من السنة و كونهما من السنة أما القسم الاول فلا يكون الخبر المخالف حجة لجملة من الاخبار:
منها ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله): ان على كل حق حقيقة و على كل صواب نورا فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه[1].
و منها ما رواه ايوب بن راشد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف[2].
و منها ما رواه ايوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: كل شيء مردود الى الكتاب و السنة و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف[3].
و منها ما رواه هشام بن الحكم و غيره عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: خطب النبي(صلى اللّه عليه و آله)بمنى فقال: ايها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب اللّه فأنا قلته و ما جاءكم يخالف كتاب اللّه فلم أقله[4].
و منها ما رواه جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ان على كل حق حقيقة و على كل صواب نورا فما وافق كتاب اللّه فخذوه و ما خالف كتاب اللّه فدعوه[5].
فلا موضوع للتعارض و ليعلم ان التعارض اذا كان بالعموم من وجه
[1]- الوسائل الباب 9 من أبواب صفات القاضى الحديث 10.
[2]- عين المصدر الحديث 12.
[3]عين المصدر الحديث 14.
[4]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 15.
[5]نفس المصدر الحديث 35.
و كان عموم احد الدليلين بالوضع و الآخر بمقدمات الحكمة يمكن أن يقال: انه لا تعارض بل يجمع بين الطرفين بتقديم العموم الوضعي على الاطلاقي فان ما بالوضع قابل لان يكون قرينة على الآخر.
مثلا قوله تعالى:«أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ»[1]يدل باطلاقه على صحة بيع الغرر فلو ورد في حديث انه نهى النبي(صلى اللّه عليه و آله)عن كل عقد غرري يمكن القول بتقديم الحديث على الكتاب و يلتزم ببطلان بيع الغرر لما ذكرنا و هكذا الامر في كل دليلين يكون العموم في احدهما بالوضع و في الآخر بالاطلاق.
و أما القسم الثاني و هو ما لو وقع التعارض بين الحديثين بالتباين الكلي أو الجزئي و لا يكون احدهما قابلا لرفع اليد به عن الآخر فمقتضى القاعدة الاولية التساقط اذ المفروض عدم امكان الجمع بينهما و عدم جواز ترجيح أحدهما على الآخر بلا مرجح فالقاعدة تقتضي تساقطهما فهل يكون مقتضى الدليل الثانوي التوقف أو التخيير أو الترجيح بالمرجح الموجود في احد الطرفين أو الاحتياط أو غير ذلك؟
و الروايات الواردة في هذا المقام مختلفة.
الطائفة الاولى: ما يدل على وجوب التوقف.
منها ما رواه عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما- الى أن قال: فان كان كل واحد اختار رجلا من اصحابنا فرضيا أن أن يكونا الناظرين في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلفا في حديثكم (حديثنا خ) فقال: الحكم ما حكم به اعدلهما و افقههما
[1]- البقرة/ 175.
و اصدقهما في الحديث و اورعهما و لا يلتفت الى ما يحكم به الآخر.
قال: فقلت فانهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل (ليس يتفاضل) واحد منهما على صاحبه قال: فقال: ينظر الى ما كان رواياتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند اصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه- الى ان قال:
فان كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم قال ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة فيؤخذ به و يترك ما خالف حكمه حكم الكتاب و السنة و وافق العامة.
قلت: جعلت فداك ان رأيت ان كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنة و وجدنا احد الخبرين موافقا للعامة و الآخر مخالفا لهم بايّ الخبرين يؤخذ.
فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد فقلت: جعلت فداك فان وافقهما الخبران جميعا قال: ينظر الى ما هم اليه أميل حكّامهم و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر.
قلت: فان وافق حكّامهم الخبرين جميعا قال اذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى امامك فان الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات[1].
و الراوي الاول في الحديث غير معتبر فان عمر بن حنظلة لم يوثق مضافا الى كون الحديث مختصا بزمان امكان الوصول الى الامام(عليه السلام).
و منها مرسل الطبرسي: روى سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا الاخذ
[1]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 1.
به و الآخر ينهانا عنه قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقى صاحبك فتسأله عنه قال قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما قال خذ بما فيه خلاف العامة[1].
و المرسل لا اعتبار به مضافا الى اختصاصه بزمان امكان الوصول الى الامام(عليه السلام).
و منها ما رواه في السرائر نقلا من كتاب مسائل الرجال لعلي ابن محمد انّ محمد بن علي بن عيسى كتب اليه يسأله عن العلم المنقول الينا عن آبائك و اجدادك(صلوات اللّه عليهم)قد اختلف علينا فيه كيف العمل به على اختلافه أو الرد اليك فيما اختلف فيه فكتب(عليه السلام)ما علمتم انه قولنا فالزموه و ما لم تعلموا فردوه الينا[2].
و غاية ما يستفاد منه التوقف فيكون قابلا لان يقيد بما يدل على ترجيح احد الطرفين بالمرجح الخارجي.
و بعبارة اخرى علم انه على فرض تمامية الدليل على التوقف لا بد من تقييده بما يدل على الترجيح بالمرجح.
اضف الى ذلك كله ان غاية ما يستفاد من الطائفة المشار اليها انه لا يجوز الاخذ باحد الطرفين و الحكم به لكن لا تنافي بين عدم الاخذ بأحدهما و الاخذ بالدليل اللفظي الآخر من عموم أو طلاق ان كان و إلّا فبالاصل العملي و العمل بمقتضاه فلاحظ.
الطائفة الثانية: ما يدل على التخيير
منها ما أرسله في الاحتجاج روي عن الحسن بن الجهم عن الرضا(عليه السلام)انه قال: قلت: للرضا(عليه السلام)تجيئنا الاحاديث عنكم مختلفة قال: ما
[1]- جامع الاحاديث ج 1 ص 266 الحديث 32.
[2]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 36.
جاءك عنه (عنا ظ) فقسه على كتاب اللّه عز و جل و أحاديثنا فان كان يشبهها فهو منا و ان لم يشبهها فليس منا.
قلت: يجيئنا الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم ايهما الحق فقال: اذا لم تعلم فموسع عليك بايهما اخذت[1]و المرسل لا اعتبار به.
و منها ما رواه ابن المغيرة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:
اذا سمعت من أصحابك الحديث و كلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه[2].
و فيه ان الرواية لا ترتبط بالمقام فان المستفاد منها اعتبار قول الثقة و لا تعرض فيها للتعارض فلاحظ.
و منها مرفوعة العلامة الى زرارة بن اعين قال: سألت الباقر(عليه السلام)فقلت: جعلت فداك يأتي عنكم الخبران أو الحديثان المتعارضان فبأيهما آخذ قال(عليه السلام): يا زرارة خذ بما اشتهر بين اصحابك و دع الشاذ النادر.
فقلت: يا سيدي انهما معا مشهوران مرويان مأثوران عنكم فقال(عليه السلام): خذ بقول اعدلهما عندك و اوثقهما في نفسك.
فقلت: انهما معا عدلان مرضيان موثقان فقال(عليه السلام):
انظر ما وافق منهما مذهب العامة فاتركه و خذ بما خالفهم قلت:
ربما كانا معا موافقين لهم أو مخالفين فكيف اصنع فقال(عليه السلام): اذا فخذ بما فيه الحائطة لدينك و اترك ما خالف الاحتياط.
فقلت: انهما معا موافقان للاحتياط أو مخالفان له فكيف اصنع
[1]جامع الاحاديث ج 1 ص 260 الحديث 20.
[2]نفس المصدر الحديث 21.
فقال(عليه السلام): اذا فتخير احدهما فتأخذ به و تدع الآخر[1].
و المرفوعة لا اعتبار بها.
و منها ما ارسله الكليني في ديباجة الكتاب: فاعلم يا أخي ارشدك اللّه انه لا يسع احدا تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء(عليهم السلام)برأيه الا على ما أطلقه (اطلعه خ ل) العالم(عليه السلام)بقوله: اعرضوها على كتاب اللّه فما وافق كتاب اللّه جل و عزّ اقبلوه (فخذوه خ ل) و ما خالف كتاب اللّه عز و جل فردوه.
و قوله(عليه السلام): دعوا ما وافق القوم فان الرشد في خلافهم و قوله(عليه السلام): خذوا بالمجمع عليه فان المجمع عليه لا ريب فيه و نحن لا نعرف من جميع ذلك الا اقله و لا نجد شيئا أحوط و لا اوسع من رد علم ذلك كله الى العالم(عليه السلام)و قبول ما وسع من الامر فيه بقوله بأيّهما اخذتم من باب التسليم وسعكم[2]. و المرسل لا اعتبار به.
و منها ما رواه ابن مهزيار قوله: فروى بعضهم ان صلّهما في المحمل و روى بعضهم لا تصلهما الا على الارض فاعلمني كيف تصنع انت لاقتدي بك في ذلك فوقع(عليه السلام)موسع عليك بايّة عملت[3].
و هذه الرواية لا يستفاد منها المدعى بل المستفاد منها التخيير في الاتيان بالنافلة بين الامرين فلا ترتبط بما نحن فيه.
و منها ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في امر كلاهما يرويه
[1]- جامع الاحاديث ج 1 ص 255 الحديث 2.
[2]- نفس المصدر الحديث 3.
[3]- جامع الاحاديث ج 1 ص 269.
احدهما يأمر بأخذه و الآخر ينهاه عنه كيف يصنع قال: يرجئه حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه[1].
و المستفاد من الرواية عدم الجزم بأحد الطرفين و تأخير الامر الى أن يصل الى من يخبره بواقع الامر و الى ذلك الزمان في سعة اي لا يكون الزام لا بطرف الفعل و لا بطرف الترك فلا ترتبط الرواية بالمقام.
و منها جواب مكاتبة الحميري الى صاحب الزمان(عليه السلام)الى أن قال(عليه السلام)في الجواب عن ذلك: حديثان اما احدهما فاذا انتقل من حالة الى اخرى فعليه التكبير و اما الآخر فانه روى انه اذا رفع رأسه من السجدة الثانية و كبّر ثم جلس ثم قام فليس عليه في القيام بعد القعود تكبير و كذلك التشهد الاول يجري هذا المجرى و بايّهما أخذت من باب التسليم كان صوابا[2].
و فيه انه حكم خاص وارد في مورد مخصوص و لا وجه لاسرائه الى غير مورده لعدم المقتضي للاسراء مضافا الى ان مقتضى القاعدة في مورد الرواية تخصيص العموم بالخصوص و عدم ملاحظة النسبة و اجراء التعارض على خلاف القاعدة.
فكيف يمكن التعدي عن المورد فان مقتضى الجمع بين الحديثين أن يقيد الحديث الاول بالحديث الثاني و لكن الامام(عليه السلام)امر بغير النحو المذكور و امره مطاع و لكن لا يتعدى عن المورد.
و منها ما عن الفقه الرضوي(عليه السلام)و النفساء تدع الصلاة اكثره مثل ايام حيضها الى أن قال: و قد روي ثمانية عشر يوما و روي
[1]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 5.
[2]- الوسائل باب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 39.
ثلاثة و عشرون يوما و باي هذه الاحاديث اخذ من جهة التسليم جاز[1].
و لا اعتبار بالحديث سندا.
فالنتيجة انه لا دليل على التخيير، و على فرض وجود دليل عليه على نحو الاطلاق لا بد من أن يقيد بما يدل على الترجيح بالمرجح.
ثم انه على القول به فهل يكون ابتدائيا أو استمراريا، يمكن القول بالاستمرار لوجهين احدهما استصحاب التخيير فان مقتضاه بقائه.
ثانيهما: اطلاق دليل التخيير فانّه في كل زمان يصدق التعارض و مع صدقه يترتب عليه حكمه أعني التخيير.
و يرد على الوجه الاول عدم جريان الاستصحاب في الحكم الكلي بالمعارضة. و أما الوجه الثاني فالظاهر انه تام.
الطائفة الثالثة: ما يدل على الاحتياط
منها ما رواه العلامة[2].
و هذه الرواية لا اعتبار بها سندا.
الطائفة الرابعة: ما يدل على الترجيح بمخالفة القوم.
منها ما رواه الحسين بن السري قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): اذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم[3]. و الحديث ضعيف بالارسال و بغيره.
و منها ما رواه الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح(عليه السلام): هل يسعنا فيما ورد علينا منكم الا التسليم لكم فقال: لا و اللّه لا يسعكم الا التسليم لنا فقلت: فيروى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)
[1]- مستدرك الوسائل ج 17 الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 12.
[2]- قد تقدم ذكر الحديث فى ص 218.
[3]- الوسائل الباب 9 من ابواب صفات القاضى الحديث 30.