و استمراره كليهما مستفادان من قوله تعالى«أَوْفُوا بِالْعُقُودِ».
فانه ان كان من القسم الاول يتم ما أفاده صاحب الكفاية اذ يمكن أن يقال انه كان التخصيص من الاول و بعد ذلك ثبت الحكم في الجملة و استمر بالدليل الخارجي و أما اذا كان التخصيص من الوسط فانقطع الاستمرار فلا دليل بعد ذلك يدل على شمول الحكم في مورد التخصيص.
و أما اذا كان كلا الامرين مستفادين من نفس الدليل كما يستفاد اللزوم و استمراره من وجوب الوفاء بالعقد فلا فرق بين كون التخصيص من الاول أو من الوسط اذ بعد فرض الانقطاع لا دليل على اللزوم».
و ما أفاده في مقام الايراد على الشيخ و صاحب الكفاية متين.
اذا عرفت ما تقدم فاعلم انه لا فرق بين العام الاستغراقي و العام المجموعي فكما ان العام الاستغراقي اذا خصّص و خرج فرد عن تحت العموم يكون حجة في باقي الافراد كذلك الامر في العام المجموعي.
مثلا لو قال المولى اكرم هؤلاء العشرة و بعد ذلك خرج واحد منها بدليل خارجي يكون حكم المولى نافذا في البقية و على ذلك لو أمر المولى بالوفاء بعقد من العقود عشر سنوات و بعد ذلك خرج شهر بدليل يجب الوفاء بالعقد في بقية المدة.
فتحصل مما ذكرنا ان المرجع عند الشك في الاخذ بالعام أو استصحاب حكم المخصّص عموم العام بلا فرق بين كونه استغراقيا أو مجموعيا و بلا فرق بين أن يكون التخصيص من الاول أو من الوسط.
التنبيه الثامن عشر: [يعتبر في الاستصحاب اتحاد القضية]
انه يعتبر في جريان الاستصحاب اتحاد القضية موضوعا و محمولا في الحالتين و الوجه في الاشتراط المذكور انه لولاه لا يصدق رفع اليد عن الحالة السابقة نقضا لليقين بالشك و لا الجري العملي على طبق الحالة السابقة مضيا عليها.
مثلا لو علمنا بعدالة زيد سابقا و شككنا فيها لاحقا يكون الجري العملي على طبق عدالته مضيا على الحالة السابقة و عدم الجري على طبق عدالته يكون نقضا.
و اما لو شككنا في اجتهاده لا يكون الجري العملي على طبق اجتهاده جريا على طبق العلم بالعدالة كما ان عدم الجري على طبق اجتهاده لا يكون نقضا للحالة السابقة.
و ايضا لا يكون الجري على طبق عدالة بكر مضيا على الحالة السابقة و لا يكون عدم الجري على طبق عدالته نقضا عمليا للحالة السابقة فقوام الاستصحاب باتحاد القضية المتيقنة و المشكوك فيها موضوعا و محمولا.
اذا عرفت ما تقدم فاعلم ان المستصحب قد يكون من الموضوعات و قد يكون من الاحكام و على الاول قد يكون من المحمولات الاولية المعبر عنها بمفاد كان تامة أو ليس تامة و اخرى يكون من المحمولات الثانوية التي تعرض على الوجود.
و بعبارة واضحة: قد يكون المستصحب نفس الوجود و العدم و اخرى يكون أمرا عارضا على الوجود. فان كان من القسم الاول أي يكون محمولا اوليا كان موضوعه الماهية و لا يعقل في هذا القسم اعتبار وجود الموضوع اذ مع فرض العلم بوجود زيد مثلا لا يعقل
أن يشك في بقاء وجوده كما ان الأمر كذلك لو علم بعدمه فلا مجال للشك.
مضافا الى أنه لا يعقل عروض العدم على وجود زيد و إلّا يلزم اجتماع النقضين فلو شك في وجود زيد أو عدمه يكون الموضوع نفس الماهية.
و اما ان كان الشك في المحمول الثانوي كعدالة زيد مثلا فله اقسام:
القسم الاول ما يكون الشك في بقاء المحمول ناشيا عن الشك في بقاء الموضوع، و أما مع العلم ببقاء الموضوع فلا يشك في بقاء المحمول كما لو شك في بقاء عدالة زيد و يكون الشك في بقاء عدالته ناشيا عن الشك في بقائه أي بقاء زيد.
و في جريان الاستصحاب في هذا القسم اشكال و هو انه لا اشكال في بقاء العدالة مع وجود زيد فلا يجري الاستصحاب في العدالة لعدم الشك فيها مضافا الى عدم جريان الاستصحاب مع الشك في الموضوع.
و ايضا لا يجري الاستصحاب في بقاء زيد اذ المفروض ان المقصود التعبد بعدالته فاستصحاب بقائه بلا لحاظ عدالته غير مقصود و أما استصحاب بقائه لا ثبات عدالته فهو من صغريات الاصل المثبت الذي لا نقول به فما الحيلة و ما الوسيلة.
و يمكن دفع الاشكال باحد نحوين: احدهما: ان يجرى الاصل في الموضوع المقيد بهذا القيد بأن نقول زيد كان عادلا بالامس و نشك في بقائه متصفا بهذه الصفة و الاستصحاب يقتضي بقائه على ما كان فبالاستصحاب نحرز بقائه متصفا بالوصف المذكور أي يكون باقيا عادلا.
ثانيهما: أن يجرى الاصل تارة في الموضوع و اخرى في المحمول
نظير جريان الاصل في الموضوعات المركبة كما لو علم بأن الماء الفلاني مطلق و كر ثم شك في بقائه على الاطلاق و الكرية فلا مانع عن جريان الاصل في كل واحد من الوصفين و المقام كذلك.
و يرد عليه ان قياس المقام بذلك الباب مع الفارق اذ المفروض ان كل واحد من الاطلاق و الكرية عارض على الماء و المشكوك فيه بقاء و لا مانع عن جريان الاستصحاب في كل واحد منهما لتمامية اركانه بالنسبة الى كل منهما و أما العدالة في المقام فلا اشكال في بقائها على تقدير بقاء زيد.
و بعبارة اخرى: لا شك في بقائها من حيث عمود الزمان و انما الشك فيها من جهة الشك في بقاء موضوعها و المفروض ان جريان الاصل في موضوعها لا يقتضى اثباتها الا على القول بالمثبت الذي لا نقول به فلاحظ.
القسم الثاني: أن يشك في بقاء المحمول الثانوي و لا يكون الشك في بقائه ناشيا عن الشك في بقاء موضوعه كما لو شك في بقاء عدالة زيد مع العلم ببقائه و في هذه الصورة لا مانع عن جريان الاستصحاب في العدالة لتمامية اركانه.
فنقول لا اشكال في بقاء زيد في دائرة الوجود و أما عدالته فمورد الشك و مقتضى الاستصحاب بقائها.
القسم الثالث: ما يشك في بقاء كل واحد من المحمول الاولي و الثانوي كما لو علمنا بوجود زيد العادل في الخارج ثم شك في بقائه و بقاء عدالته و في هذه الصورة لا مانع عن جريان الاستصحاب بالتقريبين المتقدمين بأن نقول يمكن جريان الاستصحاب في الموضوع تارة و في المحمول اخرى و يمكن جريان الاستصحاب في
المقيد بما هو مقيد هذا تمام الكلام بالنسبة الى الشك في بقاء الموضوع.
و اما اذا شك في بقاء الحكم فتارة يكون الحكم المشكوك فيه حكما جزئيا و اخرى يكون كليا فيقع الكلام في موردين:
أما المورد الاول فنقول: الشك في بقاء الحكم الجزئي كالشك في طهارة الماء الفلاني أو نجاسة الجسم الكذائي و أمثالهما مسبب عن الشك في وجود الرافع هذا من ناحية. و من ناحية اخرى الاصل الجاري في السبب مقدم على الاصل الجاري في المسبب.
و عليه في مورد الشك في بقاء الحكم الجزئي لا تصل النوبة الى جريان الاصل في نفس الحكم بل الاصل يجري بالنسبة الى رافعه و يحكم بعدم الرافع باستصحاب عدمه و يترتب عليه الجزم ببقاء الحكم.
و لو وصلت النوبة الى جريان الاصل بالنسبة الى نفس الحكم لمانع عن جريانه بالنسبة الى المانع لا يجري الاستصحاب في نفس الحكم اذ استصحاب بقاء الحكم يعارضه أصل عدم كون الجعل طويلا.
و أما المورد الثاني فتارة يكون الشك في البقاء من ناحية احتمال النسخ و اخرى يكون من غير هذه الناحية أما الشك من ناحية النسخ فربما يقال: انه لا مجال للاستصحاب اذ النسخ بمعناه الحقيقي غير معقول بالنسبة الى ذاته تعالى فان البداء محال بالنسبة اليه تعالى و أما بمعنى الابداء فيكون الشك في الحدوث لا في البقاء فان كان لدليل الحكم اطلاق بالنسبة الى الازمنة المتأخرة يؤخذ به و إلّا تصل النوبة الى الاخذ بالدليل الخارجي الدال على الاستمرار و هو قوله(عليه السلام)حلاله حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة.
و يرد عليه ان النسخ تخصيص أزماني و التخصيص الازماني
كالتخصيص الافرادي جائز بالنسبة الى ذاته تعالى. و بعبارة اخرى:
النسخ بمعنى الابداء جائز بالنسبة اليه فلو شك في النسخ بهذا المعنى لا مانع عن الاخذ بالاستصحاب نعم لو تم قوله(عليه السلام)«حلال محمد حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة»[1].
من حيث السند لا تصل النوبة الى الاستصحاب.
الّا ان يقال ان الحديث الشريف ناظر الى بقاء الشريعة المحمّدية الى يوم القيامة فلا يرتبط بالمقام و بعبارة اخرى اذا قلنا بأن الخبر ناظر الى أن الحكم المجعول من قبل النبي(صلى اللّه عليه و آله و سلم)باق الى يوم القيامة لا يشمل الحكم المشكوك فيه. اذ مع عدم الثبوت لا موضوع للبقاء كما هو ظاهر.
و أما اذا كان الشك في الحكم الكلي من غير ناحية النسخ، فنقول: الشك من غير ناحيته لا بد من كونه مستندا الى تغير في موضوع القضية و أما مع عدم التغير فكيف يمكن أن يشك في بقاء الحكم و التغير في الموضوع تارة بفقدان قيد يكون مقوما للموضوع في ترتب الحكم عليه في نظر العرف كالعدالة في امام الجماعة بالنسبة الى جواز الاقتداء و كالاجتهاد في مرجع التقليد بالنسبة الى جوازه تقليده و لا اشكال في عدم جريان الاستصحاب في مثله فان بقاء الحكم بعد زوال القيد لا يكون مصداقا للاستصحاب بل اسراء حكم من موضوع الى موضوع آخر فلا مجال لجريان الاستصحاب.
و اخرى يكون التغير الحاصل في الموضوع من حالاته لا من مقوماته كالتغير العارض على الماء الموجب للحكم بنجاسة الماء الذي صار متغيرا فاذا زال تغيره من قبل نفسه يجرى استصحاب
[1]- الاصول من الكافى ج 2 ص 17.
النجاسة العارضة للماء المتغير لو لا معارضته باستصحاب عدم الجعل الزائد.
و ثالثة يكون القيد المأخوذ في الموضوع مرددا بين كونه مقوما للموضوع و عدمه و في مثله لا يجري الاستصحاب بعد زوال ذلك القيد لعدم جواز الاخذ بالدليل في الشبهة المصداقية.
اذا عرفت ما تقدم نقول: الوحدة المشروط في القضية الاستصحابية هل تكون باعتبار العقل بحيث يكون الموضوع واحدا عقلا في الحالتين أو الوحدة الدليلية أي يكون الموضوع واحدا بحسب الدليل أو الوحدة وحدة عرفية؟
و ليعلم اولا ان هذا الترديد بين الاحتمالات الثلاثة انما يتصور في استصحاب الحكم الكلي، و أما في الحكم الجزئى الخارجي فالامر دائر بين الموضوع العقلي و العرفي و أما الموضوع الدليلي فلا مجال له في الشبهات الموضوعية كما هو ظاهر اذ الموضوع في الشبهات الموضوعية غير وارد تحت عناوين ادلة الاحكام.
فنقول: اما اشتراط الوحدة العقلية فلا مقتضي لها اذ لا دخل للعقل في ترتب الاحكام الشرعية على موضوعاتها فالأمر دائر بين الموضوع الدليلي و العرفي.
و ربما يقال بأن الموضوع هو الموضوع الدليلي اذ المراد بالموضوع العرفي ان كان ما يفهمه العرف من الدليل و لو مع القرائن الداخلية و الخارجية فالموضوع هو الدليلي فان المراد من الموضوع ما يفهم من الادلة و ان كان المراد من الموضوع العرفي الاخذ بالمسامحات العرفية فلا يمكن المساعدة معه فان العرف محكم في فهم المفاهيم و أما ما يتسامح فيه فلا اعتبار به.
و الحق ان الميزان في جريان الاستصحاب الوحدة العرفية و الوجه فيه ان المستفاد من دليل الاستصحاب ابقاء الحكم السابق و الجري على طبقه و حيث ان العرف محكم في باب فهم المفاهيم يتقوم جريان الاستصحاب بصدق وحدة الموضوع و لذا لا يكون جريان الاستصحاب منوطا ببقاء الموضوع بحسب الدليل.
مثلا لو قال المولى الماء المتغير نجس و فرض زوال التغير يجري استصحاب النجاسة لوحدة الموضوع عرفا فان العرف يرى ان التغير سببا لعروض النجاسة لا مقوما للموضوع.
و صفوة القول ان مقتضى كون الموضوع عرفيا عدم مدخلية التحفظ على الموضوع بحسب الدليل بل الميزان صدق عنوان المضي و النقض و مقتضى كون الميزان الوحدة بحسب الدليل التحفظ على العنوان المأخوذ في الدليل فلو قال المولى الماء اذا تغير ينجس يكون الموضوع بحسب الدليل نفس الماء بشرط التغير.
و أما لو قال المولى الماء المتغير نجس يكون الموضوع الماء مقيدا بوصف التغير فلو زال تغيره لا يكون الموضوع الدليلي باقيا و أما بحسب العرف فالموضوع يكون باقيا اذ يرى العرف ان الموضوع للنجاسة نفس الماء و التغير من حالاته.
بقي شيء و هو انه لو كان الشك في البقاء من ناحية الشبهة المفهومية كما لو شك في أن المغرب عبارة عن استتار القرص أو عبارة عن ذهاب الحمرة المشرقية فربما يقال: انه لا مجال للاستصحاب لا استصحاب الحكم و لا استصحاب الموضوع.
أما الاول فلعدم جريان استصحاب الحكم مع الشك في الموضوع و أما الثاني فلعدم الشك اذ استتار القرص معلوم الوجود و ذهاب الحمرة المشرقية معلوم العدم فركن الاستصحاب مختل.