الوجه بأنه مجرد فرض و خيال فانه لا يكون له ميزان منضبط فان أسباب النسيان مختلفة و حدوثه في الاشخاص لا يكون على نحو واحد كى يمكن أن يجعل له ضابط كلي و لا سيما اذا كان التكليف به بالعنوان المذكور مشروطا بعدم توجه المكلف بالملازمة بين الامرين اذ بمجرد التفاته الى كونه بارد المزاج مثلا يمكن أن يتوجه الى نسيانه فربما يزول نسيانه بالتذكر و ينقلب الموضوع.
الوجه الثاني: أن يتعلق الامر بالفاقد للجزء أو الشرط بالنسبة الى عامة المكلفين ثم يتعلق الامر ببقية الاجزاء بالنسبة الى الذاكرين فتكون النتيجة وجوب المركب التام مختصا بالذاكرين و أما غير الذاكر أي الناسى فيكون مكلفا بالعمل الخالي عن الجزء أو الشرط.
و أفاد سيدنا الاستاد انه لا بأس بالوجه المذكور غاية الامر يحتاج الى الدليل و بعبارة واضحة: بحسب مقام الثبوت هذا الوجه خال عن الاشكال فان قام دليل دال عليه في مقام الاثبات نلتزم به و إلّا فلا.
اقول المفروض في المقام ان الجزء المنسي جزء للمركب و المركب التام وظيفة الذاكر و عليه نسأل الامر المتوجه بالمركب الناقص كيف يمكن يتوجه الى عامة المكلفين و المفروض ان المكلفين قسمان قسم وظيفته المركب التام و هو الذاكر و قسم آخر وظيفته المركب الناقص فكيف يمكن الجمع بين القسمين و ان شئت
قلت: كل من القسمين مختص بواجب غير ما يختص به الآخر و عليه لا يعقل تكليف عام الى كلا الفريقين نعم يمكن جعل حكمين من قبل المولى احدهما يتعلق بالمركب التام ثانيهما يتعلق بالمركب الناقص و يختص الحكم المتعلق بالمركب التام بالاشخاص الذين يلتفتون الى امكان الجزئية أو الشرطية و يختص الحكم المتعلق بالمركب الناقص الى الغافل.
و حيث انجر الكلام الى هنا نقول: هل يمكن اختصاص الحكم بالذاكر فان الذاكر عبارة عن المكلف الذي يعلم جزئية الشيء الفلاني أو شرطيته فيكون الحكم مختصا بالعالم بالحكم و الحال انه يستلزم الدور مضافا الى أنه يلزم التصويب المجمع على بطلانه نعم لا اشكال في أن الغافل عن جزئية شيء أو شرطيته بحيث لا يتوجه الى امكان الجزئية أو الشرطية لا يعقل أن يكلف بالمركب التام لعدم كونه قابلا للانبعاث و أما مع التوجه الى قابلية كون الشيء الفلاني شرطا أو جزءا فيمكن توجيه الخطاب اليه.
ان قلت: فما الوجه في الاجزاء المستفاد من قاعدة لا تعاد فان المعروف عند القوم ان المستفاد من حديث القاعدة اختصاص وجوب المركب التام بالذاكر و أما الناسي فوظيفته المركب الناقص و لذا يصح الفاقد بالنسبة اليه قلت: لا بد من الالتزام بوفاء الناقص بغرض المولى لا أن الواجب قسمان.
اذا عرفت ما تقدم فاعلم: انه يقع الكلام تارة في مقتضى الاصل اللفظي و اخرى في مقتضى الاصل العملي فيقع الكلام فى مقامين فنقول: أما المقام الاول فتارة يكون دليل القيد مطلقا و كذلك يكون دليل الواجب مطلقا و في هذه الصورة لا بد من الالتزام بكون الواجب خوص المركب التام و الناقص يكون باطلا و ذلك لتقدم اطلاق القيد
على اطلاق المقيد و بعبارة اخرى: دليل القيد قرينة على كون الواجب خصوص الواجد للقيد الفلاني و اخرى لا يكون دليل الواجب مطلقا و لكن يكون دليل الجزء أو الشرط مطلقا و الكلام فيه هو الكلام فان النتيجة تقيد الواجب بالقيد.
ان قلت: لا يمكن الاطلاق في دليل الجزئية أو الشرطية اذ يلزم التكليف بغير المقدور فان المفروض ان الناسي لا يمكنه الاتيان بالمركب التام لاجل نسيانه قلت: اولا ان الامر بالجزء ارشادي اي يرشد الى الجزئية أو الشرطية فلا يتوجه محذور و ثانيا ان الناسي على قسمين فانه قد ينسي الحكم و الموضوع بحيث يكون غافلا عن كون السورة جزءا للصلاة و اخرى ينسي الحكم و لكن متوجه الى الموضوع و يحتمل كونه جزءا لكن نسي كونه من المركب و في هذه الصورة يمكن توجيه التكليف اليه.
ان قلت: حديث رفع النسيان يقتضي صحة المأتي به الخالي عن الجزء المنسي قلت: غاية ما يستفاد من الحديث انه لا الزام بالنسبة الى المكلف حال نسيانه و لا يستفاد من حديث رفع النسيان توجه تكليف آخر بالفاقد و ان شئت قلت: حديث الرفع يقتضي النفي لا الاثبات.
و ثالثة يكون دليل الواجب مطلقا و أما دليل القيد فلا يكون فيه اطلاق أفاد سيدنا الاستاد(قدس سره)«يؤخذ بدليل الواجب و الوجه فيه ظاهر ...»
و يرد عليه ما بيناه آنفا من انه امر غير معقول فلاحظ.
و رابعة لا يكون اطلاق لا في دليل الواجب و لا في دليل القيد فلا بد من اعمال الاصول العملية هذا تمام الكلام في المقام الاول.
و أما المقام الثاني ففي كل مورد تعلق الشك بالتكليف يكون
المرجع البراءة على ما هو المقرر عند القوم فتارة لا يقدر الناسي على الاتيان بالمركب التام كما لو أمر المولى العبد بالكون في المسجد من اول طلوع الشمس الى الزوال فنسي العبد و بعد مضي ساعة من اول الشمس تذكر و شك في وجوب الوقوف من تلك الساعة الى الزوال و عدمه يكون مقتضى البراءة عدمه و اخرى يقدر كما لو أمره بالاتيان بمركب من عشرة أجزاء و العبد نسي بعض أجزاء المركب و اتى بالناقص ثم تذكر و شك في الوجوب و عدمه يكون المرجع ايضا البراءة بلا فرق بين الموارد و لا تصل النوبة الى الاشتغال فان الاشتغال لا مجال له كما ذكرناه كرارا فان الشك ان كان في الثبوت يكون المرجع البراءة و ان كان الشك في السقوط بعد تحقق التكليف يكون المرجع استصحاب عدم الاتيان و ان كان الشك في مقدار الجعل يقع التعارض بين استصحابي الجعل و المجعول و تصل النوبة بعد التعارض و التساقط الى البراءة فلاحظ.
شرائط جريان الاصول العملية
يقع الكلام تارة في شرط جريان الاحتياط و اخرى في شرط جريان البراءة العقلية و ثالثة في شرط جريان البراءة الشرعية فالكلام يقع في ثلاثة مواضع: الموضع الاول في الاحتياط و الاحتياط تارة يقع في المعاملات و اخرى يقع في العبادات فيقع الكلام في موردين المورد الاول في الاحتياط في المعاملات و لا اشكال في حسنه عقلا فانه نحو انقياد بالنسبة الى المولى و العقل حاكم و مدرك في باب الاطاعة و العصيان و الانقياد و لا اشكال في حكمه بحسن الانقياد لكن بشرط أن لا يتعنون الاحتياط بعنوان حرام و بعبارة اخرى: لو تعنون الاحتياط بعنوان مبغوض للمولى فلا يعقل أن يحكم العقل
بحسنه اذ كيف يمكن أن يجتمع الحسن و القبح في فعل واحد فان استحالة اجتماع الضدين من البديهيات الاولية هذا تمام الكلام في الموضع الاول.
المورد الثاني في الاحتياط في العبادات و الاحتياط فيها تارة يتصور فيما لا يمكن تحصيل العلم التفصيلي بالواقع و اخرى فيما لا يكون الواقع منجزا أي لا يجب الاحتياط و ثالثة فيما يمكن حصول العلم بالواقع أما الاحتياط في القسم الاول فلا اشكال في حسنه اذ المفروض عدم امكان العلم التفصيلي بالواقع فلا مجال لوجوب قصد التميز و الوجه و أما القسم الثاني فلا يجب الاحتياط كما هو المفروض لعدم تنجز الواقع و لا اشكال في حسن الاحتياط باحتمال المطلوبية و على الجملة لا اشكال في حسنه بالتقريب الذي تقدم في الاحتياط في المعاملات بلا فرق.
و أما الاحتياط في القسم الثالث فتارة يحتمل وجوب قصد الوجه و التميز و غيرهما فلا بد من رعايتها مع الامكان كما هو المفروض نعم اذا قام الدليل على عدم وجوبها شرعا كما هو كذلك فلا اشكال في حسن الاحتياط في العبادة و لو مع امكان قصد التميز و الوجه.
و الموضع الثاني في البراءة العقلية و لا اشكال في عدم جريانها مع عدم الفحص عن الدليل فان البراءة العقلية عبارة عن قبح العقاب بلا بيان هذا من ناحية و من ناحية اخرى بيان الاحكام يكون بالطرق الجارية بين العقلاء و لا يكون للشارع الاقدس دأب خاص و طريق مخصوص في ايصال الاحكام الى عباده بأن يوحي الى كل واحد منهم مثلا فلا بد من الفحص كى يتحقق عدم البيان الذي هو موضوع حكم العقل و مع عدم الفحص لا يمكن اجراء البراءة.
و ان شئت قلت: كل موضوع شرط في ترتب الحكم عليه و بعبارة اخرى: تحقق الموضوع في الخارج مقدم في القضية الشرطية و مع عدم تحقق الشرط أو الشك فيه كيف يتحقق التالي فلا اشكال في اشتراط جريان البراءة العقلية بالفحص هذا بالنسبة الى الشبهة الحكمية كما لو شك في حرمة شرب التتن مثلا و أما في الشبهة الموضوعية كما لو شك في مائع انه خمر أو ماء فهل يمكن الاخذ بقاعدة قبح العقاب أم لا؟ الظاهر هو الثاني اذ المفروض ان الشارع الاقدس بين حرمة الخمر و ليس حرمته مخصوصة بمن يكون عالما بالموضوع فكيف يمكن اجراء قاعدة القبح مع العلم بالبيان.
و ان شئت قلت: مع احتمال كونه خمرا يحتمل كون حكمه مبينا و مع احتمال البيان كيف يمكن جريان قاعدة القبح فانه مرّ آنفا ان ترتب التالي متفرع على تحقق المقدم و المقدم في هذه القضية احراز عدم البيان.
الموضع الثالث في البراءة الشرعية و لا اشكال في جريانها في الشبهات الموضوعية بلا فحص فان النصوص الواردة بنحو العموم و الخصوص دالة على المدعى مضافا الى السيرة الجارية القطعية بين المتشرعة فانه لا اشكال في جواز شرب مائع يشك في نجاسته كما انه لا اشكال في عدم وجوب رد السلام فيما لو شك في أن ما تكلم به الغير كان تحية أو غيرها و هكذا و هكذا و أما في الشبهة الحكمية فقد استدل على وجوب الفحص فيها بوجوه:
الوجه الاول: الاجماع. و فيه انه محتمل المدرك ان لم يكن مقطوعا به فلا يترتب اثر عليه.
الوجه الثاني: العلم الاجمالي بجملة من التكاليف في الواقع
و مع العلم الاجمالي لا مجال لجريان الاصل في أطرافه فان العلم الاجمالي منجز كما هو المقرر.
و أورد عليه صاحب الكفاية بأنه لو كان المانع عن الجريان العلم الاجمالي كان اللازم جريان الاصل قبل الفحص بعد انحلال العلم الاجمالي و الحال ان الاصل لا يجري قبل الفحص حتى بعد الانحلال فلا بد من كون الوجه في المنع أمر آخر.
و أورد الميرزا على صاحب الكفاية بأن العلم الاجمالي ذو علامة و هو كون المعلوم بالاجمال في الكتب المعتبرة و مع كونه ذا علامة لا ينحل العلم الاجمالي نعم لو لم يكن ذا علامة و ظفر بمقدار معلوم و شك في الزائد يجري الاصل في الزائد و أما مع العلامة فلا مثلا لو علم زيد اجمالا بكونه مديونا و دينه مكتوب في الدفتر فهل يمكن جريان الاصل عن الزائد قبل مراجعته الدفتر كلا.
و يتضح المدعى بأن نقول ان السبب لحصول العلم الاجمالي احد امور ثلاثة: الاول العلم بوجود الشرع و الشريعة الثاني: مطابقة جملة من الامارات مع الواقع الثالث: العلم بصدور جملة من الاخبار الموجودة في الكتب الاربعة و العلم الاجمالي الاول ينحل بالعلم الاجمالي الثاني و ينحل الثاني بالثالث فاللازم مراجعة الكتب الاربعة و بعد الظفر بالمقدار المعلوم ينحل العلم الاجمالي فيمكن جريان الاصل فيما لو شك في التكليف.
و أورد عليه سيدنا الاستاد(قدس سره)اولا بأن كون ذي العلامة مانعا عن الانحلال على القول به انما يكون كذلك فيما لا يكون بنفسه مرددا بين الاقل و الاكثر كما لو علم بأن اناء زيد نجسا و علمنا ايضا بنجاسة اناء بين جملة من الاواني فيمكن أن يقال انه لو شخص الاناء النجس لا ينحل العلم الاجمالي و أما لو تردد الاناء النجس لزيد