بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 157

المقري ، أنبأنا الحسن بن سفيان ، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدّثنا محمد بن بشر ، حدّثنا أبو حيّان ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ، فنهس منها نهسة فقال : « أنا سيد الناس يوم القيامة ، وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر ، وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول بعض الناس لبعض : ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ، ألا ترون ما بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض : ائتوا آدم ، فيأتون آدم فيقولون : يا آدم أنت أبو البشر وخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا[١]لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي نفسي ، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح أنت أول الرّسل إلى الأرض[٢]. وسمّاك الله عبدا شكورا اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولن يغضب بعده مثله ، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي نفسي نفسي ، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، وذكر كذباته[٣]. نفسي نفسي ، اذهبوا إلى

[١]قال النووي في شرح مسلم ( ٣ / ٦٨ ـ ٦٩ ) : المراد بغضب الله تعالى ما يظهره من انتقامه ممّن عصاه ، وما يرونه من أليم عذابه ، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون بعده مثلها ، ولا شك في أن هذا كله لم يتقدّم قبل ذلك اليوم مثله ، ولا يكون بعده مثله ، فهذا معنى غضب الله تعالى ، كما أن رضاه ظهور رحمته ولطفه بمن أراد به الخير والكرامة لأن الله تعالى يستحيل في حقه التغيّر في الغضب والرضا.

[٢]انظر شرح الحديث السابق.

[٣]قال النووي في شرح مسلم ( ١٥ / ١٢٤ ) : الكذبات المذكورة إنما هي بالنسبة إلى فهم المخاطب والسامع ، وأما في نفس الأمر فليست كذبا مذموما لوجهين : أحدهما أنه ورّى بها فقال في سارة أختي في الإسلام وهو صحيح في باطن الأمر ، والوجه الثاني أنه لو كان كذبا لا تورية فيه لكان جائزا في دفع الظالمين ، وقد اتفق الفقهاء على


صفحه 158

غيري ، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى فيقولون : يا موسى أنت رسول الله فضّلك الله برسالته وبتكليمه على الناس اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى : إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، وإني قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها. نفسي نفسي ، اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون : يا عيسى أنت رسول الله ، وكلّمت الناس فى المهد ، وكلمة منه ألقاها إلى مريم ، وروح الله وكلمته اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه ، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ، ولم يذكر ذنبا. نفسي نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. فيأتوني فيقولون : يا محمد أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيين ، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فآتي باب العرش فأقع ساجدا لربي عزّ وجل ، ثم يفتح الله عزّ وجل لي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال : يا محمد ارفع رأسك ، سل تعطه واشفع تشفع ، فأرفع رأسي فأقول : يا رب أمتي أمتي ، فيقال : يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر ، أو كما بين مكة وبصرى ».

رواه مسلم[٤]في الصحيح ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه

أنه لو جاء ظالم يطلب إنسانا مختفيا ليقتله ، أو يطلب وديعة للإنسان ليأخذها غصبا وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكار العلم به ، وهذا كذب جائز ، بل واجب لكونه في دفع الظالم.

وقال القاضي عياض فيما نقله عنه النووي ( ٣ / ٥٤ ـ ٥٥ ) : وانظر هذه الخطايا التي ذكرت للأنبياء من أكل آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة ناسيا ، ومن دعوة نوحعليه‌السلامعلى قوم كفّار ، وقتل موسى صلى الله عليه وسلم لكافر لم يؤمر بقتله ، ومدافعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم الكفّار بقول عرّض به هو فيه من وجه صادق. وهذه كلها في حق غيرهم ليست بذنوب ، لكنهم أشفقوا منها إذ لم تكن عن أمر الله تعالى ، وعتب على بعضهم فيها لقدر منزلتهم من معرفة الله تعالى.

[٤]أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان : باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.


صفحه 159

البخاري[٥]من وجه آخر عن أبي حيّان.

[٢٥٠] ـ عن حماد بن زيد ، عن معبد بن هلال العنزي قال : انطلقنا إلى أنس بن مالك وتشفعنا بثابت ، فانتهينا إليه وهو يصلي الضحى ، فاستأذن لنا ثابت فدخلنا عليه ، وأجلس ثابتا معه على سريره ، فقال له : يا أبا حمزة إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدّثهم حديث الشفاعة قال : حدّثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال : « إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض. فيأتون آدم فيقولون له : اشفع لذريتك ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بإبراهيمعليه‌السلام، فإنه خليل الله. فيأتون إبراهيم فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بموسىعليه‌السلامفإنه كليم الله. فيؤتى موسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بعيسىعليه‌السلامفإنه روح الله وكلمته ، فيؤتى عيسى فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

فأوتى فأقول : أنا لها. فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي[١]، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه الله. ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفّع. فأقول : رب أمّتي ، أمّتي.

فيقال : انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها ، فأنطلق فأفعل ، ثم أرجع إلى ربي[٢]فأحمده بتلك المحامد ، ثم أخرّ له

[٥]أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأنبياء : باب قول الله تعالى :(وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً)ذكره إلى قوله : « اذهبوا إلى موسى » وقال : تابعه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه في تفسير سورة الكهف : باب(ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً).

وأخرجه المصنّف في الاعتقاد ( ٥ / ٤٧٦ ).

وأخرجه في الأسماء والصفات ( ٢ / ٤٤ ) قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله السعدي ، أنا محمد بن عبيد الطنافسي ، حدثنا أبو حيّان التيمي ، عن أبي زرعة ، عن أبي هريرة فذكره مختصرا.

قال البيهقي في الشعب ( ٢ / ١٢٧ ) وهذا الحديث يجمع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجمع حتى يريحهم من مكانهم الذي بلغوا فيه من الغمّ والكرب ما لا يطيقون من طول القيام في الشمس ، ثم شفاعته لأهل الذنوب من أمته.

[٢٥٠]شعب الإيمان ( ٢ / ١١١ ـ ١٤٤ ).

[١]انظر شرحه في الحديث السابق.

[٢]قال البيهقي في الأسماء والصفات ( ٢ / ٥٦ ) يعني إلى مساءلة ربي. أو إلى المقام نفسه الذي يسمع فيه خطابه.


صفحه 160

ساجدا. فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعطه ، واشفع تشفّع. فأقول : أمّتي ، أمّتي. فيقال لي : انطلق فمن كان في قلبه ادنى أدنى أدنى من مثقال حبّة من خردل من إيمان فأخرجه من النار ، فأنطلق فأفعل. هذا حديث أنس الذي أنبأنا به.

فخرجنا من عنده ، فلما كنا بظهر الجبّان قلنا : لو ملنا إلى الحسن فسلمنا عليه وهو مستخف في دار أبي خليفة. قال : فدخلنا عليه فسلّمنا عليه فقلنا : يا أبا سعيد جئنا من عند أخيك أبي حمزة ، فلم نسمع مثل حديث حدّثناه في الشفاعة. قال : هيه ، فحدّثناه الحديث فقال : هيه ، قلنا : ما زادنا! قال : قد حدّثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جميع[٣]، ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدّثكم فتتكلوا. قلنا له : حدّثنا. فضحك وقال : خلق الإنسان من عجل. ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكموه : « ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فاحمده بتلك المحامد ، ثم أخرّ له ساجدا فيقال لي : يا محمد ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، وسل تعط ، واشفع تشفّع. فأقول : يا رب ائذن لي فيمن قال : لا إله إلاّ الله. قال : ليس ذاك لك ، ولكن وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجنّ من قال : لا إله إلاّ الله ».

قال : فأشهد على الحسن أنه حدّثنا به أنه سمع أنس بن مالك ، أراه قال : قبل عشرين سنة ، وهو يومئذ جميع[٤].

[٢٥١] ـ أخبرنا ابو الحسن علي بن محمد المقري ، أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق ، حدّثنا يوسف بن يعقوب ، حدّثنا محمد بن أبي بكر ، حدّثنا معتمر بن

[٣]قال الحافظ في الفتح ( ١١ / ٤٠٦ ) : أي مجتمع العقل ، وهو إشارة إلى أنه كان حينئذ لم يدخل في الكبر الذي هو مظنّة تفرّق الذهن وحدوث اختلال الحفظ.

[٤]أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التوحيد : باب كلام الرب عزّ وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. من طريق سليمان بن حرب عن حمّاد بن زيد.

وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان : باب ادنى أهل الجنة منزلة فيها.

[٢٥١]شعب الإيمان ( ٢ / ١١١ ـ ١٤٤ ).


صفحه 161

سليمان ، عن أبيه ، عن أنس قال : يشفع محمد صلى الله عليه وسلم حتى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من خير ، ثم يشفع محمد صلى الله عليه وسلم حتى يخرج من النار من كان في قلبه مثقال خردلة من خير ، ثم يشفع محمد صلى الله عليه وسلم حتى يخرج من النار من كان في قلبه أدنى من شطر خردلة من خير[١].

[٢٥٢] ـ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاق قالا حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدّثنا محمد بن عبد الوهاب ، أخبرنا جعفر بن عون ، أخبرنا هشام بن سعد ، أخبرنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال : « هل تضارّون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب »؟ قال : قلنا : لا يا رسول الله ، قال : « فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيه سحاب »؟ قالوا : لا يا رسول الله ، قال : « ما تضارّون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تضارّون في رؤية أحدهما[٢]، إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ألا يلحق كل أمة بما كانت تعبد ، فلا يبقى أحد كان يعبد صنما ولا وثنا ولا صورة إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار ، ويبقى من كان يعبد الله وحده من برّ وفاجر وغبرات أهل الكتاب ، قال : ثم تعرض جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، قال : ثم تدعى اليهود فيقال : ما كنتم تعبدون؟ فيقولون : عزيرا ابن الله ، فيقول : كذبتم ، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فما ذا تريدون؟ فيقولون : أي ربنا ظمئنا ، فيقول : أفلا تردون؟ فيذهبون حتى يتساقطوا في النار. ثم تدعى النصارى فيقول : ما كنتم تعبدون؟ فيقولون : المسيح ابن الله ، فيقول : كذبتم ، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فما ذا تريدون؟

فيقولون : أي ربنا ظمئنا فاسقنا. فيقول : ألا تردون؟ فيذهبوا حتى يتساقطوا في النار ، ويبقى من كان يعبد الله من برّ وفاجر. قال : ثم يتبدّى الله عزّ وجل لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة[٣]، فيقول : يا أيها الناس لحقت كل أمّة

[١]قال البيهقي في الشعب ( ٢ / ١٢٨ ) وفي كل ذلك دلالة على أنه يشفع لأهل الكبائر من أمته.

[٢٥٢]شعب الإيمان ( ٢ / ١١١ ـ ١٤٤ ).

[١]قال النووي ( ٣ / ١٨ ) معناه تشبيه الرؤية بالرؤية في الوضوح وزوال الشك والمشقّة والاختلاف.

[٢]حكى البيهقي عن أبي سليمان الخطابي في الأسماء والصفات ( ٢ / ٢١ ) قوله في هذه اللفظة : فإن الذي يجب علينا


صفحه 162

بما كانت تعبد وبقيتم ، فلا يكلمه يومئذ إلا نبيّا فيقول : فارقنا الناس في الدنيا ، ونحن كنا إلى صحبتهم أحوج ، لحقت كل أمة بما كانت تعبد ، ونحن ننتظر ربنا الذي كنّا نعبد ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعوذ بالله منك ، فيقول : هل بينكم وبين الله عزّ وجل من آية تعرفونها؟ فيقولون : نعم ، فيكشف عن ساق[٣]فيخرّون سجّدا أجمعين ، ولا يبقى أحد كان يسجد في الدنيا سمعة ولا رياء ولا نفاقا إلا عاد ظهره طبقا واحدا ، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه ، ثم يرفع برّنا ومسيئنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أول مرة[٤]فيقول : أنا ربكم.

وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة ولا هيئة ، فإن الصورة تقتضي الكيفية وهي عن الله وعن صفاته منفية.

وقال : فإن هذا الموضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل وتخريج ، وليس ذلك من أجل أننا ننكر رؤية الله سبحانه ، بل نثبتها ، ولا من أجل أنا نرفع ما جاء في الكتاب وفي أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المجيء والإتيان ، غير أنّا لا نكيّف ذلك ولا نجعله حركة وانتقالا كمجيء الأشخاص وإتيانها ، فإن ذلك من نعوت الحدث ، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

وقال النووي ( ٣ / ١٩ ) : اعلم أن لأهل العلم في أحاديث الصفات وآيات الصفات قولين : أحدهما : وهو مذهب معظم السلف أو كلهم ، أنه لا يتكلم في معناها بل يقولون : يجب علينا أن نؤمن بها ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى وعظمته ، مع اعتقادنا الجازم أن الله تعالى ليس كمثله شيء وأنه منزّه عن التجسّم ، والانتقال والتحيّز في جهة وعن سائر صفات المخلوق ، وهذا القول هو مذهب جماعة من المتكلمين واختاره جماعة من محقّقيهم وهو أسلم.

والقول الثاني : وهو مذهب معظم المتكلمين : أنها تتأوّل على ما يليق بها على حسب مواقعها ، وإنما يسوغ تأويلها لمن كان من أهله ، بأن يكون عارفا بلسان العرب وقواعد الأصول والفروع ، ذا رياضة في العلم ، فعلى هذا المذهب يقال في قوله صلى الله عليه وسلم : « فيأتيهم الله » أن الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ، لأن العادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلا بالإتيان ، فعبّر بالإتيان والمجيء هنا عن الرؤية مجازا.

وقيل : المراد بيأتيهم الله : أي يأتيهم بعض ملائكة الله ، قال القاضي عياضرحمه‌الله: هذا الوجه أشبه عندي بالحديث قال : ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدث الظاهرة على الملك والمخلوق ، فإذا قال لهم هذا الملك : أنا ربّكم ، رأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم ، ويستعيذون بالله منه.

[٣]قال النووي ( ٣ / ٢٧ ) وفسّر ابن عباس وجمهور أهل اللغة وغريب الحديث الساق هنا بالشدّة ، أي يكشف عن شدّة وأمر مهول ، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر ، ولهذا يقولون : قامت الحرب على ساق ، وأصله أن الإنسان إذا وقع في أمر شديد شمّر ساعده ، وكشف عن ساقه للاهتمام به. وقيل : معناه : كشف الخوف وإزالة الرعب عنهم ، وما كان غلب على قلوبهم من الأهوال فتطمئن حينئذ نفوسهم عند ذلك.

[٤]قال النووي ( ٣ / ٢٠ ) المراد بالصورة هنا الصفة ، ومعناه ؛ فيتجلى الله سبحانه وتعالى لهم على الصفة التي


صفحه 163

فيقولون : نعم أنت ربنا ثلاث مرات. ثم يضرب الجسر على جهنم ». قلنا : وما الجسر يا رسول الله؟ بأبينا أنت وأمّنا؟ قال : « دحض مزلّة ، له كلاليب وخطاطيف وحسك ، يكون بنجد عفيفاء[٥]يقال له : السعدان ، فيمر المؤمنون كلمح البرق وكالطير ، وكالطرف ، وكأجاويد الخيل ، وكالراكب ، فمرسل ، ومخدوش ، ومكدوس ». قال أبو أحمد : إنما هو : ـ مكردس في نار جهنم ـ. والذي نفس محمد بيده ما أحدكم بأشد مناشدة في الحق يراه مضيئا له من المؤمنين في إخوانهم إذا هم رأوا وقد خلصوا من النار يقولون : أي ربنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ، ويصومون معنا ، ويحجّون معنا ، ويجاهدون معنا قد أخذتهم النار ، فيقول : اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه ، ويحرّم صورتهم على النار ، فيجدون الرجل قد أخذته النار إلى قدميه ، وإلى انصاف ساقيه ، وإلى ركبتيه ، وإلى حقويه. فيخرجون منها بشرا كثيرا ، ثم يعودون فيتكلمون ، فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط خير فاخرجوه ، فيخرجون منها بشرا كثيرا ، ثم يعودون فيتكلّمون ، فلا يزال يقول ذلك حتى يقول : اذهبوا فأخرجوا من وجدتم في قلبه مثقال ذرّة فأخرجوه ».

وكان أبو سعيد إذا حدّث بهذا الحديث يقول : فإن لم تصدقوا فاقرءوا :(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)[٦].

« فيقولون : أي ربنا لم نذر فيها خيرا ، فيقول : هل بقي إلا أرحم الراحمين قال : فيقول : قد شفعت الملائكة ، وشفع النبيّون ، وشفع المؤمنون ، فهل بقي إلا أرحم الراحمين؟ فيأخذ قبضة من النار ، قال : فيخرج قوما قد عادوا حممة لم يعملوا لله عمل خير قطّ ، فيطرحون في نهر في الجنة يقال له : نهر الحياة ، فينبتون فيه ،

يعلمونها ويعرفونه بها ، وإنما عرفوه بصفته ، وإن لم تكن تقدّمت لهم رؤيته له سبحانه وتعالى لأنهم يرونه لا يشبه شيئا من مخلوقاته ، وقد علموا أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته ، فيعلمون أنه ربهم ، فيقولون : أنت ربنا ، وإنما عبّر بالصورة عن الصفة لمشابهتها إياها ولمجانسة الكلام.

[٥]قال ابن الأثير ( ٣ / ٢٧٦ ) في حديث القيامة : « وعليه حسكة مفلطحة لها شوكة عقيفة ». أي ملويّة كالصنّارة.

[٦]النساء : ٤٠.


صفحه 164

والذي نفسي بيده كما تنبت الحبة في حميل السيل ، ألم تروها وما يليها في الظل أصيفر ، وما يليها من الشمس أخيضر »؟ قلنا : يا رسول الله كأنك كنت في الماشية؟ قال : « فينبتون كذلك فيخرجون أمثال اللؤلؤ ، فيجعل في رقابهم الخواتيم ، ثم يرسلون في الجنة ، هؤلاء الجهنميون ، هؤلاء الذين أخرجهم الله من النار بغير عمل ولا خير قدّموه ، فيقول الله عزّ وجل : خذوا فلكم ما أخذتم ، فيأخذون حتى ينتهوا قال : ثم يقولون : لو يعطينا الله ما أخذنا ، فيقول الله عزّ وجل : فإني لأعطيكم أفضل مما أخذتم ، ثم قال : فيقولون أي ربنا وما أفضل مما أخذنا؟ فيقول : رضواني فلا أسخط ».

رواه مسلم[٦]عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن عون.

[٢٥٣] ـ أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، ابنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن مكرم ، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي ، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، حدثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال : « هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونه حجاب »؟ قالوا : لا يا رسول الله. قال : « فهل تمارون في الشمس ليس دونها حجاب »؟ قالوا : لا يا رسول الله. قال : « فإنكم ترونه كذلك ، يحشر الله الناس يوم القيامة فيقال : من كان يعبد شيئا فليتبعه ، فمنهم من يتبع الشمس ، ومنهم من يتبع القمر ، ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ، قال : فيأتيهم الله عزّ وجل في غير صورته التي يعرفون[١]، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : نعود بالله منك ، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عزّ وجل ، فإذا جاء ربنا عزّ وجل عرفناه ، فيأتيهم الله عزّ وجل في صورته التي يعرفون ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، ويدعوهم ويضرب الصراط بين ظهري جهنم ، فأكون أول من يجيز بأمتي من الرسل ، ولا

[٦]أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان : باب معرفة طريق الرؤية.

[٢٥٣]شعب الإيمان ( ٢ / ١١١ ـ ١٤٤ ). البعث والنشور ص ـ ٢٤٩ ، ٢٥٠

[١]انظر الكلام فيه في الحديث السابق مع سائر ما ذكرناه فيه.