و يرد على هذا التقريب: ان ذكر الوصف و ان كان موجبا لاختصاص الحكم بمورد يكون المخبر فاسقا لكن لا مفهوم للقضية و على الجملة قد ثبت في بحث المفاهيم ان الوصف لا مفهوم له سيما اذا لم يكن معتمدا كما انه كذلك في الآية الشريفة و ان شئت قلت: ان الوصف و ان كان مشعرا بالعلية لكن يمكن أن يكون شيء آخر ايضا علة و ببيان واضح لا دليل على العلية المنحصرة مثلا اذا قال المولى اكرم العالم يستفاد من كلامه ان العلم مناط الاكرام لكن لا يستفاد من كلامه الانحصار بحيث لو قام دليل على وجوب اكرام العادل يقع التعارض بين الدليلين.
ان قلت: فما وجه ذكر الفاسق و تعليق الحكم عليه.
قلت: يفهم من هذا التعليق ان الفاسق ساقط عن درجة الاعتبار و لا يعتد بخبره مضافا الى أنه اعلام بكون الوليد فاسقا غير لائق لان يرتب اثر على اخباره و على الجملة لا اشكال في أن ذكر عنوان الفاسق لا يكون لغوا بل فيه عناية و لكن مجرّد العناية في ذكر الوصف لا يستلزم المفهوم.
التقريب الثاني:
ان لخبر الفاسق جهتين احداهما ذاتية و الاخرى عرضية أما الذاتية فكونه خبرا واحدا و أما العرضية فكونه خبر الفاسق و علل التبين بالجهة العرضية فيعلم ان العلة للحكم هي الجهة العرضية اي كون المخبر فاسقا اذ لو كان الملاك الجهة الذاتية لما عدل عنها الى العرضية فانه خلاف طريق المحاورة العرفية فتكون النتيجة ان العلة للحكم فسق المخبر فان لم يكن فاسقا لا يجب التبين و بعبارة واضحة ان مقتضى هذا التقريب ان المستفاد من الآية الشريفة ان علة وجوب التبين كون الخبر صادرا من الفاسق لا أنه خبر واحد، فالمتحصل ان الخبر على قسمين احدهما ما يكون
مخبره فاسقا، ثانيهما ما لا يكون مخبره فاسقا و القسم الاول لا يكون معتبرا و لا يعتد به و أما القسم الثاني فهو معتبر و يعتد به.
و يرد عليه اولا: ان ما ذكر في التقريب ليس تاما فانه يمكن العدول في مقام التعليل عن الجهة الذاتية الى الجهة العرضية لنكتة، مثلا في المقام يمكن أن يكون الوجه في التعليل بالفسق الاعلام بأن الوليد فاسق غير قابل للاعتماد على قوله و يمكن أن تكون الجهة العرضية أشدّ تأثيرا من العلة الذاتية فان الانسان اذا كان فاسقا و لا يكون على الطريق المستقيم فاحتمال كون خبره كذبا أقوى و على الجملة التقريب المذكور لا يكون تاما فلا يترتب عليه الاثر المرغوب فيه.
و ثانيا: انه لو قلنا و التزمنا بمفهوم الوصف في المقام يلزم أن يكون خبر غير الفاسق حجة و لو لم يكن عادلا كما لو كان المخبر في اول بلوغه و لم يرتكب ذنبا كى يصدق عليه عنوان الفاسق و كما لو كان المخبر مجنونا أو صبيا و هل يمكن الالتزام به؟ اللهم إلّا أن يقال على فرض الالتزام بالمفهوم يمكن تقييد اطلاق المفهوم فهذا الايراد غير وارد على التقريب المذكور.
و ثالثا: ان التقريب المذكور غايته أن يستفاد من الآية ان العلة لوجوب التبين فسق المخبر و لكن لا يتم المدعى الا بكون العلة منحصرة و لا يكون شيء آخر علة و الانحصار لا يستفاد من الآية فلاحظ.
التقريب الثالث:
للاستدلال بالآية على المدعى بمفهوم الشرط و هو ان وجوب التبين قد علق على مجيء الفاسق بالخبر و قد حقق في بحث المفاهيم ان الشرط ظاهر في المفهوم فبمقتضى مفهوم الشرط يستفاد من الآية الشريفة اختصاص التبين بخبر الفاسق.
و قد وردت على الاستدلال بالآية على المدعى وجوه من الاشكال:
بعضها راجع الى ناحية المقتضي و بعضها الآخر راجع الى ناحية المانع بعد تسلم الاقتضاء. أما ما يرجع الى ناحية الاقتضاء فهو ان الشرطية التي سيقت لبيان الموضوع لا مفهوم لها فلو قال المولى «ان رزقت ولدا فاختنه او ان ركب الامير فخذ ركابه» لا يستفاد منه المفهوم فان الختان عند انتفاء الولد منتف بانتفاء موضوعه كما ان اخذ الركاب عند انتفاء الركوب منتف بانتفاء موضوعه و الآية الشريفة كذلك فان التبين عند انتفاء النبأ منتف بانتفاء موضوعه فلا مجال للمفهوم.
و اورد على الاشكال المذكور: بأن الموضوع في القضية هو النبأ و مجىء الفاسق به شرط للتبين فلا تكون القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع. توضيح المدعي: انه قد يكون التعليق عقليا كقوله «ان رزقت ولدا فاختنه» فلولا رزق الولد لا يمكن الختان ففي مثله لا مفهوم للشرطية و نقول مثل هذه الشرطية سيق لبيان الموضوع و تارة يكون التعليق مولويا كما لو قال المولى «ان جاءك زيد اكرمه» فان اكرام زيد يمكن و لو مع عدم مجيئه فتعليق وجوب اكرامه على مجيئه يدل على المفهوم هذه صورة وحدة الشرط و ربما يكون الشرط متعددا ففي صورة التعدد تارة يكون كل من الشرطين من قبيل تحقق الموضوع كما لو قال المولى «ان رزقت ولدا و كان ذكرا فاختنه» و اخرى يكون التعليق في كل واحد من الشرطين مولويا كما لو قال المولى «ان جاءك زيد و كان ذاكرا لله تعالى فاكرمه» و ثالثة يكون احدهما مسوقا لبيان الموضوع و ثانيهما يكون تعليقه مولويا كما لو قال المولى «ان ركب الامير و كان قارئا للقرآن فخذ ركابه». فان كانت الشرطية من القسم الاول لا يكون لها مفهوم اصلا و ان كانت من القسم الثاني كان لها مفهوم بالنسبة الى كل واحد من
الشرطين اي ينتفي الجزاء بانتفاء كل من الشرطين و ان كانت من القسم الثالث لا يكون لها مفهوم بالنسبة الى احد الشرطين و له المفهوم بالنسبة الى الشرط الآخر و بعد ذلك نقول الآية الشريفة من القسم الثالث فان مفاد الآية ينحل الى تعدد الشرط احدهما مجيء الخبر و التعليق عليه عقلي، ثانيهما كون الجائي به فاسقا و هذا التعليق مولوي فعلى مقتضى التفصيل المتقدم يكون للقضية المفهوم بانتفاء الشرط الثاني و هذا هو المقصود.
ان قلت: لا بد من أن يكون المراد بالنبإ خصوص نبأ الفاسق لا طبيعي النبأ و إلّا يلزم بعد مجيء الفاسق بالنبإ يكون التبين واجبا عن كل نبأ حتى عن نبأ العادل و هذا مقطوع الخلاف فيلزم أن يكون المراد بالنبإ الذي يكون التبين فيه واجبا خصوص نبأ الفاسق فتكون الشرطية مسوقة لبيان الموضوع فلا مفهوم لها.
قلت: القيود الواقعة في الكلام اما راجعة الى الموضوع و اما راجعة الى الحكم أما ان كانت راجعة الى الموضوع فيكون الحكم مختصا بالمقيد كما هو ظاهر و أما ان كانت راجعة الى الحكم فلا بد من تقييد الموضوع ايضا اذ لا يعقل ترتب الحكم المقيد على الموضوع المطلق، و بعبارة اخرى: القيود الواقعة في القضية تقيد الموضوع لا محالة ففي الآية الشريفة الواجب التبين عن خصوص نبأ الفاسق لا مطلق النبأ و للمناقشة في هذه المقالة مجال اذ لا مانع عن كون الحكم مقيدا مع كون الموضوع مطلقا فانه لا مانع عن كون وجوب التبين مقيدا بمجيء الفاسق بالنبإ و لكن موضوع التبين يكون مطلق النبأ و بعبارة اخرى لا نرى مانعا من أن يصرح المولى بأنه ان جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا عن مطلق النبأ فما افيد في التقريب غير تام.
نعم الحق أن يقال ان الظاهر من القضية اختصاص الحكم بخصوص الموضوع المقيد مثلا اذا قال المولى اذا بلغ الماء قدر كر لا ينجسه شيء يفهم عرفا ان الماء الذي لا ينفعل خصوص البالغ قدر كر لا كل ماء.
اذا عرفت ما تقدم، نقول الظهور العرفي حجة و الظاهر من الآية الشريفة كونها مسوقة لبيان الموضوع فان ارجاع الآية الى قوله النبأ ان جاء به الفاسق فتبينوا و يكون مفهومه ان الجائي لو لم يكن فاسقا لا يجب التبين خلاف الظاهر لا يصار اليه بلا دليل و ان أبيت عمّا ذكر فلا اقل من احتمال كون القضية مسوقة لبيان الموضوع و بعبارة اخرى: نلتزم بعدم الظهور في احد الطرفين فتكون النتيجة عدم اثبات المفهوم و ان شئت قلت اذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال و حيث انه يحتمل كون القضية مسوقة لبيان الموضوع لا مجال لاستفادة المفهوم.
ان قلت: نفرض كون القضية مسوقة لبيان الموضوع لكن نقول يستفاد الحصر من الآية فبمفهوم الحصر نحكم باختصاص وجوب التبين بخصوص خبر الفاسق و أما غيره فلا.
قلت: تمام الاشكال في استفادة الحصر فان الشرطية لو كانت مسوقة لبيان الموضوع لا يكون طريق لاستفادة الحصر و بعبارة واضحة: ثبوت حكم لموضوع لا ينافي ثبوت مثله لموضوع آخر و المعروف ان اثبات الشيء لا ينفي ما عداه فلاحظ، هذا تمام الكلام بالنسبة الى مقام الاقتضاء.
و أما من ناحية المانع فقد ذكرت وجوه من الاشكال:
[الاشكالات الواردة على الاستدلال بالآية]
الاشكال الاول:
انه مع تسليم المفهوم للآية لا بد من رفع اليد
عنه للتعليل الوارد فيها و هو قوله تعالى«أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ»فان المراد من التعليل ان العمل بقول الفاسق معرض للوقوع في المفسدة فيوجب الندم و هذه العلة مشتركة بين خبر الفاسق و خبر العادل فان العادل و ان كان متحرزا عن الكذب لكن احتمال الغفلة و الاشتباه موجود في خبره فيكون العمل بخبره ايضا معرضا للوقوع في المفسدة و موجبا للندم فالآية و ان كانت ظاهرة في المفهوم لكن لا بد من رفع اليد عن ظهورها بعموم التعليل المستفاد من العلة الواقعة فيها.
و اورد على الاشكال المذكور: ان هذا الاشكال مبني على كون الجهالة بمعنى عدم العلم و الحال ان الجهالة تارة يراد منها عدم العلم و اخرى يراد منها السفاهة فاذا كان المراد منها في الآية السفاهة لا يكون العمل بقول العادل سفاهة اذ العقلاء يعملون بقول العادل و يفرقون في أعمالهم بين العادل و الفاسق من هذه الجهة اي يعملون بقول العادل و لا يرون العمل بقوله امرا سفهائيا.
ان قلت: اذا كان العمل بقول الفاسق سفاهة فكيف عمل بقوله.
قلت: يمكن أن يكون العاملون بقوله لم يكونوا عالمين بفسقه أو كانوا عالمين به و لكن غفلوا عن كونه فاسقا و يمكن انه كانت هناك مصلحة مقتضية للعمل بقوله كى تنزل الآية و يعلم الناس بكون الوليد فاسقا و بما ذكر يظهر الجواب عن الايراد بأن النبي(صلى اللّه عليه و آله)كيف يمكن أن يغفل أو ينسى و الحال انه معصوم و اذهب اللّه عنه الرجس و طهره تطهيرا فانه يمكن ان النبي(صلى اللّه عليه و آله)لم يكن مريدا لان يعلم بحال الوليد كما انه يمكن ان المصلحة أوجبت أن يتجاهل كى تنزل الآية الشريفة و يعلم فسق الوليد و ينهى عن العمل بقول الفاسق و تعلم حجية قول العادل هذا اولا.
و ثانيا: سلمنا ان الجهالة بمعنى عدم العلم لكن مع ذلك لا يكون التعليل مانعا عن المفهوم لانه اذا ثبت كون خبر العادل حجة لا يكون العمل بقوله جهالة و مع وجود خبر العادل يكون الطريق العلمي موجودا و يرتفع الجهل به و بعبارة اخرى: يكون خبر العادل خارجا عن عموم التعليل موضوعا و يكون المفهوم حاكما على عموم التعليل لانه يتصرف في موضوعه فان موضوعه الجهل و الحال ان مقتضى المفهوم ان خبر العادل علم تعبدا و على الجملة لو لم يكن المفهوم حاكما على عموم العلة كان عموم العلة مانعة عن المفهوم و لكن حيث ان المفهوم حاكم على عموم العلة فلا تصل النوبة الى المعارضة و ان شئت قلت ان المفهوم يتصرف في موضوع العموم.
ان قلت: سلمنا ما ذكر لكن ذيل الآية يقتضي عدم الفرق بين خبر العادل و الفاسق فان قوله تعالى«فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»يقتضي عدم الفرق اذ العمل بقول العادل ايضا يمكن أن يكون موجبا للندامة فلا فرق بين المقامين.
قلت: الانسان اذا عمل بما هو وظيفته لا يكون نادما و على فرض الندامة لا يكون ملوما لا عند العقلاء و لا عند الشارع و من الظاهر ان العمل بقول العادل بعد قيام الدليل على كون خبره علما لا يكون موجبا للايراد و الاشكال و يكون العامل به عاملا بالوظيفة و العامل بالوظيفة لا يكون ملوما و لا يكون مستحقا للعقوبة.
ان قلت: الحكومة لا تتصور في المقام لان الحكومة عبارة عن نفي الحكم بلسان نفي الموضوع كما في قوله لا ربا بين الوالد و الولد فان الربا حرام بادلته و نفي الربا بين الوالد و الولد ينفي الحرمة بلسان نفي الموضوع اي لا يحرم الربا اذا كان بين الوالد و الولد أو اثبات الحكم بلسان اثبات الموضوع كما في قوله(عليه السلام)
الفقاع خمر فانه يثبت الحرمة الثابتة بدليلها للفقاع و على الجملة:
لا بد في الحكومة أن يكون لسان الحاكم نفي الحكم بلسان نفي الموضوع أو اثبات الحكم بلسان اثبات الموضوع، و أما اذا كان لسان الدليل من أول الامر نفي الحكم فلا يكون حاكما مثلا لو ورد الدليل بلسان انه لا يحرم الربا بين الوالد و الولد لا يكون حاكما بل يكون مخصصا لدليل حرمة الربا و حيث ان المقام ليس كذلك فيكون مفاد المفهوم مخصصا لعموم العلة و المفروض ان ظهور العلة في معناها أظهر من ظهور المفهوم في المراد مضافا الى أن العموم المستفاد من العلة عموم يأبى عن التخصيص فانه كيف يمكن أن يقول الشارع الاقدس تبينوا عن الخبر لان العمل بالخبر بلا تبين سفاهة و يمكن اصابة القوم و يمكن ان يوجب الندم إلّا اذا كان الجائي بالخبر عادلا.
قلت: الحكومة على نحوين: احدهما: يكون بلحاظ الآثار المترتبة على المحكوم كما في المثالين المتقدمين و امثالهما و في هذا النحو لا تعقل الحكومة إلّا بلحاظ اثبات الاثر أو نفي الاثر فان الربا الواقع بين الوالد و الولد لا معنى لنفيه إلّا بلحاظ نفي أثره و كذا اثبات كون الفقاع خمرا لا يمكن إلّا بلحاظ اثبات الحرمة.
ثانيهما: ما يمكن فيه الحكومة بلا لحاظ الاثر الشرعي كالمقام فان قول العادل يمكن اعتباره علما بلا نظر الى الآثار الشرعية بل يكون بلحاظ الاثر العقلي اى التنجيز و التعذير و بعبارة واضحة تارة لا يمكن الحكومة إلّا بلحاظ الاثر الشرعي كما في قول القائل ولد العالم عالم أو قوله الطواف بالبيت صلاة و اخرى يمكن الحكومة بلا توجه الى الاثر الشرعي و المقام كذلك و بعبارة واضحة لا يمكن جعل خبر العادل علما بلحاظ اثر العلم و هو عدم وجوب التبين اذ