و في القهقري الشك انتقض باليقين.
و بعبارة واضحة: الناقض عبارة عن الرافع و رتبة الرافع متاخرة عن المرفوع كما ان رتبة الناقض متأخرة عن المنقوض، فلا ينطبق على الاصل القهقري. نعم الاستصحاب القهقري في مورد الشك في المفهوم يجري و يكون من الاصول اللفظية العقلائية و لا يرتبط بالاستصحاب الذي يكون من الاصول العملية فاذا علمنا بأن لفظ الصعيد حقيقة في المعنى الفلاني و لا ندري انه كذلك في زمان المعصوم(عليه السلام)ام لا؟ نحكم بكونه كذلك في ذلك الزمان ببركة استصحاب القهقري و يترتب عليه اثر مهم فلاحظ.
التنبيه الخامس: [في ان كل حكم تابع لموضوعه]
ان كل حكم مجعول من قبل الشارع الأقدس تابع لموضوعه فما دام لا يكون الموضوع متحققا في الخارج لا يتحقق الحكم و لذا نقول كل موضوع نسبته الى حكمه نسبة الشرط الى المشروط و على هذا الاساس نقول جريان الاستصحاب مشروط باليقين و الشك بالفعل و أما مع الغفلة و عدم كونهما بالفعل فلا يجري الاستصحاب.
و بالمناسبة ذكر في المقام فرعان الفرع الاول: انه لو احدث أحد ثم غفل فصلى و بعد الصلاة شك في أنه تطهر ام لا فما حكمه؟
فربما يقال- كما عن الشيخ(قدس سره)-: انه يحكم بصحة صلاته لقاعدة الفراغ، و أما استصحاب الحدث فلا مجال له، أما قبل الصلاة فلأن المفروض كونه غافلا و لا يجري الاستصحاب مع الغفلة، و أما بعد الصلاة فلأن القاعدة مقدمة على الاستصحاب اما بالحكومة أو بالتخصيص.
و اما بالنسبة الى الصلوات الآتية فلا بد من الوضوء لجريان استصحاب الحدث و يمكن ان يقال ان قاعدة الفراغ اما من الامارات أو من الاصول التعبدية.
أما على الاول فيشترط في جريانها احتمال التذكر و الالتفات و لا يكفي في جريانها مجرد احتمال التصادف و الاتفاق كما يفهم من قوله(عليه السلام)«حين يتوضأ اذكر حينما يشك» فلا تجري القاعدة في مفروض الكلام اذ قد فرض كون المكلف كان غافلا عن الوضوء و صلى و بعد عدم جريان القاعدة يجري استصحاب الحدث و يحكم ببطلان الصلاة.
و أما ان قلنا بأن القاعدة تعبدية و اصل عملي يكون مقتضى الصناعة جريانها حتى مع التذكر و جريان استصحاب الحدث قبل الصلاة اذ القاعدة مقدمة على الاستصحاب على الاطلاق بلا فرق بين كون الاستصحاب جاريا قبل الصلاة أو بعدها فلاحظ.
الفرع الثاني: انه لو تيقن بالحدث ثم شك في بقائه و استصحاب الحدث و لكن غفل و صلى ففي الفرض تكون صلاته باطلة، بمقتضى استصحاب الحدث فلا تجري القاعدة.
و أورد عليه سيدنا الاستاد بأنه لا اشكال في بطلان صلاته لكن لا من باب استصحاب الحدث بل من جهة عدم جريان القاعدة فان الشك الذي يكون مورد القاعدة الشك الحادث بعد الصلاة لا الشك الذي كان حادثا قبل الصلاة.
و ان شئت قلت: ان القاعدة انما تجري في مورد احتمال الالتفات و التذكر، و أما مع كون صورة العمل محفوظة فلا تجري القاعدة.
و صفوة القول: ان الوجه في فساد الصلاة عدم جريان القاعدة لا جريان الاستصحاب قبل الصلاة و لو لا هذه الجهة لا يكون جريان
الاستصحاب قبل الصلاة موجبا للبطلان، اذ المفروض انه غفل بعد جريان الاستصحاب. و بمجرد الغفلة يسقط الاستصحاب عن الجريان اذ يتوقف جريانه على اليقين و الشك بالفعل و لا يجري في حال الغفلة فالبطلان و عدمه دائران مدار عدم جريان القاعدة و جريانها.
فمع جريانها تصح الصلاة و مع عدم جريانها تبطل، اذ بمقتضى استصحاب الحدث بعد الصلاة يحكم بكون الصلاة واقعة في حال الحدث فتكون باطلة.
و لا يخفى انّا اخترنا أخيرا جريان القاعدة على الاطلاق و لا يتوقف على احتمال الالتفات و تفصيل الكلام يطلب ممّا ذكرناه في مفاد القاعدة فراجع ما بيناه هناك.
التنبيه السادس: [لو قام امارة على وجوب شيء ثم شك فيه]
انه لو قام الامارة على وجوب شيء مثلا في زمان فهل يجري الاستصحاب في بقاء ذلك الحكم فيما شك في بقائه أم لا؟
ربما يقال بعدم جريان الاستصحاب و ذلك لعدم اليقين بالحكم و لا الشك فيه اذا الشك الموضوع في الاستصحاب، الشك في بقاء ما تعلق به اليقين و في مفروض الكلام لا يقين بشيء فلا شك و هذا ظاهر.
و الحق أن يقال: ان كان المجعول في باب الامارات التعذير و التنجيز- كما عليه صاحب الكفاية- يشكل الجواب عن هذه العويصة فيشكل جريان الاستصحاب. و أما ان قلنا بأن المجعول في باب الامارات الطريقية و الكاشفية فيمكن الالتزام بالجريان.
بأن نقول: ان المستفاد من دليل طريقية الامارة ان مطلوب الشارع ترتيب آثار القطع و اليقين بما هو طريق على الامارة فكأن
الامارة يقين بالواقع، و عليه يشمله دليل حرمة النقض باليقين و هذا ظاهر واضح.
التنبيه السابع: [في الاستصحاب الكلي]
ان المستصحب قد يكون جزئيا و قد يكون كليا، مثلا ربما يترتب حكم على جزئي خارجي كما لو نذر احد انه ما دام يكون ابوه حيا يتصدق عنه في كل يوم فاذا شك في حياة والده يجري استصحاب حياته، و يترتب على الاصل المذكور وجوب التصدق.
و اما اذا كان الاثر مترتبا على الجامع لا على الفرد الخارجي كما انه لو نذر احد انه متى يكون كلي العالم باقيا في البلد الفلاني يقرأ في كل يوم سورة من القرآن الحكيم، فلو شك في بقاء الكلي يجري الاستصحاب فيه.
و ليعلم انه لا يجتمع الاستصحابان، أي الاصل الجاري في الكلي و الاصل الجاري في الفرد فان الاثر لو كان مترتبا على الفرد يجري استصحاب الفرد و لا تصل النوبة الى استصحاب الكلي فان المفروض ان الاثر مترتب على الفرد فلا اثر لاستصحاب الكلي، و اذا كان الاثر مترتبا على الكلي فلا يجرى استصحاب الفرد، اذ المفروض ان الاثر مترتب على الكلي فلا أثر لاحراز الفرد.
ان قلت: اذا احرز الكلي يحرز الفرد فان الكلي وجوده بوجود الفرد، كما ان احراز الفرد احراز للكلي اذ وجود الفرد لا ينفك عن وجود الكلي.
قلت: التلازم عقلي و اثبات احد المتلازمين باثبات ملازمه مرجعه الى التوسل بالمثبت و لا نقول به.
ان قلت: ان الكلي هل يوجد في الخارج أم لا يوجد؟ بل الموجود
في الخارج هو الفرد فكيف يصح التقسيم المذكور فان جريان الاستصحاب في الكلي فرع وجود الكلي فى الخارج و الحال انه محل الكلام.
قلت: البحث الاصولي مبني على الامور العرفية لا على المباني الفلسفية و لا اشكال في أن العرف يرى وجود الكلي في الخارج في ضمن أفراده فلا وجه للتوقف من هذه الناحية فلاحظ.
اذا عرفت ما تقدم نقول: ان اقسام استصحاب الكلي اربعة.
القسم الاول:
أن يعلم بوجود الكلي في ضمن فرد بالخصوص كما لو علم بوجود زيد في الدار فنعلم بوجود الانسان فيها، فاذا شككنا في بقاء زيد في الدار و عدمه يجري استصحاب بقاء الانسان في الدار بلا اشكال، كما انه يجري الاستصحاب في بقاء الشخص لو كان موضوعا للاثر.
القسم الثاني:
ما اذا علمنا بوجود الكلي في الدار فى ضمن فرد مردد بين معلوم الارتفاع و المعلوم بقائه أو المشكوك كذلك. كما لو علم بدخول حيوان مردد بين الفيل و البق في الدار و بعد مضي ساعات نعلم بأن الذي دخل ان كان فيلا يكون باقيا قطعا أو احتمالا و ان كان بقا لا يكون باقيا قطعا و في هذه الصورة يجري الاستصحاب في الكلي.
مثلا لو كان المكلف متطهرا ثم خرجت منه رطوبة مرددة بين البول و المني يعلم بتحقق حدث جامع بين الاصغر و الاكبر، فاذا توضأ يشك في بقاء ذلك الكلي و عدم بقائه يجري الاستصحاب في بقاء ذلك الكلي.
كما انه لو اغتسل اولا يجري استصحاب جامع الحدث اذ على تقدير كون الرطوبة الخارجة منيا لا يرتفع الحدث إلّا بالغسل و على
تقدير كونها بولا لا يرتفع إلّا بالوضوء فلا مجال لأن يقال الأمر دائر بين الفرد الطويل و القصير فانه لا فرق بين البول و المني من هذه الجهة و على كلا التقديرين يجري الاستصحاب بالنسبة الى الجامع.
و في المقام شبهة و هي انه لو شك في بقاء الجامع من جهة الشك في كون الحادث أي الفردين ان كان الحادث المشكوك فيه من الامور التكوينية الخارجية كما لو دار الامر بين كون الداخل في الدار بقا أو فيلا يجري الاستصحاب في الجامع بلا اشكال و لا كلام.
و أما لو كان الفرد المردد بين الامرين من الامور التعبدية الشرعية كالحدث المردد بين الاصغر و الاكبر و امثاله يشكل جريان الاستصحاب في الجامع. مثلا في مورد المثال يشكل جريان استصحاب الحدث لأن المكلف بعد ما توضأ أو بعد الاغتسال يشك في بقاء الحدث فيكون استصحاب الحدث جاريا، لكن يعارضه استصحاب عدم الجعل الزائد أي يشك في ان المولى هل اعتبر الحدث أزيد من هذا المقدار ام لا؟ الاصل عدم الجعل الزائد فيقع التعارض بين بقاء المجعول و عدم الجعل الزائد، و النتيجة ان المكلف لا يمكنه اثبات كونه محدثا بالاستصحاب. فانه يقع التعارض بين الاستصحابين و يتساقطان بالتعارض، و هل يمكن للمكلف أن يحكم على نفسه، بالطهارة أم لا؟
الظاهر انه يشكل اذ يشك في الطهارة و لا طريق لاحرازها إلّا أن يقال: ان المقام بعد التعارض و التساقط يدخل في مورد الجمع بين الوجدان و الاصل بأن يقول المكلف بعد الوضوء أو الغسل ان كان الحدث العارض الحدث الكذائي فقد ارتفع بالغسل أو الوضوء و ان
كان العارض القسم الآخر فهو مشكوك التحقق و الاصل عدم حدوثه من أول الامر.
و هذا نظير ما لو كان الشخص محدثا بالاصغر و خرج منه شيء و احتمل كون الخارج منيا فان المكلف يستصحب عدم جنابته و يقتصر على الوضوء و يصلي مع انه شاك في الطهارة اذ يحتمل كونه جنبا.
ان قلت: القياس مع الفارق اذ في المقام ان المفروض انه علم اجمالا بتحقق حدث في الخارج مردد بين الاصغر و الاكبر و العلم الاجمالي منجز فلا بد من الجمع بين الوضوء و الغسل قضاء للعلم الاجمالي.
قلت: تنجز العلم الاجمالي متقوم بتعارض الاصول في الاطراف و أما مع عدم التعارض فلا يكون العلم منجزا اذ مع عدم التعارض يجري الاصل في أحد الطرفين بلا معارض و المقام كذلك فان المفروض ان المكلف توضأ أو اغتسل و بعد الاتيان بأحد الامرين يجري الاستصحاب في عدم الحدث الآخر و لا يعارضه الاصل الجارى في الطرف الآخر اذ المفروض انه لا مجرى له بعد الاتيان برافعه كما هو المفروض.
و لذا نقول لو علم اجمالا بنجاسة احد الإناءين ثم انعدم احدهما لا مانع من جريان الاصل في الاناء الآخر اذ بقاء لا تعارض و قس عليه جميع الموارد التي من هذا القبيل و يترتب على هذا فوائد كثيرة فلاحظ و اغتنم.
و ربما يقال: انه لا تصل النوبة الى المعارضة كي يسقط استصحاب الكلي بالمعارضة بل استصحاب الكلي لا يجري لكونه محكوما بأصل جار في الرتبة السابقة فلا تصل النوبة اليه.
بيان المدعى: ان الشك في بقاء الكلي مسبّب عن حدوث الفرد
الطويل، مثلا في مثال تردد الامر بين الحدث الاصغر و الاكبر اذا توضأ المكلف يكون شكه في بقاء الحدث مسببا من أن الرطوبة الخارجة مني أم لا؟ و ما دام يكون الاصل جاريا في السبب لا تصل النوبة الى جريانه في المسبب و حيث ان كون الرطوبة مرددة بين المني و البول يكون مقتضى الاصل عدم كونها منيا و ينضم هذا الاصل الى الوجدان فنحكم بعدم كون المكلف محدثا.
و يرد على التقريب المذكور ان مجرد التسبب لا يكون موجبا لتقدم الاصل الجاري في السبب على الاصل المسببي و عدم جريان الاصل في المسبب بل التقدم مشروط بكون التسبب شرعيا و يكون المسبب من الآثار الشرعية للسبب كما لو غسل ثوب نجس بالماء الذي يكون مستصحب الطهارة فان الشك في بقاء نجاسة الثوب بعد الغسل مسبب عن نجاسة الماء و تكون طهارة الثوب من الآثار الشرعية لطهارة الماء المغسول به الثوب فاذا ثبت كون الماء طاهرا يثبت كون الثوب طاهرا فانه من الاحكام المترتبة على طهارة الماء فمع جريان الاستصحاب في الماء و اثبات طهارته لا يبقى مجال لجريان استصحاب النجاسة في الثوب فالنتيجة تقدم الاصل الجاري في السبب على الاصل الجاري في المسبب.
و أما اذا لم يكن التسبب شرعيا بل كان عقليا و الترتب من جهة التلازم العقلي فلا وجه لجريان الاصل في أحد الطرفين دون الآخر، مضافا الى أنه على فرض الجريان يقع التعارض بين الاصلين اذ التلازم من الطرفين بخلاف ما يكون التسبب شرعيا فانه لا مقتضي لجريان الاصل في المسبب مع جريانه في السبب.
توضيح ذلك: ان اركان جريان الاصل في السبب تامة كجريان