الموضوعات كلها شرائط للاحكام و العلم بالشرط يوجب العلم بالمشروط و العلم بهذه الاحكام المترتبة على موضوعاتها حاصلة من القواعد الاصولية، فالنتيجة ان بحث القطع خارج عن علم الاصول و صفوة القول: ان القطع بالموضوعات يوجب تطبيق الكبريات على صغرياتها و تلك الكبريات مستفادة من المسائل الاصولية.
الامر الثاني: [ان بحث القطع أشبه بمسائل الكلام]
ان بحث القطع أشبه بمسائل الكلام فان بحث الكلام متعلق بالمبدإ و المعاد هذا من ناحية، و من ناحية اخرى نبحث في مبحث القطع في كونه حجة ذاتا فيحصل به التنجيز و التعذير فيصح أن يقال انه يستحق العبد العقاب و الثواب بالقطع و البحث عن الثواب و العقاب بحث كلامي و ان شئت قلت ان البحث في القطع عن حسن الثواب و العقاب و البحث عن التحسين و التقبيح بحث كلامي.
الامر الثالث: [ان البحث عن القطع مناسب مع البحث الاصولى]
ان البحث عن القطع مناسب مع البحث الاصولى و الوجه فيه ان النتيجة في البحث الاصولي استنباط الحكم الشرعي فالقطع بالحكم الشرعي نتيجة البحث الاصولي.
فصل: [المراد من المكلف]
قال الشيخ الانصارى(قدس سره)في رسائله «فاعلم ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعي فاما أن يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن، فان حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل و تسمى بالاصول العملية» الى آخر كلامه رفع في علو مقامه.
و وقع كلام الشيخ(قدس سره)مورد الانظار و قد بحثوا فيه من جهات:
الجهة الاولى: في أن المكلف الواقع في عبارته ان كان المراد منه المكلف الفعلي ينافيه قوله بعده، «اذا التفت» فان الالتفات مقوم للتكليف فيكون المراد من المكلف الشأني لا من يكون مكلفا
بالفعل، و صاحب الكفاية غير عنوان المكلف بعنوان البالغ العاقل، بتقريب ان المكلف الفعلي لا يشمل من كان جاهلا بالحكم الواقعي و يكون في حال يجري في حقه أصل البراءة.
و فيه: ان الجهل بالواقع لا يقتضي عدم كون المكلف مكلفا بذلك التكليف، و بعبارة اخرى: الحكم الواقعي محفوظ حال الجهل فالمكلف مكلف بالتكليف الواقعي مع جهله غاية الامر ربما لا يكون منجزا في حقه.
الجهة الثانية: في بيان المراد من المكلف و انه خصوص المجتهد أو الاعم منه و من المقلّد، اختار سيدنا الاستاد الثاني و قال: لا يختص الاقسام المذكورة في كلام الشيخ و الاحكام المترتبة عليها بالمجتهد بل يعمّ المقلّد و أفاد انه يتوقف توضيح المدعى على التكلم في مقامات ثلاثة:
المقام الاول: ان المجتهد اذا التفت الى حكم شرعي بالنسبة الى حكم نفسه فاما يحصل له القطع بالحكم و اما يحصل له طريق معتبر و اما لا هذا و لا ذاك فعلى الاول يعمل على طبق قطعه و على الثاني يعمل على طبق ذلك الطريق و على الثالث يعمل على طبق الاصول العملية بلا فرق في ذلك بين الحكم الواقعي و الظاهري.
المقام الثاني: ان المقلّد كالمجتهد فتارة يقطع بالحكم الشرعي فيعمل به و اخرى يقوم عنده طريق معتبر اي فتوى المجتهد فيعمل به و ثالثة لا هذا و ذاك ففي هذه الصورة يعمل على طبق الاصول العملية و يجري ما ذكر بالنسبة الى الحكم الظاهري ايضا فان المقلّد تارة يقطع بفتوى المجتهد و اخرى يقوم له طريق الى الفتوى كقول عدلين و ثالثة لا هذا و لا ذاك فيعمل على طبق الاصول و الحاصل انه
لا فرق بين المجتهد و المقلّد نعم طريق المقلّد الى الحكم الشرعي فتوى مجتهده.
المقام الثالث: ان المجتهد بالنسبة الى احكام غيره من مقلديه تارة يحصل له القطع بالحكم الشرعي أو يقوم عنده طريق معتبر فيفتي على طبق القطع أو الطريق و اخرى لا هذا و لا ذاك فيفتي على طبق الاصول العملية.
و ربما يشكل: بأن جريان الاصل لا مجال له لان المفروض ان المجتهد ليس مكلفا فمن يجري الاصل لا يكون مكلفا و من يكون مكلفا اي المقلّد لا يجرى الاصل. و اجاب عن الاشكال الشيخ الانصاري بأن المجتهد نائب عن المقلّد.
و يرد عليه: انه لا دليل على الاصل النيابى و الاصل النيابي لا أصل له.
و الحق ان يقال: تارة يكون الحكم مورد التفات المقلّد و يشك فيه و المجتهد حيث يرى ان مقتضى ادلة الاستصحاب ابقاء ما كان على ما كان يفتي بمفاد تلك الادلة و المقلّد يستصحب و يمكن للمجتهد في الفرض المذكوران يستصحب الحكم بلحاظ يقينه السابق و شكه اللاحق حيث يعلم بكون الحكم كذلك سابقا و يشك في بقائه و يفتي على طبقه و المقلّد يرجع اليه من باب رجوع الجاهل الى العالم و اخرى لا يكون المقلّد ملتفتا و في هذه الصورة يفتي المجتهد على طبق ما استفاد من الادلة و المقلّد يرجع اليه هذا ملخص ما أفاده في المقام على ما في تقرير مقرره.
و الذي يختلج بالبال أن يقال: تارة يتكلم في الشبهة الحكمية و اخرى في الشبهة الموضوعية، أما الشبهات الحكمة فالميزان شك المجتهد مثلا المجتهد يشك في بقاء وجوب صلاة الجمعة بعد انقضاء زمان الحضور فيستصحب الوجوب و يفتي على
طبق الاستصحاب بوجوبها، أو يشك في حرمة شرب التتن فيفتي بحليته بمقتضى قاعدة الحل و هكذا و هكذا، و بعبارة اخرى يستفيد الاحكام الشرعية من ادلتها و يبين تلك الاحكام للناس.
و أما في الشبهات الموضوعية فالميزان بشك المكلف و لا اشكال فيه و لذا يبين المجتهد للمقلّد بأنه ان كان عالما بالطهارة ثم شك في بقائها يستصحب الطهارة السابقة و لا بد في جريان الاستصحاب للمقلّد أن يحصل له الشك و اليقين و مما ذكر ظهر الجواب عن الاشكال الوارد في البراءة العقلية و أمثالها و هو ان قبح العقاب بلا بيان انما يجري في حق من يفحص عن الدليل و لا يجده و المقلد عاجز عن الفحص فكيف يتمسك بالقاعدة.
و الجواب: ان المجتهد يدرك عقله قبح العقاب عند عدم البيان فيفتي بان الدعاء عند رؤية الهلال غير واجب و هكذا.
الجهة الثالثة: في تثليث الاقسام الذي صنعه الشيخ(قدس سره)فانه جعل اقسام المكلف ثلاثة بقوله: «اما أن يحصل له القطع أو الظن أو الشك».
و أورد عليه صاحب الكفاية بأن اللازم جعل الاقسام ثنائيا بأن نقول البالغ الذي وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلي واقعي أو ظاهري فاما أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني لا بد من انتهائه الى ما استقل به عقله من اتباع الظن لو حصل و تمت مقدمات الانسداد على الحكومة و إلّا فالرجوع الى الاصول العقلية، و أفاد في وجه العدول انه لا فرق في أحكام القطع بين تعلقه بالحكم الواقعي و بين تعلقه بالحكم الظاهري، و الوجه في تخصيص الحكم بالفعلي عدم الاثر لو تعلق القطع بالحكم الانشائي و قال: و ان ابيت الا عن تثليث الاقسام فالاولى أن يقال: ان المكلف اما أن يحصل له القطع
أو لا، و على الثاني اما يقوم عنده الطريق المعتبر أولا، لان لا يتداخل الاقسام، و الوجه في التداخل ان الشيخ جعل مدار الرجوع الى الامارات الظن و مدار الرجوع الى الاصول الشك و الحال ان الامر ليس كذلك فان من قام عنده الامارة لا بد من العمل بها و لو كان شاكا و من لم يقم عنده لا بد من العمل بالاصول و لو كان ظانا فيلزم التداخل في الاقسام.
و أورد عليه سيدنا الاستاد و قال: «الانسب بمباحث الاصول ما صنعه الشيخ لان الغرض عن علم الاصول تحصيل المؤمن فالمؤمن الاول القطع فينبغي البحث عنه و لو استطرادا و المؤمن الثاني الامارة المعتبرة فلا بد من البحث عنها في باب آخر و المؤمن الثالث الاصول العملية شرعية أو عقلية فلا بد من تثليث الاقسام و البحث في مقامات ثلاثة، و ما صنعه صاحب الكفاية يناسب أن يبحث عن القطع بالحكم الواقعي أو الظاهري في باب و البحث عن الظن الانسدادي على الحكومة و الاصول العملية العقلية في باب آخر فلا يبقى مجال للبحث عن الامارات و الاصول العملية، الشرعية مضافا الى ان ما أفاده من جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي و الظاهري غير مناسب لان مرتبة الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي فيلزم ان يكون ما في الطول في العرض، و بعبارة اخرى يلزم الجمع بين العلم بالحكم الواقعي و عدم العلم به.
و أما ما أورده على الشيخ من تداخل الاقسام فيرد عليه ان مراد الشيخ من الظن الامارة المعتبرة و ان لم يكن المكلف ظانا، و المراد من الشك عدم وجود امارة و ان كان المكلف ظانا فلا يرد عليه الاشكال بلزوم التداخل».
و يرد عليه اولا انه لو كان الغرض من علم الاصول تحصيل المؤمن
فكيف يكون البحث عن القطع استطراديا فانه جمع بين المتنافيين و بعبارة اخرى على هذا يكون البحث عن القطع بحثا عن المسألة الاصولية.
و ثانيا: ان ما أفاده من ان ما صنعه صاحب الكفاية من جعل الاقسام ثنائيا يستلزم أن لا يبقى مجال للبحث عن الامارات و الاصول الشرعية غريب لان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي و الظاهري فيدخل في هذا القسم مباحث القطع و الامارات و الاصول الشرعية لان القطع اما يتعلق بالحكم الواقعي و اما يتعلق بالحكم الظاهري و على الثاني تارة يكون الحكم الظاهرى المتعلق للقطع مفاد الامارة و اخرى يكون متعلقه مفاد الاصل و لا يكاد ينقضي تعجبي كيف أورد عليه بهذا الايراد الذي يكون عدم وروده أوضح من ان يخفى، سيما عن سيدنا الاستاد الذي اشتهر في الآفاق و يشار اليه بالبنان و لكن العصمة مخصوصة باهلها و لعله دام ظله ناظر الى نكتة لم افهمها و انا معترف بقصوري و قلة بضاعتي.
و يرد عليه ثالثا: ان صاحب الكفاية جعل متعلق القطع أعم من الحكم الواقعي فيبحث في هذا الفصل عن القطع و عن الامارات و الاصول الشرعية و بعبارة اخرى: يبحث عن الطريق الوجداني و التعبدي و عن الوظيفة المقررة و لا يلزم من كلام صاحب الكفاية الجمع بين العلم بالحكم الواقعي و عدمه بل لازم كلامه أن يبحث عن القطع المتعلق بالحكم غاية الامر تارة يتعلق القطع بالحكم الواقعي فلا مجال للظاهري و اخرى يكون الواقع مجهولا و متعلق القطع حكم ظاهري فالمرتبة محفوظة بلا اشكال، و أما ما أفاده من أن مراد الشيخ من الظن الامارات و من الشك الاصول فهذا خلاف الظاهر، و الميزان في الافادة و الاستفادة الظهورات العرفية و لكن الذي يهون الخطب ان
هذا البحث لا يترتب عليه اثر عملي و لذا لا يناسب الاطالة فانها بلا طائل.
فصل: [العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع]
قد ذكر صاحب الكفاية في المقام امورا:الاول:ان العقل حاكم بوجوب العمل بالقطع و يستحق المكلف العقاب على مخالفته و بعبارة اخرى بعد كونه كاشفا عن الواقع لو تعلق القطع بحكم الزامي يرى العقل جواز العقاب على مخالفته فيلزم المكلف بالاطاعة بمقتضى قاعدة دفع الضرر المحتمل.
و الظاهر ان ما أفاده تام غير قابل للانكار فانه من الواضحات الاولية أي كون القطع كاشفا من الواضحات فاذا حصل القطع بالوجوب أو الحرمة العقل يلزم المكلف بالامتثال في الاول و الانزجار في الثاني و يدرك صحة العقوبة على المخالفة و وجه الزامه دفع الضرر المحتمل فلاحظ.
الثاني:ان كاشفية القطع أمر ذاتي للقطع و غير قابلة للجعل التأليفي فان الجعل التأليفي يتوقف على قابلية الانفكاك بين المحمول و الموضوع كعلم زيد و شجاعته و امثالهما و أما المحمولات التي تكون ذاتية لموضوعاتها و غير قابلة للانفكاك فلا يتصور فيها الجعل التأليفي بل الجعل فيها بالعرض و بالتبع أي جعلها تابع لجعل الموضوع و بعبارة واضحة: لا يمكن تعلق الجعل بلوازم الذات الا بالتبع و بالعرض.
الثالث:انه مع القطع بالحكم و كونه كاشفا منجزا لا يمكن المنع عن تأثيره اذ لا يعقل أن لا يكون مؤثرا و بعبارة اخرى لا يمكن سلب الذاتي عن الذات و ان شئت قلت: كما انه لا يمكن الجعل التأليفي في الذاتيات كذلك لا يمكن سلبها.
الرابع:انه في صورة المنع يلزم التناقض واقعا في صورة
الاصابة و اعتقادا في صورة عدم الاصابة و يرد عليه: انه لا يتصور التناقض في الاحكام لان الحكم من مقولة الاعتباريات و من الظاهر ان الاعتبار خفيف المئونة فاذا أمر المولى بشيء و نهى عنه في زمان واحد لا يلزم التناقض نعم هو أمر لا يصدر عن الحكيم لكونه خلاف الحكمة.
الخامس:ان الحكم ما لم يصل الى مرتبة البعث و الزجر لم يصر فعليا و ما لم يصر فعليا لم يصل الى مرحلة التنجّز و لا يوجب مخالفته العقاب و ان كان ربما توجب موافقته ترتب الثواب و كان الحكم في الفرض المذكور مما سكت اللّه عنه كما في الخبر[1].
و الحق أن يقال ان الحكم تارة يكون فعليا و لا يكون منجزا اذا كان المكلّف معذورا كما لو فحص و لم يجد دليلا عليه و تمت في حقه اصالة الاباحة و بعبارة واضحة: ان المولى اذا تمت عنده مقدمات الحكم يعتبر الفعل في ذمة المكلّف و يحكم بعد هذه المرحلة و اذا لم يكن المكلّف معذورا يصير ذلك الحكم منجزا في حقه و إلّا فلا، لكن مع عدم كونه منجزا يكون فعليا و واصلا الى مرحلة البعث و الزجر و لذا يكون الاحتياط حسنا و لا يكون مخالفته موجبا للعقاب كما أفاد صاحب الكفاية و أما الثواب فدائمي فان الاتيان بما يحتمل كونه محبوبا للمولى و مأمورا به من قبله يوجب استحقاق الثواب لكونه عبدا منقادا و مستحقا للمثوبة و استحقاقه لها يكون دائميا لا احيانا فالتعبير بقوله «ربما» لا يكون في محله و أما الاشكال المشهور في الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري فنتعرض له و لجوابه في محله إن شاء اللّه تعالى فانتظر.
الكلام فى التجرى:
يقع الكلام في التجري من جهات:
[1]الوسائل الباب 12 من أبواب صفات القاضى الحديث: 12.