وإذا كان الصديق الفاضل السيد مرتضى الرضوي قد شاء لي أن أدبج كلمة تتصدر الكتاب ، فالكتاب ، في رأيي غني عن التصدير والتقديم بمادته وبجهد مؤلفه ، وقدرته الفائقة على الغوص في السيرة العلوية لالتقاط الدرر ، باستخلاصها من الأصداف .
على أن يروق لي أن أختم هذه السطور بعبارة موجزة جرت على لسان أمير المؤمنين فإذا هي تتحدى بمضمونها كل ما استنبط الفلاسفة وذوو الآراء من مبادئ لإصلاح حال الشعوب ، ومداواة ما تعوزه الطبقية من عدالات .
قال الإمام :
" لكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه " فهل بغير صلاح الرعية يصلح الولاة ؟ . .
لقد تصارع الناس . وتصارعت الطبقات . وجاءنا صانعوا الفلسفات من أقدم العصور بألوان من المبادئ تحاول الاصلاح وإفادة السلام الاجتماعي على المواطنين ، فلم تبلغ أحدث مبادئهم ، ولا أكثرها " تقدمية " كما تقول لغة عصرنا الحديث - شأو كلمة الإمام . ولا احتوت مثل ما احتوت عبارته من مضمون .
الإسكندرية 14 سبتمبر سنة 1978 م عبد الفتاح عبد المقصود
مع رجال الفكر في القاهرة ( 2 ) بسم الله الرحمن الرحيم أراني ، وأنا أمر بلمح الذهن بعد رأي العين ، على صفحات هذا الكتاب : " مع رجال الفكر في القاهرة " إنما أمر على " ألبوم " يضم بين غلافيه مجموعة صور لطائفة غير قليلة من حملة الأقلام الأعلام الذين لهم فضل غير منكور في بناء النهضة الفكرية التي تلألأت بأرض مصر طوال ما انقضى من سني هذا القرن العشرين ، وأشعت بعض نورها على ما حولها من ديار وأقطار . . . فما يغيب عن بال منصف أن أي كاتب منهم إنما أضاف سطرا أو عبارة إلى موسوعة المعارف الإنسانية التي تهم هذا الشطر الشرقي من العالم وتشوقه . . أو وضع لبنة في بنائنا الثقافي ترتفع فترا ، أو شبرا ، وربما قامة بصرحنا الحضاري العربي الذي كان - من مئات السنين - منارة تنير طريق البشرية ، نأمل اليوم ونعمل على أن تغدو كسابق عهدنا ، هادية شماء ، تكسف إشراقة النهار ، وتطاول رفعة السماء ! . .
على امتداد مسيرة العقل الإنساني الخلاق ، وفي مختلف اتجاهات نشاطه يطوف واضع الكتاب : صديقنا " المرتضى " فوق صفحاته طوفا سريعا بقارئه في صحة كتاب أعلام قد تناولوا بأقلامهم ألوانا شتى من خطوات الفكر وسبحاته : عرضا وسردا ، أو وزنا ونقدا ، أو بحثا ودراسة . . .
فكيف تمضي بنا هذه الرحلة ، وإلى أين تقود ؟ . .
إنه لحدس صواب ، أو حدس توفيق ، كما أشتهي وأرجو ، أن أتلفت ويتلفت معي كل من يطالع الكتاب ، فإذا مجال " المطاف " - من أية زاوية تلقته العين - محمود مشكور . . . وإذا جهد " المطوف " - بأي مقياس قاسه الفهم - محمود مشكور . .
اشتهاء ورجاء ! . .
نعم ! . . .
ولكنه الاشتهاء الذي لا يغوص بالأمنية في أغوار المحال ، والرجاء الذي لا يسدر براجيه في غلواء الخيال . . ولست أعني بما أسلفت إشادة بالكتاب ، ولا إعلاء بشأن واضعه إذ الإشادة صدى لتقدير القارئ وحده وإنه لتقدير - في اعتقادي - وارد لا خلاف فيه . والإعلاء تكريم للمؤلف يغنيه عنه جزاء ما عرف من حسن بلائه فيما نشر له من قبل ، وما قد أخذ نفسه بنشره على أبناء العربية من ذخائر فكرية بعضها بقلمه وبعضها بأقلام سواه من المؤلفين بلسانها المبين . . إنما أحببت ، في حقيقة الأمر ، أن أشير بحركة مومئة ، إلى الكتاب المعروض الآن على القراء قد جاءنا بنحو فريد المثال من كتب السير والتراجم لم يتكلف فيه صاحبنا " مرتضى " تقديم عرض فني كامل لحياة بعض " رجال الفكر في القاهرة " يتناول مراحلهم العمرية بالتقصي والتفصيل أو يحاول التصدي لأعمالهم الفكرية بالدراسة والتحليل . . . بل هو أقرب إلى أن يكون مجموعة من خطوط ونقاط قلمية خفيفة : لينة كبسمة حانية ، رقيقة كنسمة وانية . . لكأن أولاها أسلاك صلب مغزول تمتد وحداته وتنتشر ، ثم تستقيم ، ثم تلتحم في هيئة قوائم ودعائم رأسية وأفقية فتكون ما يشبه الأطر . وكأن ثانيتها نثار تبر مبدور
تتدانى ذراته وتقترب ، ثم تلتئم ، ثم تنتظم في هيئة فرائد فقلائد ، مكونة أجساما شتى لونية أشبه بصور ! . .
على السجية الطليقة الرخية يمشي بنا واضع كتابنا هذا فوق الصفحات ، فإذا هو ، في سهولة ويسر ، ينقل لنا - كما أسلفت القول - صورا في أطر . . الأطر : حياة أرباب الفكر ، والصور كنه الأفكار . . فما أن تلتقي بما يقدم حتى ترى كل منها صورة في إطار ، لا مجلوة الجلاء كله ، ولا مطموسة الطموس كله ، وإنما تحتوي من الأضواء والظلال ما يوشك أن يضع الأعمال الفكرية لهؤلاء الأعلام على نحو يسعها معه التعبير عن محتوياتها ومضامينها بالإيماء والتلميح ، إن يكن فاته التفسير بالمجاهرة والتصريح .
ولا إخالني أغالي لو أنني قلت إن المؤلف قد اختار لنفسه ، بهذا الإيجاز الطريق الأصعب ، إذ نراه يؤثر الكلمة على العبارة ، والسطر على الصحيفة ، ولو استطاع فربما لجأ في تعبيره إلى الرمز دون الإفصاح متبعا مثل أسلوب الاختزال ! . .
والحق معه ! . .
فلقد شاء أن يجمع لقرائه أكبر قدر مما يعلم في أصغر حيز مما يكتب ! . .
إنه يعرف لهم بضعة وثلاثين علما من أعلام الفكر في صفحات معدودات يسهل عليه - لو شاء أن يفردها لواحد منهم . .
وهو يتخلل أذهان أعلامنا هؤلاء ليستخلص منها من ثمرات عقولهم ما قد يشبع بعض نهم المنهومين بالمعرفة واستقصاء الآراء . .
وهو يجري في معالجة هذا الأمر على طريقة من المناقشة الميسرة بينه
وبين من أسكنهم بين غلافي كتابه ، فإذا الحوار سهل هين ، وإذا الحديث رقيق لين ، وإذا المعاني لا تشق على قارئ متخصص ولا على قارئ يتخطف الكلمات تخطفا ويعبر السطور عبور من يزجى وقت فراغ ! . .
بل النقاش الذي يسوقه المرتضى لمدخل عرف كيف ينفذ منه إلى بث أفكاره العقيدية والدفاع عنها ، دون أن يتبدى للناس في ثوب دعوة ، أو في زر دفاع !
بل حديثه كله إغراء للقراء بمتابعة السير من أجل ارتياد منابع المعرفة التي وضع لهم - بموجزاته تلك - معالم واضحة على طريقها ، تهديهم إليها ، لينهل منها من شاء كيف شاء . . .
وأتساءل :
أفليست تلك المناقشات - وإن قصرت - " مشهيات " تضيف إلى تشهي المشتهي ، ونهم المنهوم ، وتهئ المقل العيوف للكظة وتناول أغلظ الطعام ! ؟
الإسكندرية 20 / 11 / 1975 عبد الفتاح عبد المقصود
فدك - 3 - بسم الله الرحمن الرحيم شاء لي الأخ الكريم : السيد مرتضى الرضوي أن أحوز شرف الإدلاء بكلمة " أكابد " تدبيجها لتكون بمثابة تقديم لهذا الكتاب الذي ما أراه في حاجة قط إلى تقديم . .
وأقول : " أكابد " وأنا أعني ما أقوله ، بكل ما تنطوي عليه حروف اللفظة من مضمون ، لأن تناول موضوع " فدك " من قريب أو من بعيد ، هو معاناة حقه ، تشق على المتناول أي مشقة ، وكل مشقة . . وكيف لا وإن المتصدي له - ولأمثاله من أمهات المسائل التاريخية الإسلامية التي تنضح بالمبادئ ، وتثير الجدل ، ولا يتعذر أن تتفرق عندها الآراء شيعا - لأشبه بمن يحاول أن يجتاز هوة سحيقة ، متنقلا بين حافتيها على خيط أدق من الشعرة ، وأحد من الشفرة ، لو أمن راكبه أن ينقطع فيهوي به من حالق لما سلم من نكاية الجروح ! . .
ولست أغالي . . فلي في هذا المجال تجربة قديمة ، خرجت منها مغموزا في رأيي ، مطعونا في عقيدتي ، من رهط - سامحهم الله ! - يرون في كل أعمال فكر ، ونقاش حر ، والتزام بمنطق العقل ، في معالجة بعض الأحداث البانية لتاريخ الإسلام ، خروجا عن الجادة السوية . . ولم يكن تهمتي يومئذ التي
بي ألصقوها ، ومن أجلها غمزوني وطعنوني ، سوى أنني - في كتابي :
" الإمام علي ابن أبي طالب " - قد عمدت إلى استقراء الوقائع واستنبائها ما تكن من مغازيها . وإلى تحصيل أقوال الرجال الذين صنعوها أو أسهموا فيها ، أو عايشوها . .
فلما أن قادني البحث والتقصي إلى رأي ارتأيته في سلوك بضعة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعاصريه ، أقروا هم به ، قبل المئات العديدة من السنين من تناولي إياه ونظري فيه ، هاجمني من ذلك الرهط من الكتاب المحدثين من استهواه نزغ الهجوم ، فشنأني شانئون ، وتخرص متخرصون ، ورماني رماة بالتطاول الآثم على مقام طائفة زائدة - كأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابن العاص وغيرهم - من ذوي القدمة أو البلاء أو المكانة في المجتمع الإسلامي المتقدم ، مشهود لهم - ولا أدري ممن - بالعصمة ! . .
ويشهد الله أنني ، وإن عرضت لهم ، لم أعرض بهم . . وإن تناولت جوانب من حياة بعضهم ، فتناولي لم يكن افتئاتا عليهم ، ولا هضما لهم أو لغيرهم من صانعي التاريخ الإسلامي إبان فجره . . إنما قد رسمت صورهم بريشة ناقد لا حاقد . وذكرت سيرهم مقرونة بالحق كما تبينته ، وكما قادني إليه اجتهاد بحثي . . ما تأولت على أحد منهم غير رأيه . ولا تقولت غير قوله .
ولا أخذتهم فرادى وجمعا إلا بالمعلوم المشهور من نصوص أحاديثهم ودعاواهم ، وضروب فعالهم وسلوكهم التي حفظتها لنا بطون الأسفار . .
فكيف ألام ؟
وبأية حجة يحق على أن أؤثم ، وما من إثم اقترفته في حق أولئك " المعصومين ! " يوجب التأثيم ؟ .
لئن كنت أشرت - ولا أنكر - إلى هنة في تصرف هذا الفرد منهم ، أو تصرف ذاك ، فإنني كما سبق القول ، لم أكن إلا ناقلا عنهم ذكر بعض ما فعلوه أو قالوه ، واعترفوا بفعله وبقوله ، بالسلوك الصريح واللسان المبين ، وهم في معرض اعتزاز وإدلال ، أو بمقام تعليل وتدليل . . .
لكنه منطق الشنآن . . .
غير أنني الآن أتناسى ما كان ، وأقتحم ما أرادني الأخ " الرضوي " على اقتحامه ، فأجتاز الهوة من حافة ، على ذلك الخيط الدقيق كالشعرة ، الحديد كالشفرة ، لعلي أستطيع أن أدلى بكلمة حق ، يشرفني كل التشريف أن تتصدر صفحات هذا الكتاب الجليل ، الذي يؤكد ذلك الحق الذي سلبته الزهراء . .
لقد وجدتني وأنا أتأمل : كتاب " فدك " إنما كنت أتأمل حشدا من الأسانيد لإثبات ما ليس بحاجة إلى إثبات ! !
ثم وجدتني أيضا أتساءل : كيف السبيل إلى مقدمة تليق بأن تتصدر صفحاته ، وتطالع قارئه بما ينبغي أن يقال فيه ؟ . .
إن التقديم لهذا الكتاب في حاجة إلى سعة كتاب ! . .
ولا عجب . . .
فليست تكفي بضعة أسطر ، ولا بضع صفحات للتعرف به حق التعريف ،