* ولادته : ولد في 10 / 12 / 1912 م بكفر عشرى الواقعة قرب " راقوتة " التي بنى عليها الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية .
* دراسة : ليسانس الآداب " قسم التاريخ " بجامعة الإسكندرية .
دراسات في الرأي العام دراسات في فن الإدارة العليا * عين : أخصائيا للإعلام والنشر في المؤسسة الاقتصادية بالقاهرة .
* " عين مديرا لمكتب السيد / نائب رئيس الجمهورية لشؤون الاتحاد .
* " مديرا لمكتب رئيس الوزراء للتحرير والنشر .
* أهم آثاره : " الإمام علي بن أبي طالب " 9 - أجزاء " أبناؤنا مع الرسول " " الزهراء أم أبيها " يوم كيوم عثمان " السقيفة والخلافة " * اشترك : في تحرير مجلة " الحديث " بالإسكندرية .
* من مشاهير الأساتذة والكتاب البارزين بمصر .
* ينظم الشعر باللغتين الفصحى والعامية .
* كتب موسوعة تحليلية في شخصية الإمام علي عليه السلام في " 2500 " صفحة ناقش فيها أحداثا تاريخية كشف عن واقعها بروح موضوعية مجردة .
* يتميز بحرية الرأي والأصالة الفكرية .
* له كلمة ذهبية حول " الغدير " يقول فيها إن فضل الإمام معلوم مشهور وسبقه على الأقران غير منكور .
فلسفة الحكم عند الإمام بسم الله الرحمن الرحيم إحتواني أبو السبطين : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ولي الرسول ، وموضع سره ولجأ علمه ، وأصل الأئمة الأطهار - في رحابه نيفا وثلاثين عاما عشتها تحت ظله الوارف الممدود . . فما رأيت نفسي نعمت مع غيره - بعد محمد عليه الصلاة والسلام - بمثل ما نعمت معه من ذخائر المعارف ، وكرائم الأخلاق ، وروائع الأفكار التي تفتح طرائق وآفاقا بلا حدود لمن أراد التماس الحق كاملا غير منقوص ، والحكمة صافية غير مشوبة . .
ولقد استعصى علي كما استعصى علي بلا ريب سواي ، الإحاطة بكل ما أوتيه ، والأخذ بكل ما أعطاه ، لأن بلوغ الكمال محال ، ولأن النفس البشرية ، مهما ارتقت في مدارج النقاء ، خليقة بأن تخطئ وإن هي حاولت مباعدة الأخطاء فالعصمة لله . وابن آدم خطاء ، والحرص على التزام المحجة البيضاء لا يمنع إنسانا من الانحراف عن سوء السبيل ، آونة أو آونات ، فيرى في القبيح المليح ، ويرى في المليح القبيح ، وقد يجئ هذا نتيجة محاولة بريئة لتفهم جديد ، أو تبرير وضع طارئ ، أو اجتهاد رأى في مشكلة بيئية تربت على تغير في الظروف والأحوال . . هذا بالإضافة إلى أن الطبيعة الآدمية كما فيها من النور فإن فيها من الظلام .
( 2 ) من السلوك البشري . . وإن اختلف باختلاف المواقع والأفراد . .
وإن كان وليد تفاعلات نفسية معقدة . .
فإنه أيضا على وجه من الوجوه ظاهرة اجتماعية عامة تقوم أساسا على ركيزتين هما : التلقين والتقليد . . ومن هنا فإن قادة الشعوب ، ودعاة الإصلاح أو التغيير ، يعمدون من خلال هاتين الركيزتين إلى تطور مجتمعاتهم وإعادة صياغتها من جديد . فإذا هم يبثون فيها - بالدعوة المستمرة الدائبة - ما اختاروا لها من آراء ، يلقنونها الكبار والصغار . ثم يقرنون مرحلة البث بمرحلة التقليد أو تثبيت تلك الآراء في أذهان الناس عن طريق التطبيق العملي ، بضرب الأسوة ، حملا لهم على الاقتداء والأداء . .
وذلك هو ما يحدث بالنسبة لجميع الأديان . . تتنزل رسالات السماء على من يجتبيهم الله من عباده المرسلين ، فيخص كل رسول إلى تبليغ من بعث فيهم ويكون هو نفسه القدوة والمثال .
( 3 ) ولم يعرف التاريخ ، فيما إخال هاديا تصدى لإصلاح حال قومه ، وأخذهم بمبادئ الإسلام كالإمام . .
نعم : يكن مجرد داعية إلى الله وبينهم كتاب الله ما أيسر رجوعهم إليه لو شاءوا الاهتداء . . ولكنه ترجم الدين إلى أسلوب حياة وإعادة نقله - بعد خلو حياتهم العامة من محمد - إلى حيز التطبيق . . وعندما ترنو إلى سعيه في هذا المضمار نكاد نجد جهده امتدادا لجهد الرسول ، وعهده امتدادا لعهده عليه الصلاة والسلام .
وليس معنى هذا أن الألى سبقوه إلى حكم الأمة فرطوا في الكتاب ، ولكنه يعني أن الدنيا - حين آل إليه الأمر - كانت قد أقبلت على الناس كل
الإقبال ، " فنسوا خطا مما قد ذكروا به " ، وانشغل الأكثرون منهم بالعروض من متاع ومال وجاه حتى لكأنهم آثروا العيش على مظاهر الدين دون اللباب ، وعلى المقولات دون المعقولات . . واستفاض بهم هذا الانشغال الاستفاضة التي تنذر بجاهلية جديدة توشك أن تستأثر الجميع . . وظن ومن يظنون أن دور الإمام ، في تلك الفترة القصيرة التي تولى فيها السلطان - كان مجرد العناية - بتذكير الأمة بأوامر الله ونواهيه ، أو الاقتصار على الكشف لها عن أسرار القرآن وخفاياه ، إنما هو محض خيال . .
ذلك لأن الثابت قطعا أنه أخرج للناس سياسة عامة للإصلاح وإعادة بناء الإنسان ، لا تأخذه بالقسور ، بل تقوم - قبل أي شئ وكل شئ على جوهر الدين . .
رسم فيها خطة شاملة لشؤون الداخل والخارج ولاءا بها بين الصالح العام ونفع الأفراد . تحسن السير بالأمور كما تحسن قيادة الناس . مطوعا إياها لمقابلة كافة الاحتمالات في تطورات الأحداث ، وتغيرات الظروف ، وانطلاقه الزمن بالحكمة ، وسعة الأفق ، ودقة التفكير ، وأحكام التقدير مع مرونة المداولة بين مختلف أساليب المجابهة الكفيلة بكبح شرة الأزمات ، وتفاقم الأخطار ، وانحرافات الأنفس ثم يلقاها بأنسب الحلول . .
( 4 ) ونكاد نجمل هذه السياسة الشاملة في عبارة قصيرة للإمام يقول :
" الناس إما أخ في الدين أو نظير في الخلق " فشعاره إذا هو " مساواة "
مساواة بين جميع الناس وإن تباينوا في الأديان واختلفوا في العناصر والألوان .
مساواة ميسرة لا تشق على إنسان ، معلومة لا تغمض على إنسان .
قاصدة بغير تقصير . سمحة بغير مغالاة . نسبية بغير إطلاق . تعيش في الممكن المتاح وأكد هذا مرة من ومرات ، فكان مما قاله في هذا المجال :
" إنما أنتم إخوان على دين الله ، ما فرق بينكم إلا خبث السرائر . . " ودين الله هو الإسلام . فالإسلام هو الرسالة الإلهية الوحيدة التي بعث الله بها رسله إلى أقوامهم على فترات ، ثم كانت للناس كافة ببعثة محمد خاتم الرسل والأنبياء .
( 5 ) وليست المساواة شعارا يرفع ، ولا كلمة تقال ، بل هي جهد يبذل ، وعمل يعمل ، ومفهوم يطبق في المجتمع تطبيقا جادا بلا مفاوتة بين إنسان وإنسان ، وبلا ترخص لإنسان دون إنسان . .
وإذا كان ثمة من الناس من يمقتك فأحرى بمن يقول بها أن يلتزمها ليتبعه على نهجها كل من عداه ، ولتكون هي السلوك العام . .
وقد صارح الإمام أمته ، منذ ولي الأمر ، وبأنه هو قائد سيرتهم على هذا الطريق . .
ففي يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقين من ذي الحجة عام ولايته ، على قول . .
أو في الخامس والعشرين من نفس الشهر من السنة الخامسة والثلاثين
للهجرة ، الموافق الثالث والعشرين من شهر يونيو سنة ستة وخمسين وستمائة للميلاد . . وقف بعد أن تمت له البيعة ، يعين المسلمين :
" إنما أنا رجل منكم . . لي ما لكم . . وعلي ما عليكم . . " فلا تفرقة . . لا امتياز له على غيره من الناس . .
ولا شك في أنه حين قال قولته هذه لم يأت بجديد . فكلمته هي كلمة الإسلام ، ورأيه هو رأي الإسلام . . ودين الله الذي ختم الأديان كان ، كما يقضي بوحدة الربوبية الآلهية ، يقضي أيضا بوحدة العبودية البشرية ، لأن الإسلام دين الفطرة التي فطر الله عليها الناس أجمعين ، قبل أن تفسدهم الانحرافات المتسربة إلى النفوس والعقول من خلال طوارئ المعتقدات ، والأفكار ، وتحكم العادات والتقاليد ، وفوارق العنصريات والأجناس ، وتباعد حدود الزمان والمكان . . إنه يعيدهم سيرتهم الأولى ، على سجيتهم النقية كبدء نشأتهم ، مطهرين من الأدران ، خالصين من الشوائب ، كأنهم يلدهم من جديد . .
هو بهذا يسوى بينهم كافة لأن الفطرة هي العامل الوحيد الذي يشتركون فيه فأساس المقارنة بينهم - على هذا الوضع - ثابت غير قابل للتغير ، أو مساواة كاملة ، لا سبيل معها إلى المفاضلة والترجيح .
فإذا هم تفاوتوا من بعد ، فبمعايير غير هذا المعيار . .
هذه حقيقة عصية على الانكار ، بعيدة بعدا مطلقا عن المماراة . . ليس أدل عليها من نأى الإسلام - في دعوته - عن التمحيص ، بالاتجاه إلى التعميم . .
فالقرآن الكريم كما تؤكد آياته ، حين يدعو دعوته الإيمانية لا يخاطب إلا " الناس " أو " بني آدم " أو " الإنسان " أو " عباد الله "
لا يختص بها جنسا ، ولا عنصرا ، ولا قوما ، ولا لونا ، ولا طائفة ، ولا مجتمعا من المجتمعات بالخطاب . .
( 6 ) واستقامة السلوك العام في الأمة رهن باستقامة السلوك الخاص لأولئك الذين بيدهم مقادر الأمور ومن ثم فقد حرص أمير المؤمنين على أن تظل عينه على تصرفات عماله ورجاله الأدنين الذين يتقدمون الصفوف ، خشية أن يميلوا عن " المساواة " استجابة لضغوط بيئية ، أو نتيجة هوى أو ضعف أو عصبية . .
ذلك لأنهم بأوضاعهم تلك هم المؤدبون والمهذبون . ولأنهم أيضا القدوة التي يحتذيها الجمهور . .
لذلك يأمر الإمام كل عامل من عماله أن يرعي المساواة إنصاف لله كما هي إنصاف للناس ، فيقول :
" ألزم الحق من لزمه من القريب والبعيد ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصتك حينما وقع . . " ويقول :
" أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك وخاصة أهلك ومن لك هوى فيه من رعيتك . فإنك إلا تفعل تظلم ! . . " ثم يؤكد وجوب المساواة بين الحاكم والمحكوم فيقول :
" إياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة . .
وهو يعلم علم يقين وكما تشير الأمثال في مختلف العصور ، أن الثناء إغراء وأن بطانة الحاكم ومشيريه أقوى عليه تأثيرا ، وأدنى إليه حظوة ، وأعلم بما يكرهه وبما يرضيه فلا عجب إن استطاعوا - بالملق أو طيب الثناء - أن يقودوه كيف يشاءون . .
لذلك حذر عماله مغبة هذا الانقياد ، وأمرهم أن يدقق كل في اختيار المشيرين والأعوان :
يقول :
" استعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة . ورضهم على ألا يطروك ، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو ، وتدنى من الغرة . . وليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق . . " ( 7 ) ويطول بي الحديث لو استطردت إلى ما تفصح عنه سيرة أمير المؤمنين من سياسة جهد بها لترويض الناس ، وتطويع الأحداث . . يطول بي إلى مدى ما له حدود أو هو جد بعيد .
فلعل الأخ الأستاذ الدكتور نوري جعفر يغفر لي هذا التقصير .
إن بيدي الآن كتابه الجليل : " فلسفة الحكم عند الإمام " الذي أودعه خلاصة قيمة لهذه الفلسفة التي بزت غيرها من فلسفات ، وسبقت بمبادئها القويمة كل ما ارتآه الأقدمون والمعاصرون . .